السبت، 7 يوليو 2018

رسائل ابن عربي

(أحوال المريد مع الشيخ وبيان ما هو بين الصاحب والمصحوب والحب والمحبوب).

اعلم أيها المسترشد في بيداء الإرادة، والمستعد برابطة العبادة، والمستشهد لحظة من التوحيد في باب الشهادة، والمستنجد في إدراك سر الإعادة. وفقك الله توفيق المريدين، ووصّاك وصية العابدين، وآتاك تحقيق الشاهدين، وأعانك على ما أنت بصدده معاونة المنقطعين، أن الأصل في باب الإرادة، والفصل في كتاب الإعادة، والمقدمة في مجمع السعادة، والتنبيه في صحيفة الشهادة، قول الله الكريم رب المريد والمراد، والإفادة والاستفادة، وخالق الآباء والأولاد والولادة:(وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ). شهد لهم بالإرادة، وأثبتها بالعبادة وقيدها بالغداة والعشي، مع بلاغ النبي، وغلب الولي، على القلب التقي الخفي الخلي. فمن حيث الغلبة توهجت نار الارادة، وتهيّجت في لباس العبادة، ومالت إلى الإعادة، ومن حيث البلاغ انجذبت إلى وجهه تعالى وتقدّس، وتعين صاحبها في قبول السعادة، ونزول السيادة، حتى نطقت السعادة في أعمال قلبه الحقية، وقامت السيادة للقيادة في علوم عقله الجلية، وامتدت نهاية علمه إلى ظهور عمله، وغاية عمله إلى نور علمه المحيط بأمله، فانكشف بذلك عن أمله، ونزل الوجه الباقي المحيط بمحله، فسلبه عن اخيتاره، ورفعه عن سكونه وقراره، وأحياه بأسراره، وأمات ما سواه عنه بليل نهاره. فلا يبصره الأغيار، ولا تنفعه الإقرار، ولا يضره الإنكار، فيعود إليه ، وله في العود بركة، ويتولى عنه عدوه وله في ذلك تركة، يغترسُ ولا في يعترسُ، ويختلسُ ولا يُختلس، وصار مرفوعَ العدد، وملحوظ الواحد الأحد، خرج النبي من حسابهم بوصولهم إليه، وخرجوا من حسابهم بوصول الولي إليهم، وانبسط سر اليدين فيهم برفع صفة اليمين والشمال، وانقحموا دار الوصال، وهجموا على آثار الجمال والجلال، بترك تأثيرات النزول والإنزال. لا جرم تولى الله خصميَتهم، ووصى لنبيه وصيتهم: (وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَيْءٍ) (الأنعام 52) وقوله تعالى (يُرِيدُونَ وَجْهَهُ) أي مريدين وجهه بنوري الذي نودي: ( أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ). فهو في موضع الحال، أي أصبحوا ولا سؤال لهم من دنياهم، ولا مطالبة من عقباهم، ولا همة سوى حديث مولاهم، فلما تجددوا لله، تمخضت عناية الحق لهم، فتولى حديثهم، كما قضى. فعلى هذا، الإرادة أثر وجهي، وخبر ذاتي، إذا اهتاجت في القلب، تسلب القرار من العبد، وتسودّ وجه الحظوظ النفسانية بالسحاب والرعد، وتسوق العبد إلى مطالعة جد الله في مواجيد الحد. لا جرم يفارق الفراش، ويلازم الانكماش، ويعالج الأخلاق ، ويمارس المشاق، ويعانق الأهوال، ويفارق الأشكال، وقال تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)، يريد بالعبد يسر المشاهدة، والمساعدة، والمعاهدة، والمواعدة، وهو في إرادة العبد وجهه تعالى وتقدس. فإذا تكون إرادة العبد وجهه مطابقة لإرادته فأراد بنفسه ما أراد به خالقه. ولا يريد به عسر المجاهدة، والمكابدة، والمعاندة. وهو في إرادته غيره، وإنما أراد ذلك لتكميل أوصاف الصوم والصلاة، والبقاء والحياة، وكل ذلك آثار الوجه الإلهي تكميل أوصاف الصوم والصلاة، والبقاء والحياة. يحمل العبد إلى عالم التعظيم، وهو العالم الكبير، الذي ينزل حقيقة الأمر الإلهي إلى كلميه [1] واسمه والتعظيم يوصل المعظِّم إلى المعظَّم. فيحظى بوحدة الله تعالى. وعن أنس رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (تعرض أعمال بني آدم بين يدي الله عزوجل في صحف مختمة فيقول أقبلوا هذا ودعوا هذا فيقول الملائكة ما علمنا إلا خيرا فيقول الله عزوجل هذا ما أريد به وجهي وهذا لم يرد به وجهي ولا أقبل إلا ما أريد به وجهي). فالذي يريد وجهه يريده بظاهره وباطنه، وبأجزائه وبأبعاضه، وبأوصافه وأخلاقه، وما من شيء فيه إلا يريده، لأان الوجه هو الظاهر المحيط الذي استجمع أجزاء الإرادة في القلب، فاتفقت الأجزاء على إرادته تعالى وتقدس، وتابعت الأجزاء بعضها بعضا في السمع والطاعة، والمريد لوجهه تعالى وتقدس خاشع له، بحيث شمل خشوعه ظاهره وباطنه، وجلده وعظمه، وعصبه ومخه، لأنه اراد وجهه، تجلى له الوجه، وهو المحيط الظاهر بجميع أجزائه، فخشعت الأجزاء له لا محالة. وسأذكر شرح الخشوع بعد ذلك إن شاء الله. ومن لم يرد وجهه تعالى، لم يرد بعمله وجهه لا محالة، وفي الحديث إشارة إلى أن جزاء عمل المريد قبول الله عمله، لأنه ما عمل إلا بقلب أراد وجه الله تعالى، وقبول الله عمله أثر عائد من الله تعالى إلى قلبه، فيناديه: كما قبلتني قبلتك، وكما أحببتني أحببتك، وليس بيني وبينك حجاب.

**   **   **
1 - كذا في الأصل ولعلها كلمته

من رسائل ابن عربي 
للشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي

Rea es:
شارك هذا

الكاتب:

0 coment rios: