السبت، 28 يوليو 2018

منهـاج العارفيـن للامام أبي حامد الغزالي

منهـاج العارفيـن  للامام أبي حامد الغزالي


باب البيان نحو المريدين 

يدور على ثلاثة أصول: الخوف والرجاء والحب، فالخوف: فرع العلم، والرجاء : فرع اليقين ، والحب : فرع المعرفة، فدليل الخوف الهرب، ودليل الرجاء الطلب ، ودليل الحب إيثار المحبوب ، ومثال ذلك الحرام والمسجد والكعبة، فمن دخل حرم الإرادة أمن من الخلق، ومن دخل المسجد أمنت جوارحه أن يستعملها فى معصية الله تعالى ومن دخل الكعبة أمن قلبه أن يشغله بغير ذكر الله عزّ وجلّ. فإذا أصبح العبد لزمه أن ينظر في ظلمة الليل ونور النهار ويعلم أن أحدهما إذا ظهر عزل صاحبه عن الولاية، فكذلك نور المعرفة إذا ظهر عزل ظلمة المعاصي عن الجوارح، فإن كانت حالته حالة يرضاها لحلول الموت شكر الله تعالى على توفيقه وعصمته، وإن كانت حالته حالة يكره معها الموت انتقل عنها بصحة العزيمة وكمال الجهد وعلم أن لا ملجأ من الله إلا إليه ، كما أنه لا وصول إليه إلا به فندم على ما أفسد من عمره بسوء اختياره واستعان بالله على تطهير ظاهره من الذنوب وتصفية باطنه من العيوب، وقطع زنار الغفلة عن قلبه، وأطفأ نار الشهوة عن نفسه، واستقام على طريق الحق وركب أمطية الصدق، فإن النهار دليل الآخرة، والليل دليل الدنيا، والنوم شاهد الموت، والعبد قادم على ما أسلف ونادم على ما خلف، يقول الله عزّ وجلّ : { يُنَبَّأُ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ }.

باب الأحكام

وإعراب القلوب على أربعة أنواع : رفع وفتح وخفض ووقف، فرفع القلب في ذكر الله تعالى، وفتح القلب في الرضاء عن الله تعالى، وخفض القلب في الاشتغال بغير الله تعالى، ووقف القلب في الغفلة عن الله تعالى، فعلامة الرفع ثلاثة أشياء: وجود الموافقة، وفقد المخالفة، ودوام الشوق. وعلامة الفتح ثلاثة أشياء: التوكل والصدق واليقين، وعلامة الخفض ثلاثة أشياء : العجب والرياء والحرص وهو مراعاة الدنيا، وعلامة الوقف ثلاثة أشياء : زوال حلاوة الطاعة، وعدم مرارة المعصية، والتباس الحلال. 

باب الرعاية

قال رسول الله  صلى الله عليه و سلم : " طلب العلم فريضة على كل مسلم " , و هو علم الأنفاس فيجب أن يكون نفس المريد شكرا أو عذرا , فإن قبل ففضل و إن رد فعدل , فطائع الحركة بالتوفيق و السكون بالعصمة ولا يستقيم ذلك له إلا بدوام الافتقار و الاضطرار .
و مفتاح ذلك : ذكر الموت ؛ لأن فيه راحة من الحبس و نجاة من العدو , و قوامه برد العمر على يوم واحد , و لن يلتئم ذلك إلا بالتفكير في الأوقات , و باب الفكر الفراغ , و سبب الفراغ الزهد , و عماد الزهد التقوى , و سنام التقوى الخوف , و زمام الخوف اليقين , و نظام اليقين الخلوة و الجوع , و تمامها الجهد و الصبر , و طريقها الصدق , و دليل الصدق العلم .

باب النية

لابد للعبد من النية في كل حركة و سكون ( فإنما الأعمال بالنيات و لكل امرئ ما نوى ) و ( نية المؤمن خير من عمله ) و النية تختلف حسب اختلاف الأوقات , و صاحب النية نفسه منه في تعب , و الناس منه في راحة , و ليس شيء على المريد أصعب من حفظ النية .

باب الذكر

اجعل قلبك قبلة لسانك و اشعر عند الذكر حياء العبودية و هيبة الربوبية .
و أعلم بأن الله تعالى يعلم سر قلبك و يرى ظاهر فعلك و يسمع نجوى قولك , فاغسل قلبك بالحزن و أوقد فيه نار الخوف فإذا زال حجاب الغفلة عن قلبك , كان ذكرك به مع ذكره لك , قال الله تعالى : { ولذكر الله أكبر } ؛ لأنه ذكرك مع الغناء عنك , و أنت ذكرته مع الفقر إليه , فقال الله تعالى : { ألا بذكر الله تطمئن القلوب } ؛ فيكون اطمئنان القلب في ذكر الله له , و وجله في ذكره لله , قال الله تعالى : { إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم } .
و الذكر ذكران :
ذكر خالص : بموافقة القلب في سقوط النظر إلى غير الله .
و ذكر صاف : بفناء الهمة عن الذكر , قال رسول الله  صلى الله عليه و سلم  : " لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك " .

باب الشكر

و في كل نفس من أنفاس العبد نعمة لله تتجدد عليه يلزمه القيام بشكرها , و أدني الشكر أن يرى النعمة من الله تعالى و يرضى بما أعطاه ولا يخالفه بشيء من نعمه , و تمام الشكر في الاعتراف بلسان السر أن الخلق كلهم يعجزون عن أداء شكره على أصغر جزء من نعمه و إن بلغوا غاية المجهود ؛ لأن التوفيق للشكر نعمة حادثة يجب الشكر عليها , فيلزمك على كل شكر شكر إلى مالا نهاية له , فإذا تولى الله العبد , حمل عنه شكره فرضى عنه بسير و حط عنه ما يعلم أنه لا يبلغه و يضعفه { و ما كان عطاء ربك محظوراً } .

باب اللباس

اللباس نعمة من الله تعالى على عبده يستر به البشرة : { و لباس التقوى ذلك خير } و خير لباسك مالا يشغل سرك عن الله تعالى , فإذا لبست ثوبك فاذكر محبة الله الستر على عباده فلا تفضح أحدا من خلقه بعيب تعلمه منه , و اشتغل بعيب نفسك فاستره بدوام الاضطرار إلى الله تعالى في تطهيره , فإن العبد إذا نسى ذنبه كان ذلك عقوبة له و ازداد به جرأة على المعاصي ,
و لو انتبه من رقدة الغفلة لنصب ذنوبه بين عيني قلبه نصبا و لبكى عليه بجفون سره و استولى عليه الوجل فذاب حياء من ربه ,
و مادام العبد يرجع إلى حول نفسه و قوتها انقطع عما حول الله تعالى و قوته فاطرح همتك بين يدي الخوف و الرجاء :
{ و اعبد ربك حتى يأتيك اليقين } .

باب القيام

فإذا قمت من فراشك فأقم قلبك عن فراش البطالة , و أيقظ نفسك عن نوم الجهالة , و أنهض بكلك إلى من أحياك و رد إليك نفسك , و قم بفكرك عن حركتك و سكونك و اصعد بقلبك إلى الملكوت الأعلى , ولا تجعل قلبك تابعا لنفسك , فإن النفس تميل إلى الأرض , و القلب يميل إلى السماء , و استعمل قول الله عز وجل : { إليه يصعد الكلم الطيب و العمل الصالح يرفعه } .

باب السواك

و استعمل السواك فإنه مطهرة للفم و مرضاة للرب , و طهر ظاهرك و باطنك عن دنس الإساءة , و أخلص أعمالك عن كدر الرياء و العجب , و اجل قلبك بصافي ذكره , و دع عنك مالا ينفعك بل يضرك .

باب التبرز

و إذا تبرزت لقضاء وطرك فاعتبر , فإن الراحة في إزالة النجاسة , و استنج و نكس رأس همتك , و أغلق باب الكبر , و افتح باب الندم و اجلس على بساط الندامة , و اجتهد في إيثار أمره و اجتناب نهيه و الصبر على حكمه , و اغسل شرك بترك الغضب و الشهوة , و استعمل الرغبة و الرهبة فإن الله تعالى مدح قوما فقال : { إنهم كانوا يسارعون في الخيرات و يدعوننا رغباً و رهباً و كانوا لنا خاشعين } .

باب الطهارة

إذا تطهرت ففكر في صفوة الماء و رقته و تطهيره و تنظيفه فإن الله تعالى جعله مباركا فقال : { و نزلنا من السماء ماء مباركا }
فاستعمله في الأعضاء التي فرض الله عليك تطهيرها ,ولتكن صفوتك مع الله كصفوة الماء ,فاغسل وجه قلبك عن النظر إلى غير الله ,
و اغسل يدك عن الامتداد إلي غيره , و امسح رأسك عن الافتخار بغيره , و اغسل رجليك عن السعي لغيره , و احمد الله على ما ألهمك من دينه .

باب الخروج

فإذا خرجت من منزلك إلى مسجدك , فاعلم أن لله تعالى حقوقا عليك يلزمك أداؤها , من ذلك , السكينة , و الوقار , و الاعتبار بخلق الله برهم و فاجرهم , قال الله تعالى : { و تلك الأمثال نضربها للناس و ما يعقلها إلا العالمون } و غض بصرك عن نظر الغفلة و الشهوة , و أفش السلام مبتدئاً و مجيباً و أعن من استعانك على الحق , و أمر بالمعروف و انه عن المنكر – إن كنت من أهله – و أرشد الضال .

باب دخول المسجد

فإذا بلغت باب المسجد فاعلم أنك قصدت بيت ملك عظيم قدره لا يقبل إلا الطاهر ولا يصعد إليه إلا الخالص , ففكر في نفسك من أنت و لمن أنت و أين أنت و من أي ديوان يخرج أسمك ؟ ! فإذا استصلحت نفسك لخدمته فادخل فلك الإذن و الأمان , و إلا فقف وقوف مضطر قد انقطعت عنه الحيل و انسدت عنه السبل , فإذا علم الله من قلبك الالتجاء إليه أذن لك فتكون أنت بلا أنت , و الله يرحم عبده و يكرم ضيفه و يعطي سائله و يبر المعرض عنه فكيف المقبل إليه .

باب افتتاح الصلوات

فإذا استقبلت بوجهك القبلة استقبل بقلبك الحق ,ولا تنبسط فلست من أهل الانبساط ,و اذكر وقوفك بين يديه يوم العرض الأكبر, و قف على قدمي الخوف و الرجاء و ارفع قلبك عن النظر على الدنيا و الخلق و أرسل همتك إليه فإنه لا يرد الآبق ولا يخيب السائل .

فإذا قلت ( الله و أكبر ) فاعلم أنه لا يحتاج إلى خدمتك له و ذكرك أياه ؛ لأن الحاجة من حيلة الفقراء و ذلك سمة الخلق , و الغني من صفات ذاته و إنما وظف على عبيده وظائف ليقربهم بها إلى عفوه و رحمته و يبعدهم بها من سخطه و عقوبته , قال الله عز وجل : { و ألزمهم كلمة التقوى و كانوا أحق بها و أهلها } و قال عز من قائل : { و لكن الله حبب إليكم الإيمان و زينه في قلوبكم }
و اشكر الله إذ جعلك أهلا للوقوف بين يديه فإنه { أهل التقوى و أهل المغفرة } أهل أن يتقيه خلقه فيغفر لمن اتقاه .

باب القراءة


قال الله تعالى : { فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ * إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ*  إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ } , { أنه من تولاه فأنه يضله } و أذكر عهد الله عليك و ميثاقه في وحيه و تنزيله , و انظر كيف تقرأ كلامه و كتابه فرتل و تدبر وقف عند وعده و وعيده و أمثاله و مواعظه و أمره و نهيه و محكمه و متشابهة , و أني لأخشى أن تكون إقامتك حدوده غفلة من تضيعك حدوده . قال الله تعالى عز وجل : { فبأي حديث بعده يؤمنون } .


باب الركوع

و اركع ركوع خاشع لله بقلبه خاضع بجوارحه , و استوف ركوعك , و انحط عن همتك في القيام بأمره فإنك لا تقدر على أداء فرضه إلا بعونه , ولا تبلغ دار رضوانه إلا برحمته , ولا تستطيع الامتناع من معصيته إلا بعصمته , ولا تنجو من عذابه إلا بعفوه . قال رسول الله  صلى الله عليه و سلم  :" لن يدخل الجنة أحد بعمله , قالوا : ولا أنت يا رسول الله , قال : ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته " .

باب السجود


و اسجد لله سجود عبد متواضع علم أنه خلق من تراب يطؤه جميع الخلق و أنه ركب من نطفة يستقذرها كل أحد , فإذا فكر في أصله و تأمل تركيب جوهره من ماء و طين ازداد لله تواضعا , و يقول في نفسه : ويحك لم رفعت رأسك من سجودك لِمَ لَم تمت بين يديه و قد جعل الله السجود سبب القرب إليه فقال تعالى : { وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ } , فمن اقترب منه بعد من كل شيء سواه , و احفظ صفة سجودك في هذه الآية : { منها خلقناكم و فيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى } . و استغن بالله عن غيره فإنه روى عن النبي  صلى الله عليه و سلم  أنه قال : " قال الله تبارك و تعالى : لا أطلع على القلب عبد فأعلم منه حب العمل بطاعتي إلا توليت تقويمه و سياسته " .


باب التشهد


و التشهد ثناء و شكر له و تعرض لمزيد فضله و دوام كرامته , فاخرج عن دعواك و كن له عبدا بفعلك , كما أنت عبدا له بقولك , { و ربك يخلق ما يشاء و يختار ما كان لهم الخيرة } فاستعمل العبودية في الرضا بحكمته , و استعمل العبادة في النزول تحت أمره , و صل على حبيبه عقب الثناء عليه فإنه وصل محبته بمحبته , و طاعته بطاعته , و متابعته بمتابعته , فقال تعالى :
{ فاتبعوني يحببكم الله } , و قال تعالى : { مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ } , و قال تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ }
و أمر رسوله بالاستغفار لك فقال تعالى : { فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِك وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَات } و أمرك بالصلاة عليه فقال تعالى : { إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا } , و قال رسول الله  صلى الله عليه و و سلم  : " من صلى على واحدة صلى الله بها عشرا " , و عامله بالفضل , فقال الله تعالى : { وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ } , ثم أمره بمعاملته بالعدل فقال لغيره { فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ } , و قال له { ففَإِذَا فَرَغْت فَانْصَبْ وَإِلَى رَبّك فَارْغَبْ } .
باب السلام


السلام اسم من أسماء الله تعالى الحسنى أودعه خلقه ليستعملوا معناه في معاملته و معاشرة خلقه , فإذا أردت السلامة فليسلم منك صديقك و ارحم من لا يرحم نفسه , فإن الخلق بين فتن و محن , إما مبتلى بالنعمة ليظهر شكره , و إما مبتلى بالشدة ليظهر صبره , قال الله تعالى : { فإما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه و نعمه فيقول ربي أكرمن , و أما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن كلا } فالكرامة في طاعته , و الهوان في معصيته و من ركب الهوى أهانه الله .

باب الدعاء

و احفظ آداب الدعاء , و انظر من تدعو و كيف تدعو و لماذا تدعو و لماذا تسأل , و الدعاء استجابة الكل منك للحق و إن لم تأت بشرط الدعاء فلا تشترط الإجابة. قال مالك بن دينار : أنتم تستبطئون المطر و أنا أستبطئ الحجر و لو يأمر الله سبحانه بالدعاء لوجب علينا أن ندعوه و لو لم يشترط لنا الإجابة لكنا إذا أخلصنا له الدعاء تفضل بالإجابة . فكيف و قد ضمن ذلك لمن أتى بشرط الدعاء قال الله تعالى { قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم } , و قوله تعالى { أدعوني أستجيب لكم } .
و سئل أبو يزيد البسطامى عن اسم الله الأعظم فقال : ( فرغ قلبك من غيره و ادعه بأي أسمائه شئت ) .
و قال يحي بن معاذ : ( اطلب صاحب الاسم ) .
و قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم : " لا يستجيب الله الدعاء من قلب لاه فإذا أخلصت فأبشر بإحدى ثلاث :
إما أن يعجل لك ما سألت , و إما أن يدخر لك ما هو أعظم منه , و إما أن يصرف عنك من البلاء ما لو صبه عليك لهلكت , و ادع دعاء مستجير لا دعاء مشير " .
و روى عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال : " قال الله تبارك و تعالى من شغله ذكرى عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين " .
و قال أبو الحسين الوراق : دعوت الله مرة فاستجاب دعائي , فنسيت الحاجة . فاحفظ حق الله عز وجل عليك في الدعاء ولا تشتغل بحظك فإنه أعلم بمصلحتك .

باب الصوم

فإذا صمت فأنوي بصومك كف النفس عن الشهوات , فإن الصوم فناء مراد النفس , و فيه صفاء القلب و ضمارة الجوارح و التنبيه على الإحسان إلى الفقراء و الالتجاء إلى الله و الشكر على ما تفضل به من النعم و تخفيف الحساب , و منة الله في توفيقك للصوم أعظم من أن تقوم بشكرها , و من صومك أن لا تطلب منه عوضا .

باب الزكاة

و عن كل جزء من أجزائك زكاة واجبة لله :
فزكاة القلب : التفكر في عظمته و حكمته و قدرته و حجته و نعمته و رحمته .
و زكاة العين : النظر بالعبرة و الغض عن الشهوة .
و زكاة الأذن : الاستماع إلى ما فيه نجاتك .
و زكاة اللسان : النطق بما يقربك إليه .
و زكاة اليد : القبض عن الشر و البسط إلى الخير .
و زكاة القدم : السعي إلى ما فيه صلاح قلبك و سلمة دينك .

