السبت، 11 أغسطس 2018

الاجتباء جذب والإنابة سلوك

الاجتباء جذب والإنابة سلوك

   الإشارة : الذي شرع الله من الدين لأقوياء عباده، ووصّى به خواص أنبيائه: أن يشاهدوه وحده في الباطن، ويقوموا برسم العبودية في الظاهر، وهذا هو إقامة الدين، الذي يجب الاتفاق عليه، لكن لا ينال هذا إلا بعد موت النفوس، وحط الرؤوس، وبذل الفلوس. ولذلك كَبُرَ على أهل الفَرْق، قال تعالى :{ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ } ، فإذا وفق العبد لفعل ما تقدم، وسلك طريقه اجتباه ربه لحضرته، بعد أن هداه لسلوك طريقته. قال تعالى :{ الله يجتبي إليه مَن يشاء ويهدي إليه مَن ينيب } فالاجتباء جذب، والإنابة سلوك، الاجتباء للحقيقة، والإنابة للشريعة والطريقة. وقدّم الاجتباء على الاهتداء اهتماماً بأمره لأن الجذب عناية يختص به أهل الولاية، والإنابة هداية ينالها كل مَن تمسّك بالشريعة. 

   وحقيقة الجذب : شهود الخلق بلا خلق، وحقيقة السلوك المحض : شهود الخلق بلا حق، وحقيقة الجذب في السلوك : شهود الحق في قوالب الخلق، أو: شهود الخلق في مظهر الحق. فالناس ثلاثة : مجذوبون فقط، سالكون فقط، مجذبون سالكون، فالأولان لا يصلحان للتربية، والثالث هو الذي يصلح للتربية، وهو الذي يتقدمه السلوك، ثم يختطف إلى الحضرة في مقام الفناء، ثم يرجع إلى السلوك في مقام البقاء. وما وقع من التفرُّق والاختلاف في جانب النبوة، يقع في جانب الولاية، سُنَّة ماضية، فيجب على الداعي إلى الله أن يجهد نفسه في الدعاء إليه، ولا يبالي باختلافهم، كما قال تعالى: { فَلِذَلِكَ فَٱدْعُ وَٱسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ }.

**   **   **
تفسير البحر المديد في تفسير القرآن المجيد/ ابن عجيبة

Rea es:
شارك هذا

الكاتب:

0 coment rios: