-->
recent

آخر المشاركات

recent
random
جاري التحميل ...
random

ما هو التصوف ؟


كان الشبلي يقول - فيما رواه عنه ابن عربي إشارةً في محاضرة الأبرار - عندما سئل عن التصوف .. ما هو ؟ فأجاب :"التصوف عندي ترويحُ القلوب بمراوح الصفاء؛ وتجليل الخواطر بأردية الوفاء، والتخلق بالسخاء، والبشر في اللقاء". وهي صفات في مجملها تصدر عن النور وترتد إليه، وتجعل من شخصية صاحبها شخصية نورانية بامتياز.

   هذه خصائص أربع للتصوف كلها نور على نور؛ فالخاصية الأولى لا تتأتى بالمطلق بغير النور : الصفاء الذي تترَوَّحنَ فيه القلوب وتستروح، إذ تجد الروح والراحة في صفائها، والتصوف بغير صفاء كدورة نفس وظلمة قلب وقسوة طباع ليس يطلق عليه في الأساس - على الأقل في تقديرنا - لفظة التصوف.

   والخاصية الثانية : تجليل الخواطر بأردية الوفاء، هي التي تعطي النور حقه من التحقيق بعد التطبيق، فالوفاء لحقوق الله نورٌ كله تظهر آثاره على الجوارح بعد ثبوتها في قلب الوافي، فلا يزال خاطره جليلاً إذا هو وفى بحق ربه عليه، لكن هذا الحق عسير جداً – أو هكذا يبدو لمن ليس بوافي – فشعور العبد إزاءه بالتقصير يجعل من خواطره السانحة في ملكوت الرحمة تحلق في مقام الجلال على الدوام، ورداء الوفاء بهذا الحق نفسه خاطر جليل يلزم الصوفي نوراً مُهاباً: هو نور صدق الفكرة في معنى الجلال.

   والخاصية الثالثة : التخلق بالسخاء حين تشح النفوس بما لديها وهو ليس لها ولا هو منها، فإذا لم يكن السخاء خلقاً لها وطبعاً، فليكن تخلقاً ... خلاله إلى النور تطبيقا وتحقيقا؛ فما من سخي هو سخي إذا عرف من السخاء شكله البرّاني دون أن يمس شغاف قلبه تحقيقاً، وينفذ إلى صميم وجدانه ليتخلى عن كل حرص بما في يده غير جوَّاد؛ والصوفي سخي فرح على الدوام بفضل الله، والسخاء طبع الصوفي وعادته غير منازع؛ لأنه رمز التصوف بإطلاق، فهو من النور وإلى النور على التحقيق.

   والخاصية الرابعة : البشر في اللقاء؛ صفة من صفات العارف غير منازع فيها، فهو الذي يبشر ولا ينَفِّر؛ هو الودود الحبوب الذي لا يعرف قط كراهية لخلق الله؛ لأنه يفهم عن الله حكمته في خلقه ويعرف علّة الخير كما يدرك علة الشر؛ يبشّر لأنه يرى النور في الباطن ويدركه ذوقاً من الأعماق. مَنْ غير العارف من خلق الله يرى بنور الله ..؟! .. مَنْ غير العارف تتوافر فيه تلك الصفة صفة البِشر في اللقاء .. ؟!، إذْ العارف - كما قال ابن سينا في الإشارات والتنبهات - : هَشٌّ بَشٌّ بسَّام.. ! فتلك الهشاشة والبشاشة والتبسّم خصالُ العرفان التي لا يجمعها إلا أهل النور القلبي، أهل الصفاء والتصافي : صفوة أهل الله من العارفين .. وقليلٌ ما هُم. 

عن الكاتب

حسن بن أحمد

التعليقات



إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد الموقع أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة

نفحات الطريق

2016