الجمعة، 1 يونيو 2018

آداب المشيخة والمريدين الطالبين / السهروردي (5)



آداب المشيخة والمريدين الطالبين / السهروردي (5)

فصل في شرايط المريد

وهي إحدى عشر شريطة :
منها : ينبغي أن يظهر الخواطر من الخير والشر كلها حتى يعالجه الشيخ ، فالشيخ كالطبيب ، فإذا حصل له الاطلاع على أحوال المريد يتوجه إلى صلاحه ولدفع أمراضه.
ومنها : أن لا يعترض في القلب على أفعال الشيخ إن لم يعرف وجهه ، وإن لم يقدر على تأويله ، فينظر إلى قصة موسى عليه السلام والخضر عليه السلام ، لأن الاعتراض أقبح من كل قبيح ، والمعترض لا يكون معذوراً ، فالحجاب الذي ينشأ من الاعتراض ليس له علاج ودفعه متعذّر وبالخاصة يسدّ مجاري الفيض . فعليك أيها الطالب أن تجتنب من هذا الدّاء العضال . 
ومنها : ينبغي للطالب أن يكون صادقاً في طلبه ، فلا يترك الطلب لسبب الحق والشدائد والملامة ، وفي إرادة الشيخ أيضاً يكون صادقاً محبًّا لا يكون أحد عنده أحب من الشيخ حتى نفسه بموجب : لا يكمل إيمان المرء حتى أكون أنا أحب إليه من نفسه وولده وماله ، ويعتقد أنه لا يحصل مقصودي ولا مطلوبي إلا من هذا الشيخ فيخدمه بالجوارح والمال ، ويحذر أن يخطر شيء ، وقت بذل شيء من ماله .
ومنها : في مقامات النقشُبند كان رجل تاجر مريدا له فدعاه للضيافة ، فلما حضر الطعام لم يأكله ، فقال صاحب الطعام بالعجز والانكسار : يا خوجة مالي حلال ، ما فيه الشبهة الشرعية ، فقال : نعم ، أما وقت الطبخ خطر في قلب امرأتك نحن من التجار ، ففي مرة واحدة نصرف هذا المقدار فلا يجوز أكله ، فإذا وقع الكره في أمر من الأمور فتركه واجب عند القوم . ولهذا الوجه صار السؤال حراماً لأن المعطي يعطي بالكره .
ومنها : لا ينبغي للمريد أن يقتدي بجميع أفعال الشيخ إلا أن يأمره أو يكون من السنن الرواتب ، لأن الشيخ يعمل بعض الأعمال بحسب مقامه وحاله.
ومنها : ينبغي للمريد أن لا يتوقف على أمر الشيخ ، بل يبادر بإتيانه بلا تأويل ، فالله يصدق عقيدته وإرادته ، يفتح له باب إدراك الإشارات ويعطيه الله فهم دقائق المعاني لأن الشيخ لا يأمر بشيء للمريد إلا بأمر الله تعالى أو بفراسة.
ومنها : أن ما لقنه الشيخ من الذكر أو التوجه أو المراقبة يعمل به ولا ينظر لشيء ويترك جميع الأوزار ، لأن الشيخ يعرف استعداده بفراسته ، وتلقينه موافق استعداده وقابليته ، لان فراسة الشيخ نورمن النور الإلهي بموجب : اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله تعالى .
ومنها : ينبغي للمريد أن يرى نفسه أحقر من جميع الخلائق ، ولا يثبت على أحد حقه  ، وكذلك لا يثبت حق على نفسه حتى يتوجه إلى أدائه وتحصيل التوفية ، بل يعتقد هذه السماء قبة وأنا وشيخي والله ولا غير ، ويذكر الله تعالى حتى يرتفع من بصيرته الظاهرة ويقول بلسان الحال : إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين ، ونقل عن إسمعيل الأتاء رحمه الله تعالى بعد تلقين الذكر ينصح المريد ويقول : وقع بيني وبينك أخوة الطريق ، اقبل مني نصيحة واحدة تعتبر هذه السماء قبّة وفيها أنا وأنت والله تعالى ، واذكر الله تعالى حتى يغلب الذكر ، ويتجلى الله تعالى بتجلي القهري فينفي كل شيء ، ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام ، فلا يكون أنت ولا غيرإلا هو الواحد القهار .
ومنها : ينبغي أن لا يجوز أمرا من أمور الشيخ ، ويحترم أمره ، ويعظم شيخه بأقصى الوجوه ، ويبالغ في عمارة القلب بالذكر الذي لقنه الشيخ ، فيكون ساعيا في أن لا يخطر خاطر في قلبه خيراً كان أو شرًّا ، وإن خطر الخاطر بمقتضى البشرية فينفيه بذكر الله تعالى وإن لم ينتف فليلتمس عند الشيخ ، ولا يخفي الخواطر من الشيخ جيّداً كان أو رديًّا ، ولا يكن غافلاً لأن وقت الغفلة عند الصوفيّة كفر خفيّ ، وذكر الغير شرك ظاهر ، فحقيقة الذكر طرد الغفلة .
