-->
recent

آخر المشاركات

recent
random
جاري التحميل ...
random

كتاب : الحقيقة القلبية الصوفية / أحمد لسان الحق(22).

وقد ركّز المفكر الفرنسي المسلم "ميشيل سوكييفيتش" في كتابه عن الشيخ الأكبر ابن عربيّ الحاتمي على أتقياء العلماء ، الذين نعتهم بالقدّيسين مع التحفظ في لفظ"القدّيسين" الذي جرَّ معناه من المسيحية . وكلامه ينصرف انطلاقا من الصوفيّ ابن عربيّ ، ومن التعبير بالقدّيسين إلى علماء الحقيقة أكثر من علماء الشريعة ، فقال :"إن الديانة لا تعني بالضرورة الديانة التي لها مؤسسات قويّة ، وتملك أسباب الثراء المادّي والجاه... إن الديانة الحيّة هي التي تعيش بقدّيسيها . وأعتقد أن هذا هو السرّ.. إنّني واثق أنّ البترول ليس هو سرّ قوة الإسلام ، ولكن قوته هي رجاله الأتقياء . وهذا ما حاولت شرحه في كتابي . فابن عربي يرى أنّه حين ينتهي القدّيسون فسيكون ذلك نهاية العالم".

وسيأتي في مكانه ما نقله الإمام السيوطي عن اليافعي في "كفاية المعتقد" حول أهمية المسخّرين بيد القدرة الإلهية روحيّا وغيبيّا ، من أجل إرساء القواعد المعنوية لهذا العالم ، وختم كلامه بقوله : "وإذا أراد الله أن يقيم الساعة أماتهم أجمعين ، وبهم يدفع الله البلاء عن عباده ،ويُنزل قَطر السماء" وعلّ ذلك ما يقصده الشيخ ابن عربي بانتهاء العالم بانتهاء أصحاب الحقيقة الإلهيّة ، الذين نعتهم المؤلف بالقدّيسين : نقلنا هذا النّص لكونه من مصدر غير معتاد في التركيز على الحقيقة الغيبيّة . وقد يكون درسا للذين تلوك ألسنتهم سرّ الإسلام وحقيقته ، ولا يجيدون مضغها .

نعم "إنّ البترول ليس هو سرّ قوّة الإسلام ، ولكن قوته هي رجاله الأتقياء" إنّ الإسلام كان قويّا برجاله الأتقياء ، قبل أن يكتشف البترول بأربعة عشر قرنا . ومصدر قوته تتجلّى في قول أبي بكر الصدّيق :"والله ما انتصرنا على الرّوم والفرس بكثرة عدد ولا عُدّة ، ولكن بشيء وَقَرَ في الصدر من هذا الدين" وأَين مصدر هذه القوّة اليوم ؟ وهل بقيت أو ذهبت بذهاب مصدرها ؟ وبما أن أبا بكر خليفة حاكم ، وعالم وقَرَت الحقيقة الإسلاميّة في صدره ، نتساءل : هل يقوَى الإسلام ، ويصلح المجتمع بصالحي العلماء من أصحاب الشريعة والحقيقة ، أوبصالحي الولاة والحكّام أو بهما معًا ؟ في جميع الأحوال ، وفي أي ميدان ، وبأيّ فريق فالصالحون هم مصدر الإصلاح ، والجهّال والضعفاء والفاسدون هم مصدر الفساد والفتنة .

وفي مقدمة أسباب الفساد أن تسود الفوضى . ولو باسم "الديموقراطيّة" أو بدعوى الحريات العامّة ، التي إذا كانت غير منظمة ومحدّدة بقانون تهدم ولا تبني، كما وقع في بعض البلدان ، فيقع عدم وضع الأمور مواضعها ، في فرض مصلحة الأمّة ، واعتبارها فوق كلّ اعتبار .. وإذا وقع الإرتكاس بين القيّم ، تصدّى للإصلاح من هو في حاجة إليه ، وينفلت زمام المبادرة من يد الصّالحين المصلحين ، ويد العلماء الربّانيين ، وتضيع الأمّة من مساعدتهم . وقد قرأت من بين الوثائق القديمة رسالة للسلطان مولاي سليمان العلوي كتب بها إلى العالم الوليّ الصالح السيد العربي بن صالح ، يلومه على عدم مساعدة الدولة ، وأفهمه أن ما ينبغي أن يقوم به ولم يفعل ، قد قام به غيره ، كتوبيخ له.

فصالحوا العلماء من أصحاب الشريعة والحقيقة هم أوتاد المجتمع ، ومصدر صلاحه ، وصالحوا الولاة هم أعمدة الدولة ومصدر صلاحها . والدولة والمجتمع إسمان لمسمّى واجد هو الأمّة.. والأعمدة تقوم على الأوتاد القويّة ، وقوّة الأوتاد تضيع إذا لم تكن الأعمدة قويّة. والقوّة الفعّالة المتكاملة ، تكمن في القوّة بالله ، وفي صالحي العلماء والولاة معا ، فيقع الجمع بين قوّة الأعمدة ، وقوّة الأوتاد ، ويتم الانصهار والاندماج بين أعمال القاعدة الصالحة ، والقمّة الصالحة ، من أجل أمّة صالحة ، كما وقع في صدر الإسلام. والأمر كما قال الشاعر :

لا يَصلُحُ الناسُ فَوضى لا سَراةَ لَهُم 
وَلا سَراةَ إِذا جُهّالُهُم سادوا 

وَالبَيتُ لا يُبتَنى إِلاّ لَهُ عَمَدٌ 
وَلا عِمادَ إِذا لَم تُرسَ أَوتادُ 
فَإِن تَجَمَّعَ أَوتادٌ وَأَعمِدَةٌ 
لِمَعشَرٍ بَلغوا الأَمرَ الَّذي كادوا 

وأما نهاية العالم في معناه بانتهاء العلماء، كما نقل المؤلف عن ابن عربي ، فقد بدأت بوادر نهاية العلم ، في مستواه وعمقه وحقيقته وصدق أصحابه... وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلّم إذ يقول فيما أخرجه الإمام البخاري في صحيحه :( إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ ، انْتِزَاعًا ، يَنْتَزِعُهُ مِنْ الْعِبَادِ ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤساء جُهَّالًا ، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا ) والفتوى تقع على مستوى الاجتهاد ، وليس على مستوى التقليد ، وتكون حسب الاختصاص حول العلم بالله ،كما تكون حول العلم بشرعه. إنما في العلم بالله ، تكون بالدلالة على حقيقته ، كما تقدم في قوله تعالى :(الرَّحْمَٰنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا) وفي العلم بشرعه ، تكون باستنباط الحكم من النصوص الأصلية.

والعلماء الذين يقبض الله العلم بقبضهم ، ويتركون فراغا في ميدان الشريعة والحقيقة ، يسدّه الجاهلون للشريعة والحقيقة في أصالتهما ، هم العارفون بالله من جهة ، والفقهاء المحقّقون الصّادقون المخلصون ، الصالحون المصلحون من جهة أخرى.. وأمّا المدّعون للحقيقة الغيبيّة ، وأصحاب الشهادات الجامعيّة الذين تكتب درجاتهم على صفحات الأوراق ، ولا تكتب على صفحات العلم والحياة ، فيزدادون . ومن الأحاديث التي وجدت مكانها في هذا العصر ، قول النبي صلى الله عليه وسلم :(اتَّخَدَ النّاسُ رُؤَسَاءَ جُهّالاً) فعبر القرون والأجيال لا تعرف المجتمعات الإسلامية إلّا لفظ الفقيه أو العالم ، ابتداء من الأئمة : مالك وأحمد والشافعي وأبي حنيفة ومن دونهم ، وكل الفتاوي المطبوعة والمخطوطة التي بين أيدينا تحمل إسم فقيه أو عالم ، واليوم نسمع فتوى أصدرها رئيس كذا ، وتقوم الضجّة نحوها ، لأنها أصدرها رئيس يراعي البشر ، ولم يصدرها عالم يراقب ربّ البشر.. وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم (إذا أُسندَت الأمور لغير أهلها فانتَظر الساعة).

وقد روى البخاري حول أشراط الساعة أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال :(مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يَقِلَّ العِلْمُ، وَيَظْهَرَ الجَهْلُ، وَيَظْهَرَ الزِّنَا، وَتَكْثُرَ النِّسَاءُ، وَيَقِلَّ الرِّجَالُ) والكل قد وقع. والعلم الذي يقلّ ، وينصرف إليه الحديث ، ويصدّقه الواقع ، هو العلم بالله وبشرعه . وكونه من أشراط الساعة يِؤيّد فراسة ابن عربي ، في ربط نهاية العالم بانتهاء هذا النوع من العلم ، إذا لم ينته كمّاً وماديّا ، ينتهي كيفاً ومعنوياً.. وهو أمرٌ نلمسه أثناء الدراسة . وهو واقع يتشكّى منه الجميع . وقد كنت أسأل العلماء أثناء الندوات الدوليّة ، فاتفق الجميع على تدنّي المستوى في الدراسات الحالية.. قد يقع تدنّي المستوى حتى في اوربا مثلا ، لكن التدنّي في مثل الأدب والفلسفة ، غير التدنّي في الدراسات الشرعيّة ، إذ لا يترتب عنه في مثل الأدب والفلسفة حجم الخطر الذي يهدّد بقلب الأوضاع في شرع الله.

ولعلّ السبب الرئيسي في هذا التدنّي ، أن الطلبة كانوا بنيتهم الحسنة يدرسون حبّا في العلم ، يريدون به وجه الله ، والدار الآخرة ، وكان هدفهم الوحيد أن يتمتّعوا بنعمة العلم ، ويكونوا من كبار العلماء من أمثال العالم فلان وفلان ، كما كنّا نتمنّى أيّام كنّا طلبة ، فيجازيهم الله على حسن قصدهم إيّاه ، ويبارك لهم فيما علموا.. واليوم قد غيضَ مَعينُ حبّ العلم ، وانصرفت هممهم عن التحصيل إلى التفكير في النجاح بطريقة أو بأخرى ، إذ يدرسون بنية الحصول على الشهادة ، من أجل الوصول إلى التوظيف ، وتحقيق مكاسب ماديّة . والتوظيف قد يكون وقد لا يكون ، إلى جانب تكاثر الأهواء في هذا العصر ، فركدت الهمم ، وتدنّى المستوى . وقبل أن تطفأ شعلة حبّ العلم بخمسين سنة ، عرفنا في جامعة القرويّين بفاس طلبة يرفضون التسجيل في النظام ، ويتناقلون بين حلق العلم أحرارا ، كي لا تفسد نيتهم بقصد الشهادة ، ويطلبون العلم لغير الله.. وإنّما كثيرا ما يقرأ الطالب لهدف دنيويّ ، وإذا وقع له الرجوع إلى الله في مرحلة من مراحل حياته ، رجع إليه بعلمه. وفي ذلك قال الإمام الغزالي ، الذي كان فيلسوفا مناظرا ، ثم رجع إلى الله :"قرأناه لغير الله ، وأَبَى أَن يكون إلّا لله".

وصدق رسول الله في كل ما قال عن أشراط الساعة . والكل قد بدا للعيان. وبخصوص قلّة العلم ، قد أصيب العالم الإسلامي في هذا العصر بأدعياء العلم ، وأنصاف الفقهاء يفتون بآراء شخصيّة ، تعرف إرادة الناس ، وتجهل الكتاب والسنّة ، كما أصيب بشباب انتحلوا سلفية جديدة ، وابتدعوا "اللّامذهبيّة" وهم أجهل الناس بالفقه التقليدي ، وتراموا على شرع الله من غير علم ، فضلّوا وأضلّوا . وقد روى ابن الكردبوس عن عمر بن الخطاب أنّه قال :"قد اقترب منكم زمان كثير الأمراء ، قليل الأمناء ، معدوم الفقهاء"(78) يعني الفقهاء الحقيقيّين بالمعنى الكامل ، وهو ما قدّر الله أن يقع في زماننا.. والواقع المشاهد أن كلّ عالم محقّق انتقل إلى رحمة الله ، لا يترك من يخلفه في مستواه العلميّ وصدقه وإخلاصه وخلقه وقناعته.. وقد قلت لأحد أساتذتنا : تقولون : إنّ أساتذتكم أحسن منكم ، وأنتم أحسن منّا ، وقد نكون أحسن من تلامذتنا... فأجاب :"كلّ يوم تُرذَلون".

ولا شكّ انّ المهمّة الأولى لمن تبقّى من العلماء المحقّقين الصادقين المخلصين ، الذين يتعاملون مع الله في الغيب ، ويراقبونه في أعمالهم ، هو التّبيين بأمانة علميّة ، ومسؤوليّة أمام الله ، خاصة في هذا العصر ، الذي ارتكست فيه القيم ، واختلطت القوانين السماويّة بالوضعيّة ، وأريد للأحكام الشرعيّة ان تستجيب للمصالح الشخصيّة او ما في حكمها.. والله تعالى يقول - مخاطبا لنبيه - ( وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ) والعلماء ورثة الأنبياء : ورثة الأنبياء في تقوى الله ، وفي الصدق والإخلاص ، وحسن الخلق ، وتبيين ما أنزل الله ، كما أنزل ، وفي غيبة عن مراعاة البشر ،خاصّة أنّ الناس اليوم كثيرا ما يستفتون ، لا ليعلموا حكم الله ، ويلتزموا بتطبيقه ، وإنما من أجل حلّ بعض المشاكل الاقتصادية ، ولو على حساب شرع الله ، جاهلين أن فتوى الفقيه لا تبرئ الذمّة ، ولا تنجي من حساب الله ، إذا خالفت الكتاب والسنة.. والفتوى من أخطر ما يواجه العالم : علما ودينا وصدقا وخلقا ، وأمانَة علميّة... وهي أول ما يسأل عنه يوم القيامة ، إذ يعتبر بمثابة ترجمان عن الله ، فيما يريده تعالى ويقصده.. وتعني مطلق القول في شرع الله ، ولا تعني الطريقة المعتادة في إصدار الفتوى المكتوبة ، والصحابة يفتون بلا كتابة . وكلّ من يقول : هذا حلال وهذا حرام ، فقد تصدّى للفتوى ، ومد عنقه لسيف الحق.

ثم إنّ الفتوى من باب الاجتهاد ويُصدرها المجتهد ، وليس المُقلّد. والمجتهد - بعد توفُّر شروط الاجتهاد ، وقلّما تتوفّر في هذا العصر - يُغفَر له ما أخطأ فيه عن حسن نيّة , وقد يؤجر ، إذ للمجتهد المصيب أجران ، وللمخطئ أجر واحد. ومهمته تنحصر في جمع الأدلّة الأصليّة الصحيحة ، والمقارنة بينها ، وترجيح ما هو أقوى ، بغية الخروج بحكم شرعيّ أصيل ، يحمل أدلّته الأصليّة ، كما كان عليه عمل الأئمة المجتهدين : مالك والشافعي وأحمد وأبي حنيفة.

وإذا كان موضوع الاجتهاد الشرعيّ ينقسم إلى الاجتهاد الكليّ ، الذي يتناول كلّ القضايا الشرعيّة ، على اختلافها وتنوّعها ، كما تجلى في عمل الأئمّة الأربعة ، وإلى الاجتهاد الجزئي ، الذي يتناول قضية من القضايا الشرعيّة ، وتقع الفتوى في إطاره ، فالممكن اليوم هو الاجتهاد الجزئي و الاجتهاد كليا كان او جزئيا لا يقع بالفروع .

وإنما بالادلة الأصلية من الكتاب و السنة والإجماع و القياس ، وما يقع في إطارها ومقاصدها... والأئمة يمنعون الإفتاء - وليس التقليد - بآرائهم الفقهيّة ، إذا جُرّدت من الأدلّة الأصليّة ، التي استنبطوا منها الحكم ، قطعا للطريق أمام من اعتاد أن يقول : قال مالك ، قال الشافعي ، قال أحمد ، قال أبو حنيفة بدون مصادر و أدلة أصلية . وقد نسب للرسول صلى الله عليه وسلم ما لم يقل .. أما الاستنتاجات العقلية ، والتحليلات المنطقية التي توهم بعض المثقفين ، ممن لم يتخصصوا في الشريعة و مصادرها ، و أنهم ينجزونها في ميدان الاجتهاد ، فإنها في الحقيقة آراء شخصية مردودة شرعا على أصحابها .

**   **   **


78 - الاكتفاء في سيرة الخلفاء ص 50 - لابن الكردوس - مخطوط.


عن الكاتب

حسن بن أحمد

التعليقات



إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد الموقع أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة

نفحات الطريق

2016