-->
recent

آخر المشاركات

recent
random
جاري التحميل ...
random

تفسير قوله تعالى : هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ.

تفسير قوله تعالى : هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ.

{ هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ٱبْتِغَاءَ ٱلْفِتْنَةِ وَٱبْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ ٱللَّهُ وَٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ } * { رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ ٱلْوَهَّابُ } * { رَبَّنَآ إِنَّكَ جَامِعُ ٱلنَّاسِ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ }

 رُوِيَ عن عائشة - رضي الله عنها-:أن النبيّ صلى الله عليه وسلم - قرأ هذه الآية فقال:

" إِذَا رَأَيتُم الذِينَ يَسألُون عن المتشابه منه، ويجادلون فيه، فهم الذين عَنَا الله تعالى، فاحذروهم، ولا تجالسوهم ". { وما يعلم تأويله } على الحقيقة { إلا الله } تعالى، وقد يُطلع عليه بعضَ خواص أوليائه، وهم { الراسخون } أي: الثابتون في العلم، وهم العارفون بالله أهل الفناء والبقاء، وهم أهل التوحيد الخاص... فقد أطلعهم تعالى على أسرار غيبه، فلم يبق عندهم متشابه في الكتاب ولا في السنة، حال كونهم { يقولون آمنا به } ، وصدقنا أنه من كلامه، { كُلّ من عند ربنا } المحكم والمتشابه، وقد فهمنا مراده في القسمين، وهم أولو الألباب، ولذلك مدحهم فقال: { وما يَذَكَّرَ إلا أُولوا الألباب } أي: القلوب الصافية من ظلمة الهوى وغَبَش الحس. سُئل عليه الصلاة والسلام: مَن الراسخون في العلم؟ فقال: " من برَّ يمينُه، وصدق لسانُه، واستقام قلبُه، وعفَّ بطنُه وفرجه، فذلك الراسخ في العلم " وقال نافع بن يزيد: الراسخون في العلم: المتواضعون لله، المتذللون في طلب مرضات الله، لا يتعظمون على مَنْ فوقهم، ولا يحقرون من دونهم. هـ. وقيل: الراسخ في العلم: من وجُد فيه أربعة أشياء: التقوى بينه وبين الله، والتواضع بينه وبين الخلق، والزهد بينه وبين الدنيا، والمجاهدة بينه وبين نفسه. هـ. قلت: ويجمع هذ الأوصاف العارف بالله، فهو الراسخ في العلم كما تقدم. ويقولون أيضاً في تضرعهم إلى الله: { ربنا لا تزغ قلوبنا } عن نهج الحق بالميل إلى اتباع الهوى، { بعد إذ هديتنا } إلى طريق الوصول إلى حضرتك، { وهب لنا من لدنك رحمة } تجمع قلوبنا بك، وتضم أرواحنا إلى مشاهدة وحدانيتك، { إنك أنت الوهاب } تهب للمؤمل فوق ما يؤمل. { ربنا إنك جامع الناس ليوم } الجزاء الذي { لا ريب فيه } ، فاجمعنا مع المقربين إنك { لا تخلف المعياد } فأنجز لنا ما وعدتنا في ذلك اليوم. وخلف الوعد في حقه تعالى محال. أما الوعد بالخير فلا إشكال، وأما الوعيد بالشر، فإن كان في مُعَيِّنٍ فلا يخلفه، وإن كان في الجملة فيخلفه بالعفو. والله تعالى أعلم. وقال في النوادر أيضاً: لَمَّا رَدَّ الراسخون في العلم عِلْمَ المتشابه إلى عالمه، حيث قالوا: { آمنا به كل من عند ربنا } ، خافوا شَرَه النفوس لطلبها فإنَّ العلم لذيذ، وفتنة تلك اللذة لها عتاب، ففزعوا إلى ربهم فقالوا: { ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة } ، علموا أن الرحمة تطفئ تلك الفتنة. ولما كان يوم القيامة ينكشف فيه سر القدر حنوا إليه فقالوا: { ربنا إنك جامع الناس... } الآية. سكنوا نفوسهم لمجيء ذلك اليوم الذي تَبْطُنِ فيه الحكمة، وتظهر فيه القدرة. هـ. بالمعنى. الإشارة: إذ صفت القلوب، وسكنت في حضرة علام الغيوب، تنزلت عليها الواردات الإلهية والعلوم اللدنية، والمواهب القدسية، فمنها ما تكون محكمات المبنى، واضحة المعنى، ومنها ما تكون مجملة في حال ورودها، وبعد الوعي يكون البيان،
فَإْذَا قَرَأْنَاهُ فَاْتَّبِعْ قُرْءَانَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ }
[القيامة: 18، 19]. وقد تكون خارجة عن مدارك العقول. فأما أهل الزيغ والانتقاد فيتعبون المتشابه من تلك الواردات، ابتغاء فتنة العامة، وصرفهم عن طريق الخاصة، وابتغاء تأويله، ليقيم عليه حجة الشريعة، { وما يعلم تأويله إلا الله } ، أو من تحقق فناؤه في الله، وهم الراسخون في معرفة الله، يقولون: { آمنا به كل من عند ربنا } إذ القلوب المطهرة من الهوى لا نطق عن الهوى، وهم أرباب القلوب يقولون: { ربنا لا تزغ قلوبنا } عن حضرة قدسك { بعد إذ هديتنا } إلى الوصول إليها، { وهب لنا من لدنك رحمة } تعصمنا من النظر إلى سواك، { إنك أنت الوهاب }. ربنا إنك جامع الناس. وهم السائرون إليك ليوم لا ريب في الوصول إليه، وهو يوم اللقاء، { إنك لا تخلف الميعاد } فاجمع بيننا وبينك، وحل بيننا وبين من يقطعنا عنك { إنك على كل شيء قدير }.

* تفسير البحر المديد في تفسير القرآن المجيد/ ابن عجيبة 

عن الكاتب

حسن بن أحمد

التعليقات



إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد الموقع أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة

نفحات الطريق

2016