-->
نفحات الطريق  نفحات الطريق
recent

آخر المشاركات

recent
random
جاري التحميل ...
random

الذكر بالاسم : هو.

الذكر بالاسم "هـو"


قال رسو ل الله صلى الله عليه وسلم: اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين:"وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم" وفاتحة آل عمران: "آلم الله لا إله إلا هو الحي القيوم"(رواه أحمد في المسند وأبو داود والترمذي وابن ماجة والسيوطي في الجامع الصغير). والاسم الذي يتكرر في الآيتين هو "هو".قال تعالى:"هو الذي أنشأ لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون وهو الذي درأكم في الأرض وإليه تحشرون وهو الذي يحي ويميت وله اختلاف الليل والنهار أفلا تعقلون" (سورة المؤمنون). وقال تعالى: "هو الله الذي لا إله إلا هو" (الحشر).وقال:" هو الحي لا إله إلا هو" (غافر). وتكرار اللفظ "هو" في هذه الآيات وفي آيات كثيرة من كتاب الله تشير إلى ذات الله تعالى.

فكلمة" هو" لفظ مستقل وليس بضمير يعود على الغائب في حق الله تعالى لأن الله تعالى ليس بغائب "وهو معكم أينما كنتم"(الحديد)." ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم" (المجادلة) فكلمة "هو" ضمير في اللفظ ظاهر في المعنى، قال بعضهم:
خيالك في عيني وذكرك في فمي
ومثواك في قلبي فأين تغيب
و الضمير "هو" على مستوى النحو واللغة والرمز والعدد لا يدل إلا على واحد قال تعالى: "لا تدع مع الله إله آخر لا إله إلا هو". أي أنه واحد ثم قال بعد ذالك:" كل شيء هالك إلا وجهه". أي إلا "هو" إشارة إلى الذات فذل ذالك على أن غاية التوحيد في هذه الكلمة.يقول الغزالي: "لا إله إلا الله توحيد العوام، لا إله إلا هو توحيد الخواص".

ومعلوم أن الذكر بتوحيد الحق يتنوع إلى ثلاثة أنواع تناسب ثلاثة مقامات وهي نفي وإثبات أي: لا إله إلا الله ثم إثبات بغير نفي أي اسم الجلالة:"الله" ثم إشارة بغير نفي ولا إثبات أي "هو" فإذا كان الأول سبب اليقظة والخروج من الغفلة فإن الثاني سبب لترسيخ الحضور أما الثالث فهو سبب للخروج عما سوى المذكور (البرهان على منزلة أهل الإحسان ص 77. د.عبد السلام الغرميني).
واسم الجلالة "الله" هو للتعلق لا للتخليق وهو اسم للمرتبة يليه اسم "الرب" وهو مهيمن على جميع الأسماء ودال على جميع الصفات فنقول الرحيم الغفور... من أسماء الله ولا نقول الله من أسماء الرحيم ... فالمذنب إذا قال يا ألله اغفر لي فاسم الجلالة هنا نائب مناب الغفار فلا يجيبه منها إلا بمعنى الاسم الغفار.أما الهوية فلا تختص باسم أو صفة أو نعت بل الـ "هو" إشارة إلى جميع ذالك، قال "هو" عند أهل التصوف مبتدأ لا يحتاج إلى خبر يقول القشيري:"هو للإشارة وعند الطائفة إخبار عن نهاية التحقيق فإذ قلت هو لا يسبق إلى القلوب غيره تعالى فيكتفون به عن كل بيان لاستهلاكهم في حقائق القرب واستيلاء ذكر الحق على أسرارهم" ويقول أيضا: "إنها عند أهل التصوف اسم لا يحتاج لشيء آخر ليفيد معنى فهو كلام تام بدون شيء آخر يتصل به أو يضمر فيه" (التحبير في التذكير.القشيري).
ويقول ابن عطاء الله السكندري: "هو اسم مضمر يبينه ما بعده عند أهل الظاهر لاحتياجه إلى صلة تعقبه وأما عند أهل التحقيق فالمضمر لا يظهر لأنه أعرف المعارف لاستيفاء العلم به في القلب..."

ويقول السيوطي في كتاب الحاوي للفتاوي أن الاسم الأعظم هو "هو" يقول تعالى مخبرا عن سيدنا إبراهيم: "الذي خلقني فهو يهدين والذي هو يطعمني ويسقين وإذا مرضت فهو يشفين" (سورة الشعراء) وأتى الصديق عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام بال "هو" إشارة إلى ذات الله لاستغراقه واستهلاكه فيها وهو القائل: لا أحب الآفلين.
والهوية مركبة من حرفين: الهاء والواو ولكن الأصل هو الهاء والواو ساقط بدليل أنه يسقط عند التثنية والجمع وليس لاسم من الأسماء هذه الخاصية، ألا ترى أن الله تعالى وتر وخلق جميع الأعضاء أزواجا كاليد والرجلين والعينين، وخلق القلب واحدا لأنه محل المعرفة وخلق اللسان واحدا لأنه محل الذكر وخلق الجبهة واحدة لأنها محل السجود، وكانت هذه الأعضاء أشرف من غيرها وكذالك الهاء في قولنا "هو". والهاء حرف حلق وهو أدخل الحروف الحلقية فهو باطن والواو يتولد في آخر الشفتين فهو ظاهر. فالهوية جمعت بين الظاهر والباطن كما جمعت بين الأول والآخر في قوله تعالى: "هو الحي لا إله إلا هو"، وقوله "هو الله الذي لا إله إلا هو".
فبدأ بها وختم بها. فالهوية في حق الله تعالى إشارة إلى كنه ذاته وإسم من أسمائه ولذا جاز النداء به وإدخال الياء عليه فيقال يا هو (كما قال الجزولي يا هو يا من لا هو إلا هو) وهذا النداء خال من السؤال والطلب فوجب أن يكون قولنا "هو" أعظم الأذكار أما عندما تقول يا كريم أو يا رزاق معناه أنك تطلب كرمه ورزقه، جاء في الحديث القدسي: "من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين" وفي هذا الصدد يشير ابن عربي إلى معنيين في ذكر الهوية فيقول:
ــ إنه ذكر لا يقيد الذات الإلهية بأي وصف، فهو ذكر غير مقيد بتأويل فإن من تقيد بشيء لم يفتح إلا بما تقيد به فقط لأن هذا مطلبه من الله.إنه المعنى الذي يعجز الإنسان عن إدراكه ويعجز الذاكر عن أن يزيد في وصف مولاه بأنه هو الحي، هو اللطيف هو الخبير ... فيقول هو، هو هو..." انتهى كلام ابن عربي.

ومن الملاحظ في الاستعمال أن الأسماء الحسنى لا تتقدم على اسم الجلالة "الله" فلا يقال مثلا الحكيم الله، العزيز الله، فإنه يتقدم على اسم الجلالة فنقول هو الله.ويأتي بعده في مثل قوله تعالى: "إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين" و"إن الله هو العلي الكبير". وعند قولك "الله" فإن الـ"هو" يظهر في النطق أما في الخط فباطن وغيب مطلق فهو أي "هو" عين الذات. يقول عبد الكريم الجيلي (في الإنسان الكامل،ص.96):
"اعلم أن هذا الاسم أخص من اسمه "الله"وهو سر للاسم "الله"، ألا ترى أن اسم الله مادام هذا الاسم موجودا فيه كان له معنى يرجع به إلى الحق وإذا فك عنه بقيت أحرفه غير مفيدة المعنى، مثلا إذا حذفت الألف من اسم الله بقي "لله" ففيه فائدة وإذا حذفت اللام الأولى يبقى "له" وفيه فائدة وإذا حذفت اللام الثانية يبقى "هـ" والأصل أنها هاء واحدة بلا واو وما لحقت بها إلا من قبيل الإشباع، والاستمرار العادي جعلهما شيئا واحدا فاسم "هو" أفضل الأسماء".

يقول ابن عربي (في الفتوحات ج 2/297و395.ج4/147):
"... ففي الواو قوة جميع الحروف كما أن الهاء أقل في العمل من جميع الحروف فإن لها البدء فكلمة "هو" جمعت جميع قوى الحروف في عالم الكلمات، فلهذا كانت الهوية أعظم الأشياء فعلا". ويقول "...ولكن الـ "هو" عند الطائفة أتم الأذكار وأرفعها وأعظمها وهو ذكر خواص الخواص وليس بعد ذكر أتم منه فيكون الـ "هو" في إعطائه أعظم من إعطاء اسم من الأسماء الإلهية حتى من الاسم "الله" فإن الاسم الله دلالة على الرتبة، والهوية دلالة على العين، ولهذا يرجع إليها محلول لفظة "الله" فإنك تزيل الألف واللامين فيبقى "هـ" فإن جعلته سببا لتعلق الخلق به مكنت الضمة فقلت "هو". انتهى

يقول الفخر الرازي(في شرح أسماء الله الحسنى) "اعلم أن هذا الاسم في غاية الشرف والجلالة في حق الله سبحانه وتعالى لأن الأسماء المشتقة دالة على الصفات، والصفات لا تعرف إلا بالإضافة إلى المخلوقات، فالقدرة هي الصفة التي يصح باعتبارها الإيجاد،والعلم هو الصفة التي يصح باعتبارها الإحكام والإتقان في الأفعال؛ فهذه الأسماء مشتقة لا يمكن معرفتها إلا مع معرفة المخلوقات وبقدر ما يصير العقل مشغولا بمعرفة الغير يصير محروما من الاستغراق في معرفة الحق.أما لفظ "هو" يدل عليه (أي على الله) من حيث هو "هو" ولا حاجة في معرفته إلى الالتفات إلى غيره فكان لفظ "هو" أشرف. والأسماء المشتقة دالة على الصفات ولفظ "هو" دال على الموصوف. والموصوف أشرف من الصفة لذالك قال المحققون أن ذاته ما كملت بالصفات بل ذاته لغاية الكمال استلزمت صفات الكمال. فلفظ "هو" يوصلك إلى الذات وسائر الألفاظ توصلك إلى الصفات".

وختاما إن هذا الذكر يمتاز بخصوصية كبيرة كما عبر عن ذالك الغزالي وابن عربي والجيلي والرازي، ولهذا فهو يحتاج من مريد الذكر به إلى فقه الأذكار، وبالتالي فلابد من فقيه خبير في ميدانه وله الخصوصية في الأسوة الحسنة برسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا المجال على مستوى الظاهر والباطن والاستعداد لتقبل أنوار الأذكار، هذا الفقيه هو ما يعبر عنه الصوفية بالشيخ المربي.

د.لحميتي محمد ـ الإشارة ـ العدد 17 ــ صفر 1422 / ماي 2001

عن الكاتب

حسن بن أحمد

التعليقات



إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد الموقع أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة

نفحات الطريق

2016