الجمعة، 22 يونيو 2018

في الكلام على التوسُّل

في الكلام على التوسُّل

التوسُّل في اللغة :

قال الجوهري في الصحاح مادة (وسل) (5 : 1841) :
"الوسيلة : ما يتقرب به إلى الغير ، والجمع : الوسيلة والوسائل، والتوسيل والتوسل واحد يقال : وسل فلانإلى ربه وسيلة وتوسل إليه بوسيلة أي تقرب إله بعمل". وقال الإمام القرطبي في تفسيره (ص 2156) :
الوسيلة : هي القربة عن أبي وائل، والحسن، ومجاهد، وقتادة، وعطاء، والسُدِّي، وابن زيد، وعبد الله بن كثير، وهي فعيلة من توسلت إليه أي تقربت. قال عنترة : 
إنَّ الرِّجالَ لهمْ إليْكِ وسيلَة ٌ 
إنْ يأْخذوكِ تكحَّلي وتخضَّبي 
والجمع الوسائل قال : 
إذا غفَل الواشُون عُدنا لوصلِنا 
وعاد التصافِي بيننا والوسائلُ 
ويقال : منه سلتُ أسأل أي : طلبت ، وهما يتساولان أي : يطلب كل واحد من صاحبه ; فالأصل الطلب، والوسيلة القربة التي ينبغي أن يطلب بها. 
وكون الوسيلة هي القربة لا خلاف بين المفسرين في ذلك كما صرح به ابن كثير في تفسيره وقال : (الوسيلة هي ما يتوصل بها إلى تحصيل المطلوب). 
فقول بعضهم :"إن التوسل هو اتخاد واسطة بين العبد وربه" خطأ وجهلن فالتوسّل ليس من هذا الباب قطعاً. 
فالمتوسّل لمْ يدْعُ إلاّ الله وحده، فالله وحده هو المُعطي والمانع والنافع والضار ولكن المتنوسّل اتخد قربة رجاء قبول دعاءه، والقربة في الدعاء مشروعة بالاتفاق. 
وترِدُ الوسيلة بمعنى المنزلة كما في الحديث الصحيح المشهور :(سلوا الله لي الوسيلة ... ) الحديث. 

والتوسّل نوعين :

أحدهما : ما اتفق عليه، وترْكُ الخوض فيه صوابٌ، لأنه تكرار وتحصيل حاصل.
ثانيهما : ما اختلف فيه وهو السؤال بالنبي أو بالولي أو بالحق أو بالجاه أو بالحرمة أو بالذات وما في معنى ذلك، والخلاف فيه ضعيف ومبتدع.
وهذا النوع لم ير المتبصر في أقوال السَّلَف مَن قال بحرمته أو أنه بدعة ضلالة أو شدّد فيه وجعله من موضوعات العقائد كما نرى الآن. ولم يقع التشدّد إلا في القرن السابع وما بعده، وقد نُقل عن السلف توسل من هذا القبيل. 
قال ابن تيمية في "التوسُّل والوسيلة" (ص98) :
هذا الدعاء (أي الذي فيه توسل بالنبي صلى الله عليه وسلم)، ونحوه قد روى أنه دعا به السلف ونقل عن أحمد بن حنبل في منسك المروزي التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم في الدعاء.اه، ونحوه في (ص155) من الكتاب المذكور.
وقال في (ص 65) :"والسؤال به (أي بالمخلوق) فهذا يجوزه طائفة من الناس، ونقل في ذلك آثار عن بعض السّلَف وهو موجود في دعاء كثير من الناس".اه.
وذكر أثر فيه التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم لفظه :(اللَّهم إني أتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم تسليماً، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربك وربي يرحمني مما بي). 
قال ابن تيمية : هذا الدعاء ونحوه روي أنه دعا به السّلَف، ونقل عن أحمد بن حنبل في منسك المروزي التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم في الدعاء.اه. 
وهذا هو نصُّ عبارة أحمد بن حنبل فقال في منسك المروزي بعد كلام ما نصّه : "وسلِ الله حاجتك متوسلاً إليه بنبيه صلى الله عليه وسلم تُقْضَ من الله عزَّ وجلَّ".اه.هكذا ذكره ابن تيمية في الرد على الأخنائي (ص 168). 
والتوسُّل به صلى الله عليه وسلم معتمد في المذاهب، ومرغّب فيه نصَّ على ذلك الأئمة الأعلام، وكتب التفسير، والحديث، والخصائص ودلائل النبوة،والفقه، طافحةً بأدلة ذلك بدون تحريم وهي كثيرة. 
وقد أكثر ابن تيمية من بحث النوع الثاني من التوسل في مصنفاته قائلاً بمنعه وقَلَّدَهُ وردَّدَ صدى كلامه آخرون. 
ويحسنُ ذكر كلام ابن تيمية مع بيان ما فيه، واقتصاري على كلامه فقط هو الأولى، لأن من تشبث بكلامه لا يزيد عن كونه متشبعاً من موائده دائراً في فلكهن والله المستعان. 
كان ابن تيمية يرى منعَ التوسل بالأنبياء والملائكة والصالحين، وقال :التوسّل حقيقة هو التوسل بالدعاء - دعاء الحيّ فقط - وذكر ذلك في مواضع من كتابه "التوسل والوسيلة" (ص 169). 

وقال ابن تيمية (ص 65) : 
"السؤال به (أي المخلوق) فهذا يجوزه طائفة من الناس، لكن ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك كلّه ضعيف بل موضوع، وي عنه حديث ثابت قد يظن أن لهم فيه حجة، إلاّ حديث الأعمى لا حجة لهم فيه، فإنه صريح في أنه إنما توسل بدعاء النبي صلى الله عتليه وسلم وشفاعته، وهو طلب من النبي صلى الله عليه وسلم الدعاء، وقد أمره النبي صلى الله عليه وسلم ان يقول :"اللّهمَّ شَفِّعْهُ فِيَّ"، ولهذا ردّ الله عليه بصره لما دعا له النبي صلى الله عليه وسلم،وكان ذلك مما بعد من آيات النبي صلى الله عليه وسلم، ولو توسّل غيره من العميان الذين لم يدع لهم النبي صلى الله عليه وسلم بالسؤال بهلم تكن حالهم كحاله".اه.
قلت : قوله :(كله ضعيف بل موضوع وليس عنه حديث ثابت قد يظن أن لهم فيه حجة إلا ... )، وسيأتي إن شاء الله الرد على هذا الكلام في تخريج الأحاديثن ففي احاديث التوسل الصحيح والحسن والضعيف عند أئمة هذا الشأن ووفق قواعد الفن.
أما قوله :(إلا حديث الأعمى لا حجة لهم فيه، فإنه صريح في أنه إنما توسل بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم وشفاعته وهو طلب من النبي صلى الله عليه وسلم الدعاء، وقد أمره النبي صلى الله عليه وسلم ان يقول :"اللّهمَّ شَفِّعْهُ فِيَّ"، ولهذا ردّ الله عليه بصره لما دعا له النبي صلى الله عليه وسلم، وكان ذلك مما بعد من آيات النبي صلى الله عليه وسلم).اه. 

قلت : فنظر ابن تيمية إلى أن التوسل من الأعمى كان بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم.
وكلامه فيه نظر ظاهر، لأن الناظر في حديث توسّل الأعمى يجد فيه الآتي :

1 - جاء الأعمى للنبي صلى الله عليه وسلم فقال له :"ادعُ الله أن يعافيني"، فالأعمى طلب الدعاء.
2 - فأجابه النبي صلى الله عليه وسلم قائلاً :"إن شئت أخرتُ ذلك وهو خير، وإن شئتَ دعوت" فخيره رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبيّن له أن الصبر أفضل.
3 -ولكن لشدّة حاجة الأعمى التمس الدعاء من النبي صلى الله عليه وسلم. 
4 -عند ذلك أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يتوضأ فيحسن وضوءه ويصلي ركعتين. 
5 - وزاد على ذلك هذا الدعاء : ( اللَّهمَّ إنِّي أسألُك وأتوجَّهُ إليكَ بنبيِّكَ محمَّدٍ نبيِ الرَّحمةِ يا محمَّدُ إنِّي أتوجَّهُ بِك إلى ربِّي في حاجَتي هذِه لتُقضى لي). فدعا النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الدعاء كما طلب الأعمى في أول الحديث، ودعا الأعمى بهذا الدعاء كما علمه النبي صلى الله عليه وسلم. 
6 - فعلّمه النبي صلى الله عليه وسلم دعاءً هو توسّلٌ به صلى الله عليه وسلم، وهو نصٌّ في التوسل به صلى الله عليه وسلم لا يحتمل أي تأويل، وكيف يحتمل غير التوسل به صلى الله عليه وسلم، وفيه "أتوجّهُ إليكَ بنبيكَ"، "إني توجّهتُ بك" ؟! 

               ومن رأى غير ذلك فقد استعجم عليه الحديث.

** ** **
رفع المنارة لتخريج أحاديث التوسل والزيارة

Rea es:
شارك هذا

الكاتب:

0 coment rios: