الاثنين، 25 يونيو 2018

جهاد الصوفية : نجم الدين الكبرى


الشيخ الإمام العلامة القدوة المحدث الشهيد شيخ خراسان نجم الكبراء ويقال : نجم الدين الكبرى الشيخ أبو الجناب أحمد بن عمر بن محمد الخوارزمي الخيوقي الصوفي ، وخيوق من قرى خوارزم .

ولد في خوارزم سنة 540 هجرية، أُطلق عليه لقب «الكبرى» لنابغته ونباهته، فكان في صغره إذا عرضت مسألة ما على الطلبة بادر بالإجابة بطلاقة وسعة علم، فقالوا عليه «الطامة الكبرى»، ثم حذفوا الطامة ونادوه بالكبرى، فاشتهر بها وكان له من لقبه حظًا كبيرًا.

درس الحديث والفقه والتفسير، وعني بمذهب الشافعي وارتحل في طلب العلم وطاف بالكثير من البلاد فنزل مصر وبغداد ودمشق، وجالس علماءهم ونهل من علمهم، ثم عاد إلى خوارزم، وقد عظم أمره وذاع صيته، وعُرف عنه تصوفه وزهده، فأقبل عليه الناس، وأصبح له طلاب ومريدون، وصار مقصد الملوك والعوام. وفي تلك الأثناء حلت على العالم الإسلامي نكبة ما شهد مثلها قبل، حتى أن عوام الناس تنادوا فيما بينهم أن يوم القيامة قد حان.

لما وقع الخلاف والقتال بين جنكيز خان ومحمد بن خوارزم شاه بسبب حماقة الأخير وتهوره، واجتاحت جيوش المغول بلاد خوارزم، فرت من أمامهم الجيوش وانهدمت أمامهم الحصون، حتى كانوا كالنار لا تأتي على شيء إلا أكلته ولا حيا إلا أهلكته، واستقر في أذهان الناس أنه لا يقوم لهؤلاء قائم إلا كسروه، ولا عسكر إلا أبادوه، حتى قال المؤرخون إنه لم تكن طامة على المسلمين أعظم من طامة المغول.
جمع نجم الدين الكبرى تلامذته وخواصه، ثم اختار منهم فئة بعينها، علم من خلال صحبتهم له علمهم وحماسهم وسعة بصيرتهم وعلو همتهم، وأعطاهم مهمة ووظيفة لا يمكن لعقل أن يتصورها في ذلك الوقت.


أمر نجم الدين الكبرى تلامذته بالتفرق في البلاد بعيدًا عن خوارزم وأن يعملوا على نشر الإسلام ونقل الحضارة الإسلامية إلى المغول، كانت المهمة مستحيلة تمامًا ومحفوفة بالمخاطر، فمن ذا الذي يجرؤ على دخول بلاد المغول والدعوة إلى دين يحارب المغول أهله ويفتكون به، لكن تلامذة نجم الدين أطاعوا أمره وتفرقوا في البلاد كما أمر.


أدرك نجم الدين مصدر قوة الأمة وعرف سلاحها البتار، فوجّه جهوده لاستخدام ذلك السلاح واستثماره. فقرر القيام بمعركة إستراتيجية هامة، ألا وهي اختراق المغول ثقافيًا وفكريًا، من خلال نشر الإسلام والحضارة الإسلامية داخل المغول أنفسهم، مستغلًا بذلك أمرين في غاية الأهمية؛ أولهما التسامح الديني عند المغول. فعلى الرغم من قسوة المغول وفظاعتهم في حروبهم إلا أنهم اتسموا بتسامح ديني نوعًا ما، وانتشر بين قادتهم عدة ديانات كالمسيحية والبوذية، وثانيهما رغبتهم الهائلة في طلب المعرفة والتعرف على ثقافات جديدة. ولذلك السببين كان البلاط المغولي يعج بالكثير من المسلمين والنصارى، وعمل الكثير منهم في خدمة المغول.

ضرب المغول حصارهم على خوارزم وتجهزوا لإبادة أهلها، وفي ظل تلك الأحداث المؤلمة الرهيبة، هرع الناس إلى إمام عصره وفقيه زمانه نجم الدين الكبرى، يقولون له: لقد حلت بالمسلمين نكبة ما سمعنا بمثلها قط، فلو دعوت الله يرفعها. فوعظهم الرجل وعظًا شديدًا، وأمرهم بالجهاد والحركة وعدم الاستكانة، وقال كلمته الخالدة: 
(إن هذا بلاء لا ينفع فيه دعاء ولكن قوموا فقاتلوا).

أحاط المغول بخوارزم، فتقدم الشيخ الصفوف بنفسه، ضاربًا للناس أسمى آيات البطولة والتضحية، واقتحم آتون المعركة وهو يقاتل المغول حتى أصابه سهم في صدره، فنزعه ورمى به نحو السماء، وفار الدم وهو يقول:(إن أردت فاقتلني بالوصال أو بالفراق).
وهكذا استشهد الإمام الكبرى وقد تجاوز عمره الثمانين عامًا بعد أن أدى رسالته الجهادية والدعوية. بينما انطلق تلامذته النجباء في تنفيذ مهمتهم، وكان أكبرهم جهدًا وأكثرهم تأثيرًا سيف الدين الباخرزي.

وصل سيف الدين الباخرزي – شيخ زاهد عارف، كبير القدر، إمام في السنة والتصوف – إلى مدينة بخارى بعد أن صارت حطامًا، فأقام هناك والتحق به الناس من كل مكان، وأخذ في الدعوة إلى الله، فكثر أتباعه ومريدوه، حتى سمع به أحد قادة المغول ويسمى «بايقوا» فانزعج من سيف الدين وخشي من تزايد والتفاف الناس حوله, فأراد قتله، وأرسل إليه جنده فحملوه إليه مقيدًا، فجزع الناس لحال شيخهم، فقال الرجل مطمئنًا لهم: (إني سأرى بعد هذا الذل عزًا). 

وشاء الله أن يصنع للباخرزي «كرامة»، فمات بايقوا بينما الشيخ في طريقه إليه، فخافه المغول وأطلقوا سراحه، وانتشرت قصة «الكرامة» بين المغول حتى عظم بينهم أمر الشيخ الباخرزي فلم يجرؤ أحدهم على النيل منه أو إيذائه، بل قصدوه بالهدايا والعطايا وتوددوا إليه، وانطلق الرجل في إكمال مهمته المقدسة.

وصلت أنباء سيف الدين وأخباره إلى كل مكان، وسمع به أحد أحفاد جينكز خان واسمه بركة خان وكان أحد ملوك المغول – بركة خان وهولاكو أبناء عمومة – فارتحل الرجل في طلب الشيخ ولقائه.


ملك الباخرزي لب بركة خان، فلم يقم من مكانه إلا وقد شرح الله صدره للإسلام ونطق بالشهادتين. وعاهد الشيخ على إظهار الدين وتعظيمه، وأنجز بركة وعده وحمل سائر قومه على الإسلام فأسلموا جميعًا، واتخذ المساجد والمدارس في جميع بلاده، وقرّب العلماء والفقهاء ووصلهم، وكان يحملهم إليه من أقطار العالم الإسلامي ويبالغ بالإحسان إليهم وبذل جهوده لحماية العالم الإسلامي من شر بني جلدته. 

Rea es:
شارك هذا

المؤلف: /

0 coment rios: