-->
recent

آخر المشاركات

recent
random
جاري التحميل ...
random

الصِّـدقُ لُـبُّ الإخْـلاص


الصِّـدقُ لُـبُّ الإخْـلاص
   اعلم أيها الفقير أن الله تبارك وتعالى تعبَّدنا بالطاعات وأمرنا بالقربات التي توصلنا إلى أعلى الحضرات ، وطلب منا وجود الصورة والحقيقة التي هي روح الصورة ، وأخبرنا سبحانه أنه لا يقبل عملاً إلا إذا انضمَّ الجسد إلى الروح وصلح للحضرة العالية . وأمّا إذا انفردت الصورة عن الروح فإننا ما قمنا بواجب الربوبية ولا قمنا بوظائف العبوديّة . فما دمت أيها الفقيرترى الإخلاص إلا وأنت في دائرة الإفلاس . فاعمل على الإخلاص تكن من الخواص .

   وانظر يا فقير شدّة ثناء الحق سبحانه على أصحاب أسرار الإخلاص في غير ما آية كقوله سبحانه : (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ) [الإنسان: 9]، وقوله : (يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ) [الروم : 38] وقوله : (إِلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأعْلَى) [الليل :20] . وبيان الثناء من هذه الآيات أن حقيقة الوجهية من غمام الشريعة هو بارق نور التوحيد ومظهره من العمل وجه الإخلاص (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا) [الروم: 30].

   فقوله : (يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ) أي يريدون بالعبودية صرف الإخلاص الذي هو روحها ، والمراد من ذلك ثناء الحق سبحانه على أهل الإخلاص تعبيراً بإرادة الوجه على إخلاص النية ، وتنبيهاً على أنه مظهر وجهه سبحانه ، ويدلّك على أن حقيقة الوجه هو بارق نور التوحيد . وقوله سبحانه : (وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚكُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ)[القصص: 88] ، أي نور توحيده ، فالموجودات مستهلكة في أنوار ذات أحديته ، موهومة بسريان أنوار وحدته . ففي هذا أيها الفقير شرف كبير للإخلاص وأهله وهو أعز شيء في الأرض، وما ظفر بحقيقته إلّا المخلَصِين ، الذين أخلصهم الحق في سابق أزله ، فتولاهم به في لاحق أبده سبحانه ، وهو مطلب العارفين من ربِّهم سبحانه ، كما قال ولي الله سيدي بن عطاء الله في حكمه: "مطالب العارفين من ربهم الصدق في العبودية".

   والصدق هو لب الإخلاص إذ الإخلاص جسد والصدق روحه ، والمعتبر وجود الروح كما قدّمنا . ويدلُّكَ أن الصدقَ هو روح الإخلاص انفراد أحدهما عن الآخر، فإنّه كل صادق مخلص وليس كل مخلص صادق حسبما قاله المحايبي .
وتأمّل قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث وقد سئل عن الإيمان فقال: الإخلاص ، وعن اليقين فقال : الصدق . فالصدق إحسان والإخلاص إيمان.

  فاعمل أيها الفقير في طلب هذه الأسرار اللطيفة واجعل عملك مستهلكاً في بارق أنوار حقيقتك ، وأنك بها وإليها ، لتكون لنداء أسرارها مجيباً ومن حضرتها قريباً ، (فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) [الكهف : 110]. فقد أخذ علينا العهد العام من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ونرجو الوفاء به من ربنا أن نخلص النية ، أي الوجهة لله تعالى في علمِنَا وعَمَلِنا وسائر أحوالنا من سائر الشوائب ، حتى من شهود الإخلاص ومن خطور استحقاقنا ثواباً على ذلك . وقد أجمع المشايخ أن من لم يدخل دائرة الإحسان لا يجد رائحة الإخلاص ، ومن فيه نجاسة الأغيار ظاهراً أو باطناً لا يطأ حضرة الإحسان ، لطهارتها وعزتها. فمن لم يسلك على يد شيخ بلاد الفنا لا يعرف بلاد البقا، ولايطمع في شمّ هذه الرتبة وإن بلغ ما بلغ في العلوم والفهوم.

   فتأمل يا فقير هذه النبذة ، فإنها جامعة مانعة بحول الله. والسلام.

بغية السالك وإرشاد الهالك

عن الكاتب

حسن بن أحمد

التعليقات



إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد الموقع أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة

نفحات الطريق

2016