باب الحج

و المريد إذا حج يعقد النية خوف الرد , و استعد استعداد من لا يرجو الإياب , و أحسن الصحبة , و تجرد عند الإحرام عن نفسه ,
و اغتسل من ذنبه و لبس ثوب الصدق و الوفاء , و لبي موافقة للحق في إجابة دعواته , و أحرم في الحرم من كل شيء يبعده عن الله تعالى , و طاف بقلبه حول كرسي كرامته , و صفى ظاهره و باطنه عند الوقوف على الصفا , و هرول هربا من هواه و لم يتمن على الله ما لا يحل له , و اعترف بالخطأ بعرفة , و تقرب إلى الله بمزدلفة , و رمى الشهوات عند رمى الجمرات , و ذبح هواه و حلق الذنوب , و زار البيت معظماً صاحبه , و استلم الحجر رضاء بقضائه , و ودع ما دون الله في طواف الوداع .

باب السلامة

و اطلب السلامة فليت من طلبها وجدها , فكيف لمن تعرض للبلاء , و السلامة قد عزت في هذا الزمان و هي في الخمول , فإن لم تكن في الخمول فالعزلة و ليست الخمول , فإن لم تكن عزلة فالصمت و ليس كالعزلة , فإن لم تكن في صمت فالكلام بما ينفع ولا يضر و ليس كالصمت , و إن أردت السلامة فلا تنازع الأضداد ولا تنافس الأشكال , كل من قال : أنا , فقل أنت , و كل من قال لي , فقل لك , و السلامة في زوال العرف , و زوال العرف في فقد الإرادة , و فقد الإرادة في ترك دعوى العلم فيما استأثر الله به من تدبير أمرك , قال الله تعالى : { أليس الله بكاف عبده } , و قال الله تعالى : { الأمر من السماء إلى الأرض } .

باب العزلة

صاحب العزلة يحتاج إلى عشرة أشياء :علم الحق و الباطل و الزهد اختيار الشدة و اغتنام الخلوة و السلامة و النظر في العواقب و أن يرى غيره أفضل منه و يعزل عن الناس شره ولا يفتر عن العمل فإن الفراغ بلاء ولا يعجب بما هو فيه و يخلو بيته من الفضول , و الفضول ما فضل عن يومك لأهل الإرادة و ما فضل عن وقتك لأهل المعرفة و يقطع ما يقطعه عن الله تعالى .
قال رسول الله  صلى الله عليه و سلم لحذيفة بن اليمان : " كن حلس بيتك " ( الحلس : بساط يبسط في البيت , و هو كناية عن وجوب لزوم الإنسان بيته إلا للضرورة ) .
و قال عيسى بن مريم ( عليه السلام ) : " أملك لسانك و ليسعك بيتك و أنزل نفسك منزلة السبع الضاري و النار المحرقة , و قد كان الناس ورقاً بلا شوك فصاروا شوكا بلا ورق , و كانوا أدواء يستشفي بهم فصاروا داء لا دواء له ".
قيل لداود الطائي : مالك لا تخالط الناس ؟ فقال : كيف أخالط من يتبع عيوبي , كبير لا يعرف الخلق , و صغير لا يوقر , من استأنس بالله استوحش من غيره .
و قال الفضيل : إن استطعت أن تكون في موضع لا تعرف ولا تعرف فافعل .
و قال سليمان : همي من الدنيا أن ألبس عباءة و أكون بقرية ليس فيها أحد يعرفني ولا غذاء لي ولا عشاء .

باب العبادة

أقبل على أداء الفرائض فإن سلم لك فرضك فأنت أنت , و اطلب بالنوافل حفظ الفرائض , و كلما ازددت عبادة فازدد شكراً و خوفا.
قال يحيي بن معاذ : عجبت لطالب فضيلة تارك فريضة . و من كان عليه دين فأهدى إلى صاحب الدين مثل حقه كان مطالباً بالحق إذا حل الأجل .
و قال أبو بكر الوراق : ابذل في هذا الزمان أربعة على أربعة : الفضائل على الفرائض , و الظاهر على الباطن , و الخلق على النفس , و الكلام على الفعل . 

باب التفكر

تفكر في قوله عز وجل { هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكوراً } , و أذكر كيف أحوالك و اعتبر بما مضى من الدنيا على ما تراه , هل أبقت على أحد , و ما بقى منها أشبه بما مضى من الماء بالماء , و قد قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: " لم يبق من الدنيا إلا بلاء و فتنة " , و قيل لنوح ( عليه السلام ) : "كيف وجدت الدنيا يا أطول الأنبياء عمراً ؟ قال : كبيت له بابان , دخلت من أحدهما و خرجت من الآخر ". و الفكرة أبو كل خير و هي مرآة تريك الحسنات و السيئات .

Rea es:
شارك هذا

المؤلف: /

0 coment rios: