الأربعاء، 27 يونيو 2018

سبعة أشياء هي الموجبة لإنكار العوام على الخواص

الأول : جهلهم بحقيقة نفسهم وشرفها, وهو الروح في أصل نشأتها, فلما حجبت وتظلمت سميت نفسا, ولا شك أن الروح التي قامت بهذا البدن: أصلها لطيفة نورانية ملكوتية جبروتية , عالمة بما كان وما يكون, وما حجبها عن هذا العلم إلا شغلها بتدبير البدن وتحصيل أغراضه وشهواته, فكلما جاهدها وخرق عوائدها رجعت إلى أصلها, فأدركت العلوم اللدنية والأسرار الربانية, وهو علم الباطن, فلو علم الإنسان أصل نفسه وشرفها, وعرف السبب الذي حجبها عن أصلها لاحتال عليها حتى يردها لأصلها, لكن جهله بأصله تركه محجوبا بها حتى أنكر خصوصيتها, ولذلك قال يحيى بن معاذ الرازي: (من عرف نفسه عرف ربه) قيل من عرف نفسه كيف كانت فاحتال عليها حتى ردها لأصلها فقد عرف ربه, وقيل: معناه من عرف حقيقة نفسه, فقد عرف ربه, لأنه حصل مقام الجمع وحجب به عن الفرق, والله تعالى اعلم.

والأمر الثاني : جهل كون نفسه خليفة عن الله في أرضه, قال تعالى في شأن آدم: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} ولا شك أن الحق سبحانه ركب هذا الروح اللطيف في هذا المظهر الإنساني الكثيف, وجعله يتصرف في الكون كيف شاء, قال تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} وقال تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ} وقال في الحكم: (جعلك في العالم المتوسط بين ملكه وملكوته ليعلمك جلالة قدرك بين مخلوقاته, وأنك جوهرة تطوي عليك أصداف مكوناته, وسعك الكون من حيث جثمانيتك, ولم يسعك من حيث ثبوت روحانيتك, فالإنسان في أصل نشأته خليفة الله في وجوده من عرشه إلى فرشه, لكن الإنسان لما جهل نفسه أشغلها بخدمة الأكوان, فسقطت عن رتبة الخلافة حين صارت مملوكة في أيد المماليك, ولا يصلح للخلافة إلا من كان حرا عن الملوك والمماليك).قال الشيخ أبو العباس رضي الله عنه: الأكوان كلها عبيد مسخرة, وأنت عبد الحضرة.
وفي بعض الأخبار المروية عن الله عز وجل:(يا ابن آدم خلقت الأشياء من أجلك, وخلقتك من أجلي, فلا تشتغل بما هو لك عما أنت له) فكل من تحرر من رق الأكوان ورفع همته عنها ملكها بأسرها واستولت روحه على الوجود بأسره, فصار خليفة الله في كونه, وأما من بقي مملوكا في يدها فلا خلافة له.

الأمر الثالث : جهل النفس بالعالم المعقول, والمراد به العالم الروحاني, وهو عالم المعاني لأنه لا يدرك بالنقل: وإنما يدرك بتصفية العقل وجوهريته, حتى يصير سرا من أسرار الله فحينئذ يدرك عالم المعاني, ويغيب عن عالم الأواني, وهو عالم الحس.
فتحصل أن من اشتغل بعالم الأشباح, وهو عالم الحس, وعالم الحكمة لا يدرك عالم الأرواح, وهو عالم المعاني, وعالم القدرة, وأنكر على من ادعى إدراك شيء من ذلك فهو معذور كمن أنكر طلوع الشمس وهو أرمد, كما قال البوصيري:

قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد 
وينكر الفم طعم الماء من سقم 
وسبب حجابهم عن عالم المعاني, وهو عالم القدرة: اشتغالهم بعلم عالم الحس, وهو عالم الحكمة, فاشتغلوا بعلم المنقول والاطلاع على الأقوال الغريبة وتحرير المسائل الفروعية والتغلغل فيها, وهو سبب حجاب علماء الظاهر: تجمدوا على ظاهر الشريعة وادعوا الإحاطة بها, وأنكروا على أهل علم الحقيقة, فضلوا وأضلوا عن طريق الخصوص, وقد قال تعالى: {وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} ولو تأملوا في سر الشريعة لوجدوها تدل على الطريقة والطريقة توصل إلى الحقيقة, ولكن سنة الله لا تنخرم, فلا بد من قوم يتجردون لعلم الشريعة ويحملون لواءه, وإلا ضاعت الطريقة والحقيقة, إذ لو ذاقوا هذا العلم لزهدوا في سائر العلوم, ولن تجد لسنة الله تبديلا.

