شرح الحكم الغوثية - أحمد بن مصطفى العلاوي


قال سيدي أبومدين الغوث رضي الله عنه :

(أضَرُّ الأَشياءِ صًحْبَةُ عَالِمٍ غَافِلٍ ، أَوْ صُوفِيٍّ جَاهِلٍ أَوْ وَاعِظٍ مُدَاهِنٍ)

   نعم لم يبق ضرر أعظم على المريدين من صحبة هؤلاء الأصناف ، أجارنا الله من شرهم، والعالم الغافل هو المتجمد على ظاهر النقول، المتغفل عما وراء ذلك، زاعماً أن الغاية ما حصل عليه، ولم يعلم أن للقوم أسراراً انفردوا بها، فهذا يكون أضر الأشياء على من صحبه، لأنه يقتدي به من حيث علمه، وربما يبرهن له أن الإسلام ما نحن بصدده لا زائد عليه ، فيقتدي به صاحبه ويأخد بظاهر الكتاب والسنة ويتغفل عمّا كانت عليه بواطن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم من تصفية الأحوال وحسن المنوال وقد يقتدي بمثل هذا أغلب الناس لتصدره في منصب العلم والتعليم، فيكون عائقاً لمن صحبه، لغفلته عما وراء المنقول والمعقول. 

قال سلطان العاشقين رضوان الله عليه :
فثم وراء النقل علم يدق عن
 مدارك غايات العقول السليمة

تلقَّيتهُ منّي وعَني أخْذتهُ
 ونفسيَ كانتْ من عطَائي،مُمِدّتي
وقال أيضاً :
تنقَّل إلى حقِّ اليقين تنزُّها 
عن النقلِ والعقلِ الذي هو قاطِعُ

   ولو يعلم العالم يقيناً أن وراء المنقول والمعقول سر مكنون قد حازه العلماء بالله لما وقف دون عزه . قلت :

علم كان مكتوما عن الخلق جملة
وسر كان مصونا باللفظ لا يتلى
عزيزحوى عزيزا حلّ في قلبه
ولله العزّة والرسول وللولا

   قال عليه الصلاة والسلام :«إِنَّ مِنَ الْعِلْمِ كَهَيْئَة الْمَكْنُون، لاَ يَعْلَمه إلاالعلماء بالله، افإذا أظهروه أنكرته أهل الغِرَّةِ بالله».
فتحصل من أن هذا العلم ما هو مكنون ، أي ليس بمتعاط بين الخلائق، وإن كان كذلك فلا ينبغي للمريد أن يصحب العالم المتجمد على ظاهر الأوراق كما تقدّم، وإن صحبه فليصحبه ليأخد من عنده أحكام الشرع، ليقتدي به في الحال أو الطبع .

   قال سلطان العاشقين رضي الله عنه :
ولا تكُ ِممَّن طيَّشَتْهُ دُرُوسُهُ
بحَيثُ اسْتَقَلّتْ عَقْلَهُ واستقرّتِ

   فإذا عمل العالم بعلمه ، لا ينبغي له أن يقف عند ما علم ، بل يطلب الزيادة عملا بقوله عز من قائل : «وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ» فالعلم لا ينتهي في الخلق إنما ينتهي في الخالق، ومنتهى العلم إلى الله العظيم.

   وأين علماؤنا من العلم المكنون والسر المصون، فوالله لا يكون العالم عالماً إلا إذا صحِبَ القوم وشرب من كأسهم، وإلاّ فهو بعيد عن العلم، وليس له إلا مجرّد الإسم.

   ومما يضر المريد صحبة صوفي جاهل، وهذه داهية على المريد أكبر من أختها ، والمراد به شيخ مدّعي الطريق وكيفيات السير إلى الله، وليس له من معرفة الطريق إلا مجرّد القول، فهذا منقطع وقاطع عن الله، وذنبه أعظم من غيره، لقوله عليه الصلاة والسلام : (أشد الناس عذابا يوم القيامة من كان الناس يظنون فيه خيراً وهو لا خير فيه)، أي مدّعي الطريق متظاهر بما للقوم وليس له إلا مجرّد الدعوى فهذا هو الجاهل المراد به في قول المصنف : وأما الجاهل بأحكام الشرع فلا يغتر به المريد في الغالب، ولا يطلق عليه صوفي أيضاً كما أخبر به المصنف، فكان تحذيره عائداً على صحبة مدّعي الطريق الآخد من القوم مجرّد الانتساب واتخاد السُّبح والعمائم والعصي، فيكون التشبه بهم في الظاهر والمباينة لهم في الباطن.

   فكل من اقتدى بمثل هؤلاء يكون له عائق في الطريق وضره أقوى من نفعه، فلهذا ينبغي للمريد أن لا يصحب من كانت هذه سيرته ومن علامات هذا المدعي أنه يقول أن الوصول إلى الله بعيد، صعب على أمثالنا وينكر على من يقول بقربه، كأنه لم يسمع قوله عز وجلّ : (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ) ، ولكن ذلك لبعده فكلّ إناء بالذي فيه ينضح.

   وأما صحبة الواعظ المداهن قد يفقه بها المريد في الغالب إن صدق الله في سره وجهره، وكان فطناً يفهم من الواعظ كيف يحرّف الكلِم عن مواعظه ويلفّق الأقوال بأضدادها وهذا الواعظ يعود الضرر عليه أكثر ممّا يعود على غيره .

   ثم اعلم أن فساد العامة بسبب وجود العلماء المداهنين، حتى تجد الواعظ مل الطباخ يلون في الأطعمة ليعطي كل أحد ما يحمل قلبه ويوافق طبعه، وكان من حقه أن يكون كالطبيب يلون الأدوية حسب مقتضى الأمراض ولو كان المريض يجزع من استعمال الدواء أولاً ، فإنه يعود عليه بالراحة فيستحسنه ويشتاق إليه ثانياً، فهذا مثل القائل بالحق المحافظ على نفع الخلق، وأما الواعظ المداهن لا يسري كلامه في الخلق لتلبسه بظلمة المعصية ، وهي المداهنة ويكون كلامه لا نتيجة له، فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ.

   وكل كلام يبرز إلا وعليه كسوة القلب الذي برز منه، وأن الكلام إذا خرج من القلب وقع فيه، وإذا برز من اللسان فبعكسه. وصحبة المداهن على كل حال مضرة على المريد لما قيل : لا تَصْحَبْ مَنْ لا يُنْهِضُكَ حالُهُ وَلا يَدُلُّكَ عَلَى اللهِ مَقالُهُ.
 وقيل : 
فاختر لصحبتك من أطاع
فإن الطباع تسرق الطباع

شارك هذا

الكاتب:

0 Please Share a Your Opinion.: