-->
نفحات الطريق  نفحات الطريق
recent

آخر المشاركات

recent
random
جاري التحميل ...
random

حكم الأحوال عند الصوفية في الإسلام



حكــــــــــم الاحـــــــــــوال


تمهيــــــــــــد : 

قال زهير الطنجاوي لصديقه : " رأيتك متشنجا وأنت تشاهد مريدي طريقتنا وقد غلبت على بعضهم الاحوال فتواجدوا من حلاوة الاذكار والسماع ، هل بدت لك هذه الاحوال مخالفة للإسلام أم ماذا ؟ "

فقال صديقه : " ليست مخالفة للإسلام فحسب ، بل هي الضلالة بعينها ، بالله عليك هل كان السلف الصالح يرقص مثل هذاالرقص ما هذه الحماقات ؟ حسبنا الله ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله " 

فما هي الأحوال ؟ وما حكمها ؟

تعريف الأحوال : جمع حال ، وهو : " عبارة عن واردات روحانية ترد على القلوب السليمة فتهز الشعور والوجدان ، فتتحول إلى تصرفات جسيمة ظاهرية " الحقيقة القلبية " أحمد لسان الحق البودشيشي

وقال ابن القيم رحمه الله : " هو ما يرد على القلب من واردات المحبة والشوق والإجلال والتعظيم " " مدارج السالكين " ( ج 3/ ص 65 )

وللحال مرادفات أخرى منها : الوجد ، والتواجد ( أي افتعال الوجد ) ، والحضرة ، والعمارة ، وسمي الحال بالعامية المغربية : " الجذبة " و " التحيار " .
وسماه البعض " الرقص " وهي تسمية غير دقيقة ، لان الصوفية " يرقصون " نتيجة أحوال ربانية ، وغيرهم يرقصون نتيجة دواعي نفسانية ، أو أحوال شيطانية.

قال سيدي أبو مدين الغوث : إذا اهتزت الأرواح شوقا إلى اللقاء نعم ترقص الأشباح يا جاهل المعنى 

حكم الأحوال في الإسلام


أجمع جمهور العلماء على عدم حرمة الحال ، واتفقوا على إباحته ، ولم ينقل عن الصحابة رضي الله عنهم إنكاره .


قال ابن تيمية رحمه الله : " والذي عليه جمهور العلماء ان الواحد من هؤلاء إذا كان مغلوبا عليه لم ينكر عليه ، وإن كان حال الثابت أكمل منه " ." الفتاوى " ( ج 11/ ص 8 ) 

واتهم ابن تيمة المنكرين للاحوال بقسوة قلوبهم فقال : " وهذه الأحوال إذا كانت أسبابها مشروعة ، وصاحبها صادقا ، عاجزا عن دفعها كان محمودا على ما فعله من الخير ، وما ناله من الإيمان معذورا فيما عجز عنه وأصابه بغير اختياره ، وهو أكمل ممن لم يبلغ منزلته لنقص إيمانهم ، وقسوة قلوبهم ... " " الفتاوى " ( ج 11/ ص 12 )

ونفس الحكم قال به ابن القيم رحمه الله : " والتحقيق أن صاحب التواجد إن تكلفه لحظ وشهوة لم يسلم له ، وإن تكلفه لا ستجلاب الحال ، أو مقام مع الله سلم له " ." مدارج السالكين " ( ج3/ ص 299 )

واتفق علماء المالكية على جواز ذلك للأدلة الصحيحة منهم الإمام أحمد الصاوي رحمه الله الذي قال :" أما الرقص فاختلف فيه الفقهاء ، فذهبت طائفة إلى الكراهة وطائفة إلى الإباحة ، وطائفة إلى التفريق بين أرباب الأحوال ، وغيرهم فيجوز لأرباب الأحوال ، ويكره لغيرهم ، وهذا القول هو المرتضى . كتاب بلغة السالك فصل الوليمة وأقره أيضا الإمام المواق الغرناطي عالم زمانه في " سنن المهتدين " وكذلك العلامة الونشريسي في " المعيار"" التراتيب الإدارية " عبد الحي الكتاني ( ج2/ ص 143 )
وأجازه الحنابلة أيضا حيث قال الإمام السفاريني رحمه الله : قال الإمام أحمد رضي الله عنه : لا أعلم أقواما أفضل منهم قيل له : إنهم يستمعون ويتواجدون ؟ قال :دعوهم يفرحون مع الله ساعة فقيل له :فمنهم من يموت ؟ومنهم من يغشى عليه ؟قال:{وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون} "غذاء الألباب " (ج 1/ص129)

أما ما يفعله العوام ومقلدوا الصوفية من أفعال وتصرفات واحوال مخالفة للشرع أمام الأضرحة وغيرها , فقد أنكرها السادة الصوفية و الفقهاء وتحدثوا عنها في كتبهم ,وقد يفهم بعض طلبة العلم من إنكار العلماء لهذه الأمور أنهم يحرمون الأحوال , و هوفهم غير صحيح.

وكان على منكري الأحوال أن ينتبهوا إلى أحوال الجماهير الكروية ,وما تقوم به جماعات " الأولتراس" داخل الملاعب الرياضية من رقص وجذب وحضرة هستيرية ,تنتهي بتخريب الممتلكات الفردية والجماعية ,وربما إزهاق للأرواح البشرية.
وكان عليهم ، ينتبهوا أيضا إلىرقص الشباب و الشابات وسط الساحات العمومية ,متحلقين بمئات الآلاف حول منصات مهرجان الموسيقي الغربية, وما يصاحب ذلك من أحوال شيطانية تنتهي بالعربدة والفجور و الإباحية .

فالحال الرباني مجمع على عدم حرمته,ولم ينكره أحد من أهل العلم المعتبرين.



الدليــــــل مـــــن الكتــــــــــــاب :


قال الألوسي في التفسير:{خرج جمع من الصحابة رضي الله عنهم يوم العيد ,فجعلوا يذكرون الله ,فقال بعضهم أمَا قال تعالى :"يذكرون الله قياما ؟ " فقاموا يذكرون الله قياما } "روح المعاني" الألوسي (ج 4\140)
فالأذكار الجماعية التي يرددها الصحابة رضي الله عنهم كانت غالبا مصحوبة بالتمايل كتمايل الأشجار عند هبوب الريح القوية العاصفة .

قال الفضيل بن عياض رحمه الله : {كان أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم إذا ذكروا الله تمايلوا كما تتمايل الشجرة بالريح العاصف , إلى الأمام ثم تراجع إلى الوراء}

ونفس الوصف ذكره سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه حيث قال : {مادوا كم تميد الشجرة في يوم الريح ,فانهملت أعينهم حتى تبتل – والله - ثيابهم } مادوا = أي تمايلوا." البداية و النهاية" لإبن كثير ( ج 8 \ ص 6) 

فهذه الأوصاف لأحوال الذكر ( من قيام وتحرك أو تمايل وغيرها) جاءت مطلقة ,فلا يجوز تقييدها إلا بنص ,وهو غير موجود فيبقى الاطلاق هو الاصل .

وقد سجل القرآن الكريم عدة أشكال مختلفة من الأحوال , منها حال النبي موسى عليه السلام,وحال يعقوب أبو يوسف عليهما السلام , وكذالك أحوال أصحاب النبي صل الله عليه وسلم , وحال الجمادات كتصدع الجبل ,واهتزاز الأرض عند نزول المطر. فوجب النظر الى ذلك .


الدليــــــــــل مـــــــــن السنــــــــة :

قال سيدنا علي ابن طالب رضي الله عنه : {اختصم علي ,وجعفر ,وزيد بن حارثة , فقال النبي صل الله عليه وسلم لعلي :"أنت مني ,وأنا منك" فحجل علي (أي رقص فرحا ووجدا ) وقال لجعفر : " أشبهت خلقي وخلقي" فحجل جعفر , وقال لزيد: " أنت أخونا و مولانا " فحجل زيد}. رواه الإمام أحمد وغيره .

وقد سئل الإمام ابن حجر : {هل رقص أحد بحضرة الرسول صلى الله عليه وسلم؟ فأجاب: "نعم إن جعفر ابن أبي طالب رقص بين يدي رسول صلى الله عليه وسلم , لما قال له:" أشبهت خلقي و خلقي " وذلك من لذه الخطاب ,ولم ينكر عليه الرسول صلى الله عليه وسلم }" الإلهامات الإلاهية " أبو الشامات ( ص 50)
وفي رواية أخرى لابن حجر : " قال النبي صلى الله عليه وسلم لجعفر : ما هذا ؟ قال : شيء رأيت الحبشة يصنعونه بملوكهم " ." فتح الباري على شرح البخاري " لإبن حجر ( باب عمرة القضاء) .

إفـــــــــــــــــــادات داعمــــــــــــة :

1- ثبت في الصحيح أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه "وثب " (أي اهتز وقفز في مكانه), وهو يقرأ : "سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ" وكان هذا في يوم " بدر" حين أخذ بيد النبي صلى الله عليه وسلم وقال له :"ألححت على ربك يا رسول الله ثم خرج رضي الله عنه , وهو يفعل ذلك " يثب" ويقول : " سيهزم الجمع.رواه البخاري وغيره .

فسيدنا أبو بكر رضي الله عنه غلبه الحال أمام النبي صلى الله عليه وسلم ، ولم ينكر عليه ذلك ، فلو كان هذا الوثوب والقفز من شدة الفرح حراما أو مكروها لنهاه صلى الله عليه وسلم.

وكل الناس – تقريبا – يقفزون تعبيرا عن بهجتهم وفرحتهم – كبراءة الأطفال في فرحتهم فترى الواحد منهم يقفز فرحا بنجاحه في مسابقة ما ، أو حصوله على شيء تمناه ، أو توصله بخبرمفرح فيطير بوقعه عليه بهجة وسرورا .

2– قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" أكثروا من ذكر الله حتى يقال : مجنون" رواه أحمد .

فالذاكر إذا استوعب الذكر ، وذاق حلاوته ، غاب عن وجوده ، وتصرف تصرفا غير مألوف ونظر إليه الناس نظرة تعجب واستغراب وحكموا عليه بالحمق والجنون .
قال سيدي عبد الرحمان المكناسي الملقب ب " المجذوب " :

إطلع النهار على قلبي حتى نظرت بعَيْنَيّا 
مجذوب ما أَناشْ مجنون الأحوال هذي إلّي بيا

وقد سئل ريم بن أحمد رضي الله عنه عن أحوال المشايخ الذين لقيهم في السماع كيف يكونون ؟ قال: " كقطيع الغنم الذي هجم عليه الذئب "
وقال : " يشهدون المعاني – التي تعزب عن غيرهم – فتشير إليهم إلي ، فيتنعمون بذلك الفرح ، ثم يقع الحجاب ، فيعود ذلك الفرح بكاء ، فمنهم من يخرق ثيابه ، ومنهم من يصيح، ومنهم من يبكي ، كل إنسان على قدره " ." الرسالة" للقشيري ( ص 341 )

ليس بنا جنون هذا طعم المنون 
من ذاقه يكون من أولياء الله

هذي طريق الحال لا تعرف بالمقال 
لا تدرك بالأعمال هي من فضل الله 


3– قال أنس رضي الله عنه :  " كان الحبشة يرقصون بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقولون بكلام لهم : محمد عبد الصالح "متفق عليه.
هذا الحديث الشريف دليل على جواز الرقص مع مدح للنبي الله صل الله عليه وسلم ، وقد يكون هذا الرقص داخل المسجد كما جاء في الحديث ، وقد أقر نبي الله صل الله عليه وسلم هذا الجو من المديح مع الرقص ، ولم ينكره لأنه كان يوم عيد وفرحة ، و في العيد فرصة للفسحة والترويح، كما قال النبي الله صلى الله عليه وسلم.

وعلى هذه السنة سار أهل مكة والمدينة والحجاز ونجد وما حولها من القرى والقبائل إلى يومنا هذا يحتفلون بالمناسبات الخاصة والأعياد بالرقصات الشعبية مثل رقصة ( العرضة ، والمجرور ، والرزفة ، والدحة ، والفريسة ، والزامل ، والسامري )
ومن أغرب الرقصات عند سكان المملكة العربية السعودية اليوم رقصة " الخبيتي " وما اصطلح عليه مؤخرا ب " الإستنزال " وهو نوع من الحضرة القوية يفقد صاحبها وعيه فيبدأ بالرقص بشكل جنوني فمنهم من يصيح ( هو هو ) ومنهم من يصرخ ، ومنهم من ترتعد فرائصه بشكل غريب حتى يسقط مغشيا عليه ، فيحمل على الأكتاف خارج الحضرة ، ولله في خلقه شؤون .

أما علماء العربية السعودية فمنهم من أنكر هذه الأحوال ، ومنهم من سكت عنها لعلمه أن أصحابها مغلوبون على أمرهم ، وأن ذلك جرى فوق طاقتهم ، فلا يلامون .
أما من حرم الأحوال الربانية فقد طالبه الشيخ عبد القادر عيسى رحمه الله بإتيان دليل على فتواه فقال رحمه الله :
{ والذي يدعي تحريم الحركة في الذكر أو كراهتها ، هو مطالب بالدليل لأنه يخصص بعض الحالات المطلقة دون بعض بحكم خاص}. " حقائق عن التصوف " ( ص 134 )


الخلاصة :


يتضح من الأدلة السابقة جواز الأحوال التي تقع للسادة الصوفية أثناء ذكر الله أو السماع أو الموعظة أو المذاكرة ، او بنظرة للجمال أو للجلال .
قال سيدي أحمد لسان الحق البودشيشي رحمه الله : " إن الحضرة الصوفية الصافية روحية قلبية في أصلها ومصدرها لا علاقة لها بالجسم إلا من حيث اضطرابه باضطراب الروح "" الحقيقة القلبية" (ص 155)

بقلم : محمد النوة

عن الكاتب

حسن بن أحمد

التعليقات



إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد الموقع أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة

نفحات الطريق

2016