الأمر الرابع : الاشتغال بعمل الجوارح الظاهرة, والتعمق فيه, والغفلة عن عمل القلوب وتصفيتها, وهو سبب حجاب العباد والزهاد, وحبستهم حلاوة عبادتهم عن شهود معبودهم وحلاوة زهدهم عن معرفة خالقهم, فاستوحشوا من كل شيء لغيبتهم عن الله في كل شيء, فهم ينكرون الخصوصية لغيرهم, ويثبتونها لنفوسهم, وهو الجهل المركب, وهذا مع ما قبله اشد الحجاب عن الله, ولذلك قال بعضهم: أشد حجابا عن الله العلماء ثم العباد ثم الزهاد.

الأمر الخامس : الخوض فيما يحسنه العقل ويقبحه, فما استحسنه العقل أحبوه واعتقدوه وما قبحه العقل كرهوه وأنكروه, فوقفوا مع عقولهم فانعقلوا عن مراتب الكمال, وحجبوا عن مدارك الرجال, فالعقل معقول, لا يدرك من أمر التوحيد إلا افتقار الصنعة إلى صانعها, وأمام أسرار التوحيد وغوامضه, فهو خارج عن دائرته كما قال ابن الفارض رضي الله عنه:

فثم وراء النقل علم يدق عن 
مدارك غايات العقول السليمة
وهذا سبب حجاب أهل علم الكلام وقفوا مع الدليل, وحجبوا عن المدلول, وارتبطوا مع الدليل والبرهان, وأنكروا الشهود والعيان, هذا معنى قوله: (والخوض في المكروه والمحبوب) ويحتمل أن يريد الخوض في الدنيا بالاشتغال في تحصيل محبوبها, كالعز والجاه والمال, والبعد عن مكروهها كالذل والفقر وغير ذلك مما تكرهه النفوس, فان الاشتغال بذلك حجاب عظيم في سر التوحيد, والله تعالى اعلم.

الأمر السادس : جهل الإنسان بما يحل له الخوض فيه وما يحرم عليه, إذ لو تحقق ذلك وعلم ما فيه من العقوبة, لانزجر وانكف عن الخوض فيما لا علم له به, وأشغله عيبه عن عيوب غيره, لكن لما جهل ما يضره وما ينفعه أطلق لسانه في الإنكار على أولياء الله من غير احترام ولا احتشام, فلا جرم انه إن لم يتداركه اللطف يخاف عليه سوء الخاتمة. وفي الحديث القدسي: (من عادى لي وليا فقد آذنني بالحرب) أو كما قال. وفي حديث آخر: (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه) ولا تغتر بمن يدعي مرتبة العلم ثم يطلق لسانه في أولياء الله فإنه جاهل على الحقيقة لأن ذلك سببه الرضا عن نفسه, وأي علم لعالم يرضى به عن نفسه, وأي جهل لجاهل لا يرضى عن نفسه, عصمنا الله من ذلك بمنه وكرمه.

الأمر السابع : الميل عن المواهب الإلهامية والعلوم اللدنية, وعدم التعريج عليها والتصديق بها, ولا شك من لم يعرج عليها ولا يصدق بوجودها لا يتشوف إليها ولا يطلبها وعلم الباطن كله مواهب وكشوفات, فمن لم يصدق به لا يناله أبدا ما دام منكرا له, وقد قالوا: أول الطريق تصديق, ووسطه توفيق, وآخره تحقيق, فمن لا تصديق له لا توفيق له, ومن لا توفيق له لا وصول له لعين التحقيق, ولذلك قالوا: التصديق بطريقتنا ولاية أي لأنها سبب الولاية, والله تعالى اعلم.

هذا آخر الأسباب الموجبة للإنكار على طريق الخصوص, فمن سلم من هذه الأسباب فتح له الباب ورفع عنه الحجاب ومنح مشاهدة الأحباب بمنه الكريم الوهاب, وإلا بقي مع عصبة الجهال في الحيرة والضلال.

**   **   **

الفتوحات الإلهية فى شرح المباجث الأصلية

Rea es:
شارك هذا

المؤلف: /

0 coment rios: