الثلاثاء، 29 مايو 2018

آداب المشيخة والمريدين الطالبين / السهروردي (4)

آداب المشيخة والمريدين الطالبين / السهروردي (4)

فصل في شرائط المشيخة وهي أحد عشر :

شريطة منها : أن لا يجلس في مجلس مسند الإرشاد والتربية إلا أن يكون مجازاً ومربيا ومأموراً عن شيخ مكمل، ثم يكون مأموراً من الله تعالى ومن رسوله صلى الله تعالى عليه وسلم، فيعتقد إجازة الشيخ تبركا وتفؤلا، ويكون منتظراً لأمر الله تعالى وأمر رسوله صلى الله عليه وسلّم، كما نقل أن الشيخ عثمان البحري بعد إجازة شيخه، دخل البادية يعبد الله تعالى وحمل أمر الشيخ على الاستحباب والتبرك والتفؤل، حتى أمره الله تعالى بالهداية للخلق وإرشادهم، فجلس مقام الشيخوخة. وهكذا في نفحات الأنس : قال السري السقطي للجنيد تحدّث وتكلّم على الناس. وقال الجنيد : كنت متهماً لنفسي وما رأيتني مستحقًّا لهداية الخلق وحملت أمر الشيخ على التبرك والتفؤل فرأيت النبي صلى الله عليه وسلّم في المنام فقال لي تكلم على الناس فانتبهت وأتيت السري فقلت عنده ما رأيت فقال السري ما صدّقت كلامي حتى قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وشيخي بعد الرخصة من الشيخ اختار الخلوة إلى اثنى عشر سنة ما رأى إنساناً أبدا بعده خرج وجلس في مقام الشيخوخة .

ومنها : لا تجوز الشيخوخة والمتابعة والإرشاد إلا أن يكون حضوره على الدوام، واشتغال الظاهر لا يمنع حضوره، وحضوره لا يمنع اشتغال الظاهر، فيكون أبو الوقت فيجوز الاقتداء به ويعدونه من البالغين. ومن يجلس في مقام الإرشاد قبل البقاء بعد الفناء يخشى عليه الكفر.

ومنها : ينبغي للشيخ أن يمنع المريدين من أفعال مكروهات الشريعة والطريقة بالإرشاد أو بالتصريح، وإن لم يمنع فلم يُؤد حق مقام الشيخوخيّة، لأن مقام الشيخوخيّة مقام عظيم لتطهير ألواث المريد وخُبث صفاته المذمومة، كما قيل:ومثله كمثل إمام غاش لرعيته، وفي الآخر مسؤول عنه ومؤاخد به.

ومنها : ينبغي للشيخ سياسة أنفاس المريد وحركاته على قدر صدقه، وفي جميع أفعاله يضيق عليه ولا يسامحه، ويأمره بالعزيمة لأن الرخصة للعوام، وهم اكتفوا لمجرد الإيمان الرسمي، أما من طلب الحقيقة فينبغي له التجاوز من مرتبة العوام باحتمال المقامات وشدائد الرياضات والمجاهدات لحصول نيل المرادات، لأن الرياضات والمجاهدات والأعمال بالعزيمة أسباب الوصول، والأعمال بمسائل الرخصة يحتجب بها النور وقال أبو مدين : ما للمريد والرخصة.

ومنها : ينبغي للشيخ أن لا يأكل الطعام عند المريدين، ويظهر عندهم بكمال التنزيه والتقديس، وألا يرغب المريدين في الطعام اللذيذ ويتركون الرياضة وفيه ضررهم، وللشيخ ترك الرياضة عبادة لأن حظوظه حقوقه وهو يؤدي حق النفس كما يؤدي حق القلب والروح بالذكر والشهود .

ومنها : ينبغي للشيخ أن لا يرخص للمريدين أن يصحبوا مع شيخ آخر، ويمنع من مصاحبة مريده أيضا، لأنه يمكن أن يكون هوى هذا المريد مخالف هوى ذلك المريد. ولا بد للشيخ أن يأمر المريد بما يكون مخالف هواه، فإذا تصاحبوا تحابّوا معهم فوجد هواه موافق هوى نفسه فلا بدّ أن يرغب إلى شيخ آخر، هذا الميل عند الصوفية ارتداد. وإن كان ذلك الشيخ صاحب التحقيق، لا بدّ أن يأمره بما يكون خلاف هواه كما أمره الشيخ الأول، فيميل إلى الشيخ الثاني ولا يقبل الشيخ الأول، وإن رجع إلى الشيخ الثاني هو كذلك لا يقبله، فيكون مذبذباً بين هؤلاء، فيهلكه الشيطان بأي داء شاء، لأن رجوعه كان بلا موجب، فما كان صارفاً فلا بدّ أن يهلكه الشيطان، فيذهب مع الذاهبين إلى سجن الطبيعة والجاهلية، نعوذ بالله تعالى من هذه الطبيعة الخدلان .

ومنها : ينبغي للشيخ أن يتفرس بفراسته في رغبة المريد إلى القوت، لأن أكثر آفة المريد من قبَل القوت، لأن أكثرهم عَبدُ البطن، ويصرفون الهمة إلى الأكل والشرب فعلاجهم هكذا، أن يجلسه في خلوة التجريد، ولا يكون عنده أحد، ويرغبه إلى التوكل ويمدّه بهمته، ويقول عنده : ما قدّر الله تعالى رزقك يصل إليك بلا سعي وتعب، فاترك السعي والاهتمام وكن متوجها إلى الله تعالى، حتى يحصل له اليقين والتوكل. كما نقل: كانت امرأة عندها ولد الأخ صغيراً فتربيته كانت هكذا : تضع الطعام عند الطاقة، فإذا طلب الطعام تقول له اذهب عند الطاقة واطلب من الله تعالى يعطيك، وكانت عملت هكذا زمانا طويلا وسنين كثيرة. فيوما نسيت هذا العمل وذهبت إلى بيت آخر، فلما تذكرت قالت نسيت ذلك العمل والولد جائع، فلما جائت سألت الولد : أنت جائع ؟ قال : لا ، بل أكلت الطعام، قالت : من أين ؟ قال : أعطاني الله تعالى كما يعطيني كل يوم. فكان رزقه هكذا حتى مات. ولهذا قيل رزق العوام في اليمين ورزق الخواص في اليقين.

ومنها : ينبغي للشيخ إذا علم من حال المريد أنه إذا حصل له حال أو مقام فوق حاله لا يقدر على تربيته فيرخص له أن يذهب إلى شيخ آخر، كما ذكر في مقامات النقشبند قال خوجة نقشبند : لما تم سلوكي قال شيخي يا أيها الدين استعدادُ روحكَ أرفَع أنا مَا أقدرُ على تربيتك اذهب ودُرْ في البلاد أن تجد شيخاً فأخد منه يملأ إناء استعدادك. وذكر في إحياء علوم الدين : لما حصل الترقي لمريد أبي تراب النخشبي قال : يا غلام اذهب عند أبي يزيد البسطامي قال الغلام ليس لي حاجة بابي يزيد قال بمَ قال الغلام أنا أرى الله تعالى جهرة فقال الشيخ : إذا رأيت الله تعالى سبعين مرة فأحسن منها أن ترى أبا يزيد مرة واحدة ...القصة.

ومنها : ينبغي للشيخ أن يكون عالما بآفات السلوك، إن وقع لأحد عقدة أو وقفة أو حجبة فيخرجه من هذه بقوة تصرفه، حتى لا يهلك المريد، وإن هلك المريد فالدية عليه. 

وينبغي للمريد أن يعرض جميع الواقعات والمشكلات والشبهات عند الشيخ، وإلا فلا يحصل الترقي : "مَنِ اسوى يوماَه فهو مغبون" ولا يخطر بباله أن الشيخ مطلع على حاله، لأن الاطلاع والكشف ليس من شرائط المشيخة، وإن كان الشيخ صاحب الكشف لا يكون كشفه على الدوام .

ومنها : للشيخ ان يترك المخالطة والمصاحبة مع المريدين إلا وقت الذكر بالحلقة ووقت عرضه الحال، لأن من كثرة الاختلاط والمصاحبة والمجالسة زوال هيبة الشيخ ووقاره من قلب المريد، ويسدّ باب الترقي ومجاري الفيض. ولا يرخص لأحد أن يدخل في خلوته بلا إذنه، وبعد الرخصة ينزل من مقامه :" كلموا الناس على قدر عقولهم" أي قدر حالهم وفهمهم وإدراكهم.

ومنها : ينبغي للشيخ أن يميل لأسباب المريد فيصرف رغبته عنه ولو كان محتاجا وغلا، ففي باطن المريد يقع التهاون وهو يصير سُدا لباب الفيض، بل يصرف الرغبة من أسباب جميع الناس، ولا يسأل شيئا من أحد لنفسه، وبعض المشائخ جوزوا السؤال لغيره لأن الشيخ لا يأكل الشيء باتباع الهوى والحرص، بل لأداء حقوقه والمريد لا يفهم فيزيد حرصه ويترك الرياضة والمجاهدات .

Rea es:
شارك هذا

المؤلف: /

0 coment rios: