الخميس، 28 يونيو 2018

مقتطفات من كتاب الفتوحات الإلهية في شرح المباحث الأصلية


فهذه الحقيقة النفسية 
 موصولة بالحضرة القدسية
وإنما يعوقها الموضوع 
 ومن هنا يبتدأ الطلوع

قلت: المراد بالحقيقة النفسية هو: الروح اللطيفة السارية في الأشباح الكثيفة القائمة بها، والحضرة القدسية هي العظيمة الأزلية القديمة اللطيفة الخفية المعبر عنها بعالم الجبروت, وهي التي فسرها ابن الفارض في خمريته حيث قال رضي الله عنه وأرضاه: 

يقولون لي صفها فأنت بوصفها
خبير: أجل عندي بأوصافها علم
صفاء ولا ماء, ولطف ولا هوى
ونور ولا نار, وروح ولا جسم
تقدم كل الكائنات حديثها
 قديماً, ولا شكل هناك ولا رسم
وقامت بها الأشياء ثم لحكمة
 بها احتجبت عن كل من لا له فهم

فالأشياء التي قامت بالخمرة الأزلية هي: الموضوعات التي تكثفت وظهرت, فقد وضعها الله أواني حاملة للمعاني؛ ومنها أشباح بني آدم، فإنها موضوعات للسر الرباني, الذي هو الروح, والروح بني آدم، فإنها موضوعات للسر الرباني, الذي هو الروح, والروح متصلة بتلك الخمرة الأزلية، وإنما يعوقها ويمنعها من اللحوق بأصلها, هذا الموضوع الذي وضعه الله لها وأسكنها فيه, فهو كثيف, وهي لطيفة، فمن غلبت كثافته على لطافته؛ أو تقول: بشريته على روحانيته, بقي دائماً مسجوناً بمحيطاته, محصورا ًفي هيكل ذاته ومن غلبت لطافته على كثافته،أو تقول: روحانيته على بشريته اتصلت روحه بالحضرة القدسية, ورجعت إلى أصلها, فلم يحجبها عن أصلها أرض ولا سماء, ولا عرش ولا كرسي حتى قال بعضهم: ((العرش والكرسي مندقان في ترسي)) وقال آخر: ((لو أن العرش في زاوية من زوايا قلب العارف ما أحس به)). وفي الحكم العطائية: ((الكائن في الكون ولم تفتح له ميادين الغيوب, مسجون بمحيطاته، محصور في هيكل ذاته)) مفهومه إذا فتحت له ميادين الغيوب لم يحصره هيكل ولا كون, بل يترقى إلى فضاء الشهود,وتتصل روحه بالملك المعبود, اتصالاً يعرفه أهل الأذواق, وينكره أهل الأوراق؛ وقد ضرب عز الدين ابن عبد السلام مثلًا ربما يزيل ذلك الإشكال؛ ويوضح لك المثال إن لم تذق ما ذاقت الرجال.

قال في (حل رموزه وفتح كنوزه) فاعلم أن القلب غيب؛ والرب غيب, فاطلع الغيب على الغيب؛ فكان اطلاعه نزولًا لا حلولًا؛ واعلم أن لطيفة ذلك: أن القلب خلق كامل الوصف؛ فله وجهان: ظاهر وباطن؛ فظاهره ترابي أرضى؛ مظلم طبيعي جثماني, وباطنه سماوي علوي, نوراني روحاني, فكثافة ظاهره لمباشرة القوى الطبيعة البشرية, ولطافة باطنه لمواجهة الملكوتيات العلمية الربانية الروحانية, فعلى قدر مواجهته لها ومقابلته إياها انعكست عليه أشعة أنوارها, وتجلت لأسراره بأسرارها (فشاهدها بالأنوار التي فاضت عليه؛ وأدركها بالأسرار التي أبدتها إليه, وهذا معنى العكس والمقابلة؛ فهو يشهد جمالية محبوبة في مرآة قلبه من غير حصر ولا تحيز, ولا حلول, ولا انفصال ولا اتصال؛ فهو في المثال كمرآة لها وجها: ظاهرها كثيف مظلم, وباطنها لطيف مضيء, فلو قابلها من الكائنات ما قابلها من صغير أو كبير أرته ممثلًا فيها مع صغر جرمها وكبر المرئي فيها, ولو كان جملًا أو جبلًا أرته بكل أجزائه فيها من غير حلول فيها, ولا اتصال بها, ولا تحيز في شيء منها, فكذلك الحق سبحانه وتعالى: إذا تجلى على قلب عبده المؤمن يشاهده بعين قلبه, ويجتليه ببصر بصيرته من غير حلول ولا تحيز, ولا اتصال ولا انفصال.

وأوضح من هذا المثال ما أشرحه في هذه الأبيات:

ولما تجلى من أحب تكرما 
 وأشهدني ذاك الجناب المعظما
تعرف لي حتى تيقنت أنني 
 أراه بعيني جهرة, لا توهما
وفي كل حال أجتيله ولم يزل 
 على طور قلبي حيث كنت مكلما
وما هو في وصلي بمتصل ولا 
 بمنفصل عني, وحاشاه منهما
وما قدر مثلي أن يحيط بمثله 
 وأين الثرى من طلعة البدر, إنما
أشاهده في صفو سرى فأجتلي 
 كمالًا: تعالى عزه أن يقسما
كما أن بدر التم يظهر وجهه 
 بصفو غدير, وهو في أفق السما

واعلم أن هذه الخصوصية إنما هي لابن آدم دون الملك, وإنما كان كذلك لما ذكرنا أن الآدمي مخلوق من العالمين: اللطيف والكثيف, فينزل القلب فيه بمنزلة المرآة في لطفها وكثافتها, فلذلك انطبع فيها ما يقابلها من المرئيات, ولا كذلك الملك, فانه مخلوق من لطيف فقط, وهو كله نور يشف ظاهره وباطنه, فهو كالزجاجة الشفافة, نورها خارق, فلا يتمثل فيها ما يقابلها لعدم التكثيف الذي يعكس ما يقابلها إليها, فهذا سر العكس والمقابلة, انتهى كلامه رضي الله عنه.
ومن هنا يبتدأ الطلوع, وحاصله: أن الآدمي كالمرآة التي من خلفها الطلاء وهو الدهن الذي يجعل فيه, والملائكة كالمرآة التي لا طلاء خلفها, لكن الملائكة فيهم الخواص والعوام وفيهم العارفون وغيرهم, والله تعالى أعلم.

وقوله: (من هنا يبتدأ الطلوع): الإشارة تعود إلى الموضوع الذي جعله الله محلًا للروح ومستقراً لها في هذا العالم السفلي, أي ومن هذا المحل السفلي الذي تقررت فيه الروح يبتدأ طلوعها وعروجها إلى محلها الأصلي, الذي هو عالم الملكوت أو الجبروت, وطلوعها بقدر تخليها عن هذا الموطن وغيبتها عنه, فبقدر ما تغيب عن موضوعها تفارقه, وتعرج عنه إلى أصلها, وبقدر ما تتعلق به وترتهن معه تستقر فيه وتسجن في هكيله.
قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه: (أيها الشائق إلى سبيل نجاته, التائق إلى حضرة حياته, أقلل النظر إلى ظاهرك إن أردت فتح باطنك لأسرار ملكوت ربك).
وفي بعض الكتب المنزلة يقول الله تعالى: (عبدي إنما منحتك صفاتي لتعرفني بها, فإن أدعيتها سلبتك الولاية, ولم أسلبك صفاتي, يا عبدي أنت صفتي, فارجع إلي أرجع إليك, يا عبدي فيك للعلوم باب مفتاحه أنا, وفيك للجهل باب مفتاحه أنت, فاقصد أي البابين شئت, يا عبدي قربي منك بقدر بعدك عن نفسك, وبعدي عنك بقدر قربك من نفسك, فقد عرفتك الطريق, فاترك نفسك تصل إلي في خطوة واحدة, يا عبدي كل ما جمعك علي فهو مني, وكل ما فرقك عني فهو منك, فجاهد نفسك تصل إلي, وإني لغني عن العالمين, ثم قال: (يا عبدي إن منحتني نفسك رددتها إليك راضية مرضية, وإن تركتها عندك فهو أعظم بلية فهي أعدى الأعادي إليك, فجاهدها تعد بالفوائد إليك).
وكان شيخنا رضي الله عنه يقول: إن شئتم أن أقسم لكم: أنه لا يدخل عالم الملكوت من في قلبه علاقة.
وقال الششتري رضي الله عنه: ليس يدرك وصالي كل من فيه بقيا.

**   **   **
الفتوحات الإلهية في شرح المباحث الأصلية

Rea es:
شارك هذا

الكاتب:

0 coment rios: