-->
recent

آخر المشاركات

recent
random
جاري التحميل ...
random

إيقاظ الهمم في شرح الحكم (25)


(إِنَّمَا جَعَلَ الدَّارَ الآخِرَةِ مَحَلاً لِجَزَاءِ عِبَادِهِ المُؤْمِنِينَ لأَنَّ هَذِهِ الدَّارَ لاتَسَعُ مَا يرِيدُ أَنْ يُعْطِيَهُمْ , وَلأَنَّه أَجَلَّ أَقْدارَهُمْ عَنْ أَنْ يُجَازِيَهُمْ في دَارٍ لا بَقَاَءَ لَها) .

لا شك أن الله تعالى وسم هذه الدار بدار الغرور، وحكم عليها بالهلاك والثبور، فهي دار دنية دانية زائلة فانية فلذلك سميت الدنيا ، إما لدنوها وإما لدناءتها فهي ضيقة الزمان والمكان ووسم الآخرة بدار القرار ومحل ظهور الأنوار، وأنكشاف الأسرار، محل النظرة والحبور، ودوام النعمة والسرور، محل شهود الأحباب، ورفع الحجاب ، نعيمها دائم، ووجودها على الدوام قائم ، فلذلك جعلها الحق تعالى محلاً لجزاء عباده المؤمنين، ومقعد صدق للنبيين والصديقين ، ولم يرض سبحانه أن يجازيهم في دار لا بقاء لها ، ضيقة الزمان والمكان ، ومحل الأكدار والأغيار والذل والهوان، لأنها ضيقة لا تسع ما يريد أن يعطيهم ، أي لا يسع فيها ما يريد أن يكرمهم به تعالى زماناً ولا مكاناً ، لأن أدنى أهل الجنة يملك قدر الدنيا عشر مرات فكيف بأعلاهم قال تعالى : " فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ " وقال صلى الله عليه وسلم :" يقول الله تبارك وتعالى : " أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ" ولأنه جل وعلا أجل أي عظم أقدار عباده المؤمنين والمقربين أن يجازيهم في دار لا بقاء لها فعمارتها خراب ، ووجودها سراب ، ففي بعض الأخبار :" لو كانت الدنيا من ذهب يفني والأخرة من خزف يبقي لاختار العاقل الذي يبقي على الذي لا يبقي" فلا يختارها إلا من حكم الله عليه بالشقاء والعناء . وعن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" حَلُّوّا أَنْفُسَكُمْ بِالطَّاعَة ، وَأَلْبِسُوهَا قِنَاعَ الْمَخَافَةِ ، وَاجْعَلُوا آخِرَتَكُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَسَعْيِكُمْ لِمُسْتَقَرِّكُمْ ، وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ عَنْ قَلِيلٍ رَاحِلُونَ ، وَإِلَى اللَّهِ صَائِرُونَ ، فَلا يُغْنِي عَنْكُمْ هُنَالِكَ إِلا عَمَلٌ صَالِحٌ قَدَّمْتُمُوهُ ، أَوْ حُسْنُ ثَوَابٍ أَحْرَزْتُمُوهُ ، إِنَّمَا تَقْدُمُونَ عَلَى مَا قَدِمْتُمْ ، وَتُجَازَوْنَ عَلَى مَا أَسْلَفْتُمْ ، فَلا تَخْدَعَنَّكُمْ زَخَارِفُ دُنْيَا دَنِيَّةٍ ، عَنْ مَرَاتِبِ جَنَّاتٍ عَلِيَّةٍ ، فَكَأَنَّ قَدْ كُشِفَ الْقِنَاعُ ، وَارْتَفَعَ الارْتِيَابُ ، وَلاقَى كُلُّ امْرِئٍ مُسْتَقَرَّهُ ، وَعَرَفَ مَثْوَاهُ وَمَقِيلَهُ " ثم إن الجزاء في تلك الدار إنما يكون على العمل في هذه الدار ، بشرط كونه مقبولاً ، وقبوله مغيب ، لكن له علامات يعرف بها هنا أشار إليها بقوله :

{ مَنْ وَجَدَ ثَمَرَةَ عَمِلَهِ عاجِلاً فهو دَليل على وُجُود القُبُولِ أَجِلاً }

ثمرة العمل هي لذيذ الطاعة وحلاوة المناجاة وأنس القلب بالمراقبة وفرح الروح بالمشاهدة والسر بالمكالمة، قد علم كل أناس مشربهم، ودليل وجود هذه الثمرة النشاط في النهوض إليها والاغتباط بها والمداومة عليها وزيادة المدد فيها، وهي علامة حلول الهداية في القلب، قال تعالى :" وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى " وللبوصيري في همزيته :

وإذا حلت الهداية قلباً ... نشطت للعبادة الأعضاء
فمن رأيناه في زيادة الأعمال والترقي في الأحوال علمنا أنه وجد لعمله ثمرة فهي بشارة له على قبولها، ومن رأيناه انقطع عن عمله أو نقص من أحواله خفنا عليه عدم قبول أعماله. ومن ثمرة العمل أيضاً الاستيحاش من الخلق والأنس بالملك الحق، ومن ثمرة العمل أيضاً الاكتفاء بعلم الله والاستغناء به عما سواه زاد الشيخ زروق رضي الله عنه : " الحياة الطيبة ونفوذ الكلمة وانتفاء الحزن للفرح بالمنة " فدليل الأول قوله تعالى :  ( مَنْعَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ) قيل هي القناعة وقيل هي الرضى والتسليم والتحقيق أنها المعرفة، ودليل الثاني وهو نفوذ الكلمة قوله تعالى : ( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ )  فنفوذ الكلمة هي الخلافة. وقال أيضاً : ( وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا ) ، وأما الثالث وهو نتفاء الحزن فدليله في نفسه لأن حلاوة العمل تنسي الحزن والغم لأنها شبيهة بنعم الجنة قال تعالى في شأن أهل الجنة  :  ( وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ ) والله تعالى أعلم. وسيأتي التحذير من الوقوف مع حلاوة الطاعة وأنها سموم قاتلة. 

ولما ذكر ميزان مقادير الأعمال ذكر ميزان مقادير الرجال، أو تقول لما ذكر ميزان العمل المقبول من المردود ذكر ميزان العامل المحبوب من المطرود فقال :

{ إذا أَرَدْتَ أنْ تَعْرِفَ قَدْرَكَ عِنْدَهُ فانْظُرْ في ماذا يُقيمَكَ }


جعل الله تعالى بحكمته خلقه على قسمين : أشقياء وسعداء، وجعل السعداء قسمين : أهل قرب وأهل بعد، أو تقول : أهل يمين ومقربين وهم السابقون، فإن أردت أن تعرف نفسك هل أنت من أهل الشقاوة أو من أهل السعادة فانظر في قلبك فإن كنت تصدق بوجود ربك وتوحده في ملكه وتنقاد لمن عرفك به وهو رسوله عليه السلام، فأنت ممن سبقت له الحسنى، وإن كنت تنكر أو تشك في ربك أو تشرك به غيره في اعتقادك أو لم تذعن لمن عرفك به، فأنت من أهل الشقاء، ثم إن وجدت نفسك من أهل السعادة وأردت أن تعرف هل أنت من أهل القرب أو من أهل البعد فانظر فإن كنت ممن يستدل بأثره عليه فأنت من أهل البعد من أصحاب اليمين، وإن كنت ممن يستدل به على غيره فأنت من أهل القرب من المقربين، ثم إن عرفت أنك من أهل اليمين وأردت أن تعرف قدرك عنده هل أنت من المكرمين أو من المهانين، فانظر فإن كنت تمتثل أمره وتجتنب نهيه وتسارع في مرضاته وتحبب إلى أوليائه وأحبائه فأنت من المكرمين المعظمين، وإن كنت تتهاون في أمره وتتساهل في نواهيه وتتكاسل عن طاعته وتهتك حرماته وتعادي أوليائه فأنت والله عنده من المهانين المحرومين المطرودين إلا أن تتداركك عناية من رب العالمين.

وإن تحققت أنك من أهل القرب وأنك بلغت مقام الشهود تستدل به على غيره فلا ترى سواه، فإن كنت تقر بالواسطه وتثبت الحكمة وتعطي كل ذي حق حقه، فأنت من المقربين الكاملين، وإن كنت تنكر الحكمة وتغيب عن الواسطة فإن كنت مجذوباً مغلوباً فأنت في هذا المحل ناقص، وإن كنت صاحياً فأنت ساقط إلا أن يأخذ بيدك شيخ واصل أو عارف كامل، وهنا ميزان آخر تعرف به نفسك في القرب والبعد، فإن وجدت شيخاً مربياً كشف الله لك عن أنواره وأطلعك على خصائص أسراره، فأنت قطعاً من أهل القرب بالفعل أو بالإمكان، لقول الشيخ رضي الله عنه :{ سبحان من لم يجعل الدليل على أوليائه إلا من حيث الدليل عليه ولم يوصل إليهم إلا من أراد أن يوصله إليه } وإن لم تجد شيخاً مريباً وغرك قول من قال : أنه انقطع وجوده، فأنت قطعاً من أهل اليمين من عوام المسلمين هذا الغالب والنادر لا حكم له والله تعالى أعلم. وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم يقول الله تبارك وتعالى :{ أنا الله لا إله إلا أنا خلقت الخير والشر فطوبي لمن خلقته للخير وأجريت الخير على يده وويل لمن خلقته للشر وأجريت الشر على يده } وفي حديث آخر : { من أراد أن يعلم ماله عند الله فلينظر ما لله عنده } وفي رواية :{ من أراد أن يعلم منزلته عند الله فلينظر كيف منزلة الله تعالى من قلبه فإن الله تعالى ينزل العبد حيث أنزله العبد من نفسه } قال الله تعالى : {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى } الآية، والله تعالى أعلم.

 ثم ذكر ميزاناً آخر تعرف به المقربين والأغنياء الشاكرين فقال :

 {مَتى رَزَقَكَ الطّاعَةَ وَالغِنى بِهِ عَنْها فَاعْلَمْ أنَّهُ قَدْ أَسْبَغَ عَلَيْكَ نِعَمَهُ ظاهِرةً وَباطِنَةً }

الطاعة في الظاهر هي رسوم الشريعة، والغنى به في الباطن هو شواهد الحقيقة، فإذا جمع لك بين الطاعة في جوارحك والغنى به عنها في باطنها فقد أسبغ عليك - أي أكمل - وأطال عليك نعمه ظاهرة وباطنة ،وهذه سيما العارفين المقربين الأغنياء بالله الفقراء مما سواه استغنوا بمعبودهم عن رؤية عبادتهم، وبمعلومهم عن علمهم، وبمصلحهم عن صلاحهم، قال الشيخ أبو الحسن في حزبه الكبير :" نسئلك الفقر مما سواك، والغنى بك حتى لا نشهد إلا إياك " فهؤلاء الأغنياء بالله الغائبون فيه عما سواه، عبادتهم بالله ولله ومن الله قياماً بشكر النعمة وإتماماً لوظائف الحكمة، وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم :" أحب العباد إلى الله الأغنياء الأخفياء الأتقياء " أو كما قال عليه الصلاة والسلام وفي حديث آخر :" ليس الغنى بكثرة العرض إنما الغنى غنى النفس " وهو الغنى بالله وهذه هي النعمة الحقيقية. فالنعم الظاهرة هي تزيين الجوارح بالشريعة، والنعم الباطنة هي إشراق الأسرار بالحقيقة، وقيل النعم الظاهرة هي الكفاية والعافية والنعم الباطنة هي الهداية والمعرفة، وقيل النعم الظاهرة راحة البدن من مخالفة أمره والباطنة سلامته من منازعة حكمه، وحقيقة النعمة من حيث هي مالا يوجب ألماً ولا يعقب ندماً، وقيل النعمة العظمى الخروج من رؤية النفس، وقيل النعمة ما وصلك بالحقائق وطهرك من العلائق وقطعك عن الخلائق وبالله التوفيق.

 هذا آخر الباب الثامن وحاصلها : تحقيق الأداب مع الواردات الألهية لأنها مواهب اختصاصية، فمن أراد مدد أنوارها فعليه بكتمان أسرارها، وليؤخر جزاء ثوابها لدار يدوم بقاؤها، فحينئذ يتحقق إخلاصه ويظهر اختصاصه، فيذوق حلاوة الطاعة والإيمان ويعظم قدره عند الملك الديان فيغيبه به عما سواه ، ويسبغ عليه مننه ومهما أغناك به استغنيت به عن طلبه، وإن كان ولا بد من الطلب منه ما هو طالبه منك كما أشار إليه في أول الباب التاسع فقال وقال رضي الله عنه :

{ خيرُ ما تطلبهُ منهُ، ما هو طالِبُهُ مِنكَ }

 والذي طالبه منا هي الاستقامة ظاهراً وباطناً ومرجعها إلى تحقيق العبودية في الظاهر وكمال المعرفة في الباطن، أو تقول الذي هو طالبه منا إصلاح الجوارح الظاهرة بالشريعة قياماً برسم الحكمة وإصلاح القلوب والأسرار الباطنة بالحقيقة قياماً بوظائف القدرة. أو تقول الذي طلبه منا امتثال أمره واجتناب نهيه والإكثار من ذكره والإستسلام لقهره، فالأكمل في حق العارف أن يستغني بعلم الله ويكتفي بسؤال الحال عن طلب المقال فإن تجلى فيه وارد الطلب فخير ما يطلبه من سيده ما هو طالبه منه، وهو ما تقدم ذكره ففي بعض الأحاديث أن الله لا يسئل الخلق عن ذاته وصفاته ولا عن قضائه وقدره ولكن عن أمره ونهيه، قلت : لأن الأمر والنهي في كسبه ومكلف به ومعرفة الذات والصفات والرضى والتسليم إنما هي مواهب جزاء الأعمال ونتائج الإمتثال، فإذا فعل ما أمره به سيده رزقه المعرفة به المعرفة العامة وهي معرفة الدليل، فإذا اشتد عطشه قبض له من يأخذ بيده حتى يعرفه به المعرفة الخاصة، وقال بعضهم :" إذا عرضت لك حاجة فأنزلها بالله يعني من غير طلب ما لم يكن لك فيها حظ فتحجب عن الله " قال تعالى :{ وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ ۚ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ }، وفضله هو الغنى به ومن دعاء الجنيد رضي الله عنه :" اللهم وكل سؤال فعن أمرك لي بالسؤال فاجعل سؤالي لك سؤال محابك ولا تجعلني ممن بسؤاله مواضع الحظوظ " بل يسئل القيام بواجب حقك ثم إذا طلبت منه فاطلب منه ما طلبه منك وهو الطاعة والاستقامة ولم تساعفك الأقدار ومنعت منها قبل أن تسئل فإن لم تنهض إليها بقلبك وتأسفت عليها بنفسك فذلك علامة الاغترار،  كما أشار إلى ذلك بقوله  :
{ الحُزْنُ عَلى فُقْدانِ الطّاعةِ مَعَ عَدَمِ النُّهوضِ إلَيْها مِنْ عَلاماتِ الاغْتِرارِ }

الحزن هو التحسر علي شيء فإن لم تحصله وندمت على تحصيله أو التوجع على شيء منعت منه ولم تقدر على تحصيله، فإن كان حزنك على شيء منعت منه ونهضت إلى أسبابه الموصلة إليه فهو حزن الصادقين، وفيه قال أبو علي الدقاق :" يقطع صاحب الحزن في شهر ما لا يقطعه غيره في سنين " وإن لم تنهض إلى أسبابه فهو حزن الكاذبين وإن كان على ما فات ونهضت إلى استدراك ما يمكن استدراكه فهو حزن الصادقين، وإن لم تنهض إلى استدراكه فهو حزن الكاذبين، وقد سمعت رابعة العدوية رجلاً يقول :" وا حزناه، فقالت له : قل واقلة حزناه فلو كان حزنك صادقاً لم يتهيأ لك أن تتنفس ". وقال أبو سليمان الداراني رضي الله عنه :" ليس البكاء بتعصير العيون إنما البكاء أن تترك الأمر الذي تبكي عليه " وقيل :" لا يغرنك بكاء الرجل فإن إخوة يوسف جاؤا أباهم عشاء يبكون وقد فعلوا ما فعلوا "، فالحزن على فقدان الطاعة مع عدم النهوض إلى استدراك ما فات منها أو إلى تحصيل ما حضر منها من علامة الاغترار أي الغرور وهو الركون إلى ما لا حقيقة له فالاغترار قبول الغار والانقياد إلى غروره وخدعه. فالحزن ينقسم إلى ثلاثة أقسام : حزن الكاذبين، والصادقين، والصديقين السائرين، فحزن الكاذبين هو ما تقدم من عدم النهوض والاستدراك لما فات، وحزن الصادقين هو الحزن المصحوب بالجد والاجتهاد والتوسط في العمل والاقتصاد مع اغتنام ما بقي من الأوقات لاستدراك ما فات، وحزن الصديقين من السائرين هو الحزن على فوات الأوقات أو حصول شيء من الغفلات، أو وقوع ميل أو ركون إلى الحظوظ والشهوات إلا أن حزنهم لا يدوم إذ لا يقفون مع شيء ولا يقبضهم شيء، وأما الواصلون فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون قال تعالى : " أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ " إذ الحزن إنما يكون على فقد شيء أو فوات غرض وماذا فقد من وجد الله وقالوا الحمد الله الذي أذهب عنا الحزن، وفي هذا المقام ينقطع البكاء إذ لا بكاء في الجنة ولقي الصديق قوماً يقرؤن ويبكون فقال :" كذلك كنا ثم قست القلوب " فعبر بالقسوة عن التمكين أدباً وتستراً لأن القلب في بدايته رطب يتأثر بالمواعظ وتحركه الأحوال فإذا أستمر معها وتصلب لم يتأثر بشيء ويكون كالجبل الراسي، وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب، تنبيه قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه :" من لم تطاوعه نفسه على النهوض إلى الطاعات وأخلدت إلى أرض الشهوات فدواؤه في حرفين الأول : أن يعلم منة الله عليه بالهداية للإسلام ومحبة الإيمان فيشكر الله عليها ليحصن بقائها عنده ،الثاني : دوام تضرعه وابتهاله في مطان الإجابة قائلاً يا رب سلم سلم  وإن أهمل هذين الأمرين فالشقاوة لازمة له " بالمعنى وبالله التوفيق. ثم إذا أعطاك ما طلبت من كمال الاستقامة ونهضت إليه نادماً على ما فاتك من الطاعة كانت نهايتك الوصول إلى الحبيب ومناجات القريب، هناك تكل الألسن عن العبارة وتنقطع الإشارة كما أبان ذلك بقوله :

{ مَا العَارِفُ مَنْ إِذَا أَشَارَ وَجَدَ الحَقَّ أَقْرَبَ إِلَيْهِ مِنْ إِشَارَتهِ ، بَلِ العَارِفُ مَنْ لا إِشارَةَ لَهُ , لِفَنَائِهِ في وُجُودِهِ وَانْطِوَائِهِ في شهودِهِ }


الإشارة أرق وأدق من العبارة ، والرمز أدق من الأشارة ، فالأمور ثلاثة عبارات وإشارات ورموز ، وكل واحدة أدق مما قبلها ، فالعبارة توضح والإشارة تلوح والرمز يفرح ، أي يفرح القلوب بإقبال المحبوب ، وقالوا :"علمنا كله إشارة فإذا صار عبارة خفي" أي خفي سره ، أي فإذا صار عبارة بإفصاح اللسان لم يظهر سره على الجنان ، فإشارة الصوفية هي تغزلاتهم وتلويحاتهم بالمحبوب ، كذكر سلمي وليلي وذكر الخمرة والكيسان والنديم وغير ذلك مما هو مذكور في أشعارهم وتغزلاتهم ، وغير ذلك مما هو مذكور في اصطلاحاتهم ، وأما الرموز فهي إيماء وأسرار بين المحبوب وحبيبه لا يفهمها غيرهم.

قال الشيخ زروق رضي الله عنه في شرح الحزب الكبير :" وقد حارت العقول في رموز الحكماء فكيف بالعلماء فكيف بالأنبياء فكيف بالمرسلين". وأما الإشارات فيدركها أربابها من أهل الفن ، والناس في إدراكها وعدمه على أقسام :
فمنهم من لا يفهم منها شيئاً ولا يعرف إلا ظاهر العبارة ، وهم الجهال من عموم الناس .
ومنهم من يفهم المقصود ويجد الحق بعد الإشارة أي بعد سماع الإشارة وهم أهل البداية من السائرين.
ومنهم من يفهم الإشارة ويجد المشار إليه وهو الحق أقرب إليه من إشارته وهم أهل الفناء في الذات قبل التمكين ، ولهذا تجدهم يتواجدون عند السماع ويتحركون وتطيب أوقاتهم وتهيم أرواحهم أكثر مما يتواجدون عند الذكر لأن الإشارة تهيج أكثر من العبارة ، بخلاف المتمكنين قد رسخت أقدامهم وأطمأنت قلوبهم وتحقق وصولهم فاستغنوا عن الإشارة والمشير ، ولذلك قيل للجنيد :"مالك كنت تتحرك عند السماع وتتواجد واليوم لا نراك تتحرك بشيء ؟ قال : وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب ".وهذا هو العارف الذي لا إشارة له لفنائه في وجود الحق وانطوائه في شهوده أو تقول لتحقق وصوله وتمكنه في شهوده فصار المشير عين المشار إليه لفناء وجوده في وجود محبوبه وانطواء ذاته في ذات مشهوده ، أو تقول لزوال وهمه وثبوت علمه فتحققت الوحدة وأمتحت الغيرية.

قال الشيخ أبو العباس المرسي رضي الله عنه :"إن لله عباداً محق أفعالهم بأفعاله ، وأوصافهم بأوصافه ، وذاتهم بذاته ، وحملهم من أسراره ما تعجز عنه الأولياء" وقال القطب الشيخ ابن مشيش رضي الله عنه ونفعنا ببركاته: "وشراب المحبة مزج الأوصاف بالأوصاف ، والأخلاق بالأخلاق ، والأنوار بالأنوار ، والأسماء بالأسماء ، والنعوت بالنعوت ، والأفعال بالأفعال" وأطلق المزج على التبديل مناسبة للشراب ، وقال إمام الطريقة أبو القاسم الجنيد رضي الله عنه في وصف العارف :" عبد ذاهب عن نفسه ، متصل بذكر ربه ، قائم بأداء حقه ، ناظر إليه بقلبه ، أحرقت قلبه أنوار هدايته ، وصفا شرابه من كأس وده ، تجلى له الجبار عن أستار غيبه ، فإن تكلم فبالله ، وإن سكت فمن الله ، وإن تحرك فبإذن الله ، وإن سكن فمع الله ، فهو بالله ولله ومع الله ومن الله والى الله" فهذه صفات العارف الحقيقي الراسخ المتمكن ، قد كل لسانه عن التعبير، واستغنى عن الإشارة والمشير، فإذا صدرت منه إشارة أو تعبير، فإنما ذلك لفيضان وجد أو هداية فقير.


فقول الشيخ ما العارف إلخ أي ليس العارف الكامل وهو الراسخ المتمكن وأما السائر فيحتاج إلى الإشارة ويجد الحق أقرب إليه من الإشارة أو معها وهي إعانة له وقوته كالعبارة للمتوجهين وسيأتي العبارة قوت لعائلة المستمعين وليس لك إلا ما أنت له آكل وقوله من إذا أشار أي أشير له وقوله بل العارف من لا إشارة له أي لا يحتاج إليها في نفسه وقد يشير لأجل غيره كما تقدم وإنما استغني عن الأشارة لأن الإشارة والعبارة قوت الجائع وهو قد شبع وأستغنى أو تقول لأن الإشارة تقتضي البينونة والفرق وهو مجموع في فرقه ولذلك قال الشيخ أبو يزيد رضي الله عنه  :"أبعدهم من الله أكثرهم إشارة إليه" وقال ابن العريف في محاسنه :" الإشارة نداء على رأس البعد وبوح بعين العلة " أي تصريح بعين علته وهي بعده ، وفي الحقيقة الإشارة تصحبها العلل والعلل بعيدة من الحقائق  والله تعالى أعلم. ويحتمل أن يريد بالإشارة إشارة القلب أو الفكرة إلى الوجود فإن القلب إذا أشار إلى الكون بأسره فني وتلاشى ووجد الحق أقرب إليه من إشارته لكونه كان فانياً قبل إشارته وهذا حال السائرين، وأما الواصل فلا يحتاج إلى إشارة لكونه قد تحقق فناؤه وانطوى وجوده في وجود محبوبه فلم يحتج إلى إشارة لتمكن حاله وتحقق مقامه والله تعالى أعلم.  وسئل أبو سعيد بن الأعرابي عن الفناء فقال :" هو أن تبدو العظمة والإجلال على العبد فتنسيه الدنيا والآخرة والأحوال والدرجات والمقامات والأذكار، تفنيه عن كل شيء وعن عقله وعن نفسه، وفنائه عن الأشياء وعن فنائه عن الفناء لأنه يغرق في التعظيم " ولما كان المطلوب من العبد القيام بوظائف العبودية ومعرفة عظمة الربوبية تشوقت القلوب إلى نيلها وطمعوا في إدراكها ورجوا بلوغ آمالهم فيها فبين الشيخ علامة الرجاء الصادق من الكاذب فقال :



عن الكاتب

حسن بن أحمد

التعليقات



إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد الموقع أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة

نفحات الطريق

2016