الجمعة، 10 أغسطس 2018

معرفة الله تعالى هي غاية المطالب


معرفة الله تعالى هي غاية المطالب



   الإشارة : ما ينزل بالمؤمن من الأوجاع والأسقام والشدائد والنوائب ، في النفس أو في الأهل ، كله رحمة ، عظيمة ، ومنة جسيمة ، ويقاس عليه : مفارقة الأحباب والأوطان ومشاق الأسفار والمتاعب البدنية ، ويسمى عند الصوفية : التعرفات الجلالية؛ لأن الله تعالى يتعرف إليهم بها؛ ليعرفوه عيانا ، ولذلك تجدهم يفرحون بها ، وينبسطون عند ورودها؛ لما يتنسمون فيها ، ويجدون بعدها ، من مزيد الاقتراب وكشف الحجاب ، وطي مسافة البعد بينهم وبين رب الأرباب ، فهم يؤثرونها على الأعمال الظاهرة؛ لما يتحققون بها من وجود الأعمال الباطنية؛ كالصبر والزهد والرضا والتسليم ، وما ينشأ عنها ، عند ترقيق البشرية ، من تشحيذ الفكرة والنظرة ، وغير ذلك من أعمال القلوب .

وفي الحكم : « إذا فتح لك وجهة من التعرف ، فلا تبالي معها إن قل عملك؛ فإنه ما فتحها لك إلا وهو يريد أن يتعرف إليك منها ، ألم تعلم أن التعرف هو مورده عليك ، والأعمال أنت مهديها إليه ، وأين ما تهديه إليه مما هو مورده عليك؟ » . قال الشيخ ابن عباد رضي الله عنه : معرفة الله تعالى هي غاية المطالب ، ونهاية الأماني والمآرب ، فإذا واجه الله عبده ببعض أسبابها ، وفتح له باب التعرف له منها ، فذلك من النعم الجزيلة عليه ، فينبغي ألا يكترث بما يفوته بسبب ذلك من أعمال البر ، وما يترتب عليها من جزيل الأجر ، وليعلم أنه سلك به مسلك الخاصة المقربين ، المؤدي إلى حقائق التوحيد واليقين ، من غير اكتساب من العبد ولا تعمل ، والأعمال التي من شأنها أن يتلبس بها هي باكتسابه وتعمله ، وقد لا يسلم من دخول الآفات عليها ، والمطالبة بوجود الإخلاص فيها ، وقد لا يحصل له ما أمله من الثواب عند مناقشة الحساب ، وأين أحدهما من الآخرة.

ومثاله : ما يصاب به الإنسان من البلايا والشدائد التي تنغص عليه لذات الدنيا ، وتمنعه من كثير من أعمال البر ، فإن مراد العبد أن يستمر بقاؤه في الدنيا ، طيب العيش ناعم البال ، ويكون حاله في طلب سعادة الاخرة حال المترفين؛ فلا تسخو نفسه إلا بالأعمال الظاهرة ، التي لا كثير مؤنة عليه فيها ولا مشقة ، ولا تقطع عنه لذة ، ولا يفوته شهوة ، ومراد الله منه أن يطهره من أخلاقه اللئيمة ، ويحول بينه وبين صفاته الذميمة ، ويخرجه من أسر وجوده إلى متسع شهوده ، ولا سبيل إلى الوصول إلى هذا المقام على غاية الكمال والتمام ، إلا بما يضاد مراده ، ويشوش عليه معتاده ، وتكون حاله حينئذ المعاملة بالباطن ، ولا مناسبة بينها وبين الأعمال الظاهرة ، فإذا فهم هذا علم أن اختيار الله له ، ومراده منه ، خير من اختياره لنفسه ومراده لها .

وقد روي أن الله تعالى أوحى إلى بعض أنبيائه : « إني إذا أنزلت بعبدي بلائي ، فدعاني ، فماطلته بالإجابة ، فشكاني ، قلت : عبدي كيف أرحمك من شيء به أرحمك » ؟ وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « قال الله تعالى : إذا ابتليت عبدي المؤمن فلم يشكني إلى عواده ، أنشطته من عقالي ، وبدلته لحما خيرا من لحمه ، ودما خيرا من دمه ، ويستأنف العمل ».

ثم نقل عن أبي العباس ابن العريف رضي الله عنه قال : { كان رجل بالمغرب يدعى أبا الخيار ، وقد عم جسده الجذام ، ورائحة المسك توجد منه على مسافة بعيدة ، لقيه بعض الناس ، فقال له : يا سيدي كأن الله تعالى لم يجد للبلاء محلا من أعدائه حتى أنزله بكم ، وأنتم خاصة أوليائه!! فقال لي : اسكت ، لا تقل ذلك؛ لأنا لما أشرفنا على خزائن العطاء ، لم نجد عند الله أشرف ولا أقرب من البلاء ، فسألناه إياه ، وكيف بك لو رأيت سيد الزهاد ، وقطب العباد ، وإمام الأولياء والأوتاد ، في غار بأرض طرطوس وجبالها ، ولحمه يتناثر ، وجلده يسيل قيحا وصديدا ، وقد أحاط به الذباب والنمل ، فإذا كان الليل لم يقنع بذكر الله وشكره على ما أعطاه من الرحمة ، حتى يشد نفسه بالحديد ، ويستقبل القبلة عامة ليله حتى يطلع الفجر } .

وقد تكلم الصوفية في قول أيوب عليه السلام : { مَسَّنِيَ الضُّرُّ } ؛ هل شكى ضرر جسمه ، أو ضرر قلبه من جهة دينه ؟ قال بعضهم : قيل : إنه أراد النهوض إلى الصلاة فلم يستطع ، فقال : { مَسَّنِيَ الضُّرُّ } ، وقيل : إنه أكل الدود جميع جسده ، حتى بقي عظاما ، فلما قصد الدود قلبه ولسانه غار على قلبه؛ لأنه موضع المعرفة والتوحيد ، والنبوة والولاية ، وأسرار الله تعالى ، وخاف انقطاع الذكر ، فقال : { مَسَّنِيَ الضُّرُّ } ، وقيل : خاف تبدد همه وتفرق قلبه ، وليس في العقوبة شيء أشد من تبدد الهم ، فتارة يقول : لعلي ببلائي معاقب ، وتارة يقول : بضري مستدرج ، فلما خاف تشتيت خاطره عليه ، قال : { مَسَّنِيَ الضُّرُّ } .

قلت : هذا المقام لا يليق بالأنبياء ، وإنما يجوز على غيرهم؛ إذ الأولياء يترقون عن هذا المقام فكيف بالأنبياء! وقال بعضهم : قال : مسني الضر من شماتة الأعداء ، واقتصر عليه ابن جزي ، وفيه شيء؛ إذ كثير من الأولياء سقط الناس من عينهم ، فلا يبالون بخيرهم ولا شرهم ، ولا مدحهم ولا ذمهم ، فكيف بالأنبياء - عليهم السلام -؟!

وقال القشيري : « كان ذلك منه إظهارا للعجز ، لا اعتراضا ، فلا ينافي الصبر ، مع ما فيه من التنفيس عن الضعفاء من الأمة ، ليكون أسوة . وقال : إن جبريل أمره بذلك ، وقال له : إن الله يغضب إن لم يسأل ، وسيان عنده البلاء والعافية ، فسله العافية .
يقال : إن أيوب كان مكاشفا بالحقيقة ، مأخوذا عنه ، وكان لا يحس بالبلاء ، فستر عليه ، فرده إليه ، فقال : مسني الضر ، وقيل : أدخل على أيوب تلك الحالة ، فاستخرج منه تلك المقالة؛ ليظهر عليه سمة العبودية .

وقال الورتجبي : سئل الجنيد عن قوله : {مَسَّنِيَ الضُّرُّ } ، فقال عرفه فاقة السؤال ، ليمن عليه بكرم النوال ، وفي الحديث المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم : أنه جاء إليه رجل فسأله عن قول أيوب { مَسَّنِيَ الضُّرُّ } فبكى - عليه الصلاة والسلام - وقال