نفحات الطريق: شرح الحكم الغوثية :مَن تَعلَّقَ بوَعد الأماني لَم يفُارق التَّواني.

شرح الحكم الغوثية :مَن تَعلَّقَ بوَعد الأماني لَم يفُارق التَّواني.

شرح  الحكم الغوثية :مَن تَعلَّقَ بوَعد الأماني لَم يفُارق التَّواني.


المواد الغيثية الناشئة عن الحكم الغوثية تأليف : أحمد بن مصطفى العلاوي

في النفس ومعالجتها

قال سيدي أبو مدين رضي الله عنه : "مَن تَعلَّقَ بوَعد الأماني لَم يفُارق التَّواني"

الناس قسمان في وجود التواني : قسم يتأنى عن التلبس بالطاعة ، وقسم يتأنى عن طلب الحق عز وجل ،وذلك من عدم اشتياقه إليه ، ولو شتاق لله لاشتاق الله له ، لقوله عليه الصلاة والسلام : من أحبَّ لقاء الله أَحبَّ الله لقائه . وفي بعض الأحاديث القدسية : "إِذَا تَقَرَّبَ إليَّ عبدي شبراً تَقَرَّبْتُ مِنْهُ ذرعًا ، وَإِذَا أَتَانِي مَاشياً أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً".وقال أيضا : "أنا جليس من ذكرني" ، وحيث ما طلبني عبدي وجدني ، وهل هذا إلّا محض الفضل ، ومجرَّد النَّوال كفى بك جهلا أيها المريد ، تطلب من لا وجود له وتترك واجب الوجود ، لو عرفت ما بين يديك لرجعت من غيك ، الحق أقرب إليك من نفسك (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ).
ومن الحرمان أن يتصف المريد بالتواني في طلب الله ، هو كالمماطل في كل يوم يقول غدا النهوض وهكذا إلى أن ينقضي سبهللا .وما أحسن ما قيل في مثل هؤلاء :
رَضُوا بالأماني، وَابتُلوا بحُظوظِهِم، 
وخاضوا بحارَالحبّ، دعوَى ، فما ابتلّوا 
فَهُمْ في السّرى لم يَبْرَحوا من مكانهم 
وما ظَعنوا في السّيرِعنه، وقد كَلّوا 
عن مَذهَبي، لمّا استَحَبّوا العمى على 
الــهُدى حَسَداً من عِندِ أنفُسِهم ضَلّوا 
الحق تبارك وتعالى يشتاق إلى عبده أكثر من أن يشتاق العبد إليه ، قال مولانا عبد القادر الجيلاني في مناجاته : قال لي الحق تبارك وتعالى نعم الطالب أنا ، ونعم المطلوب الإنسان ، ولو علم الإنسان منزلته عندي لقال في كل نفس من الأنفاس : لمن الملك اليوم...إلخ.

وعليه فما منعنا من الوصول إلا التواني ، ومن الناس من يتأنى عن التلبس بالطاعة كما تقدّم ويظهر له ذلك من موافقته للقدر ، بل إنما هو من موافقته لهوى نفسه ، ألا ترى لو تبين له حظ من الحظوظ الدنيوية لنهض له بكل النهوض ، وقال أن الرزق مكتوب ، والسبب مطلوب ، وفي طلب الحق لا يتسبب ، وبطاعته لا يتقرب ، وللمنية لا يترقب ، كأنه في أمان والحق"فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ" إن قلت له اتق الله ، يقول الحق غفار ، صدقت أو لم تعلم أنه رزّاق ؟ فلم تتسبب في في جلب الرزق بكل الوجوه ، ولا تتسبب فيما يوجب المغفرة ولو بوجه ما ، أما كونك تعمل بعمل أهل النار وترجو الجنة فهذا بعيد . "وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلا مِثْلَهَا" أشفق على نفسك فإنك لا تطيق ما أنت بصدده ، قيل في هذا المعنى :
فيا عاملاً للنار جسمك ليّنٌ               فجربه تمريناً بحرِّ الظهيرة
وجربه في لسع الزنابير ثم زد          لى نهش حيات هناك عظيمة
فإن كنت لا تقوى فويلك ما الذي       دعاك إلى إسخاط ربّ البريئة
تبارزه بالجهل كلّ عشّيةً                 وتصبح في أثواب نسك وعفّة
فأنت عليه أجراً عن كل الورى         بما فيك من جهل وخبث طوية
تقول مع العصيان ربّيَ غافر           صدقت ولكن غافر بالمشيئة
وربك رزاق كما هو غافِرٌ              فلِمْ لَمْ تصدق فيهما بالسوية
فإنك ترجو العفو من غير توبة         ولست ترجّي الرزق إلاّ بحيلة
على أنه بالرزق كفل نفسه              ولم يتكفل للأنام بجنة
فلم ترضى إلاّ السعي فيما كُفيِتَه       وإهمال ما كُلّفته من وظيفة
تسيء به ظناً وتحسن تارة             على قدر ما يعطي الهوى في القضية
 فهذا حال من قطعت الأماني ظهره ، في الغالب يكتفي بما هو عليه من القطيعة والبعاد ، وكل ذلك من قلّة محبته في الله ، فيا عجبا كيف يرضى العبد بالقطيعة وسدل الحجاب ، ولو عرف منزلته عند ربه لما وقف دون غيره ، قيل في هذا المعنى :

أيا بعدهم عنها ويا بئس ما رضوا فقصدهم قصد وسيرهم وزر

اللهم أحي قلوبنا ، وانهض بنا إليك ، فإنه لا نهوض لنا إلا بك ، ولا مطلب لنا إلا فيك.


إرسال تعليق

0 تعليقات