ومنها : ينبغي للطالب الصادق أن لا يكون مراده شيئأ من الدنيا والآخرة إلاّ الذات الأحديّة ، وإن كان له مراد في شيء من الأشياء ، أو يكون مراده الحال أو المقام ، فهو طالب الهوى لا طالب الحق جلّ وعلا . ومن طلب الفناء والبقاء والأحوال فهو طالب لكمال نفسه ، أو عابد لنفسه أو حاله ، فينبغي للمريد أن يكون مثل الميّت بين يدي الغسّال يقلبه كيف يشاء ، وفي المكالمة لا يرد كلام الشيخ وإن لم يكن الحق مع الشيخ ، ويعتقد أن أخطاء الشيخ أقوى من صوابه ولا ينصح للشيخ بشيء إن لم يسأله ، كما قال الشيخ "نظام الدين الأولياء الدهلوي" : كان شيخي "شكر كمنج" يدرس المشارق ، وكان ذلك الكتاب غلطا وخطه لا يقرأ والشيخ يتكلف لقراءة العبارة ويحصل له المحنة والمشقة ، قلت يوماً : هذا الكتاب غلط جدا إن تأمرني أطلب من فلان ، وكتابه صحيح وخطه مليح يقرأ ، فقال : شيخ المشائخ لا يقدرون أن يقرؤوا الغلط صحيحاً ، فزال بالمرة ، ما بقي شيء من أحوالي حتى خفت من الإيمان الشرعي ، فاستعنت من زوجته ، بشفاعتها رجع حالي ومقالي .
ومنها : ينبغي للمريد أن يكون منقاداً مستسلماً لأمر الشيخ ، ولمن يقدمه الشيخ من المريدين والخلفاء ، وإن كان عمله أقل من عمله الظاهري ، ويحب شيخه على جميع الخلائق حتى لا يكون أحد أحب من شيخه . كما قال "خوجو أحرار" قدس سرّه : سمعت من "أمير قاسم التبريزي" قال : ذهبت لزيارة مولانا "زين الدين أبي بكر التايباري" رحمه الله وكان عنده رجل صوفي أجنبي فمولانا زين الدين توجه إلى ذلك الصوفي وقال : أنت تحبّ شيخك أو الإمام الأعظم أبا حنيفة رحمه الله ؟ قال : أحبّ شيخي ، فغضب مولانا عليه غضباً شديداً حتى قال له يا كلب يا حمار أنت تحب شيخك ولا تحب الإمام ، فقام الشيخ من الغضب فقام الرجل وراح ، وأنا كنت متحيّراً من غضب الشيخ عليه ، فخرج مولانا من بيته فقال : أين هو ؟ قلت : ذهب إلى جانب السوق ، فقال مولانا : تعال أنا أذهب عنده للعذر ، فلما خرجنا رأينا ذلك الرجل يجيء إلينا فقال لمولانا الرجل : جئت عندك بقصد العذر وذلك الوقت أنت كنت في الغضب فما قدرت أن أقول شيئا عندك ، فقال : خمسين سنة كنت في مذهب الإمام وعملت ما قرأت في الفقه وما تركت شيئاً مما كان في فقه الحنفي إلاّ عملت به فما حصل لي شيء  ، ولا زالت الرغبة من المكروهات ومشتهيات النفس والهوى ، فلما اخترت خدمة هذا الشيخ بزمان ، زال مني ميل المكروهات ومشتهيات النفس والهوى ، وأجد في نفسي طلب الحق وحبّه ، وأنت تقول اترك حبه ، فلا يجوز في الشريعة أن أترك وأتوب وأستغفر منه ، فمولانا قبّل يديه ولحيته وجبهته واعتذر منه عذرا بيِّناً ، وقال : الصواب في جانبك أنا أخطأت ينبغي أن يكون اعتقاد المريد هكذا ، فتفارقا . وينبغي للمريد في صحبة الشيخ أن لا يتكلم بالكلام الفضول ، ولا يلتفت إلى اليمين واليسار بل يكون متوجهاً إلى القلب ، ولا يذكر في مجالس الشيخ ، كما قيل : كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه في مجالس النبي صلى الله عليه وسلم إذا جلس يضع في فمه حصاة حتى لا يقدر على الكلام الفضول . وحكي أن مولانا "نظام الدين الخاموش" يوما تفجّع وقال : "رجعت إلى البداية" ، فظهر أنه كان مريد في مجلسه يذكر الذكر انعكس حاله فرجع مولانا إلى الذكر .
ومنها : لا ينبغي للمريد أن يظهر حاجة لأحد ، إن كان له أمر ضروري يلتمس عند الشيخ فيدفعه الشيخ ، فإن لم يكن شيخه حاضراً وحصل له الضرورة من الدنيا فيسأل من رجل صالح سخيّ متّق ، كما نقل في مقامات الشيخ "أبي سعيد أبي الخير" قدس سره : أنه تضيّق معاشه واستقرض قرضاً كثيراً لإطعام الفقراء ، فيوماً جاء رجل من المؤدب وقال : يا أيها الشيخ قرضنا كثير لا يعطي أحد شيئاً ، بل أصحاب الدين يطلبون الحق فبعضهم مسافر يريد السفر ، فقال الشيخ : فلان رجل في قرية فلان كيف يكون حاله في التقوى والصلاح ، قالوا رجل صالح متقّ متورّع وفي الصلاح حاله مقبل ، فقال الشيخ اذهب إليه حتى يؤدي ديني ، فذهب إليه فأدى دينه واعطاه شيئاً أزيد من الحاجة .
ومنها : لا ينبغي للمريد أن يغضب على أحد ، لأن الغضب يميت نور الذكر ، ولا يباحث ولا يناظر مع طلبة العلم ، لأن المناظرة تورث النسيان والكدورات ، وإن وقع الغضب بمقتضى البشرية ، فبعده يستغفر ويطلب منه العذر وإن كان الحق معه ، ولا ينظر إلى أحد بنظر الحقارة ، بل من رأيتَ احسبه أنه خضر عليه السلام ، أو ولي من أولياء الله تعالى فاطلب منه الدعاء . 



Rea es:
شارك هذا

المؤلف: /

0 coment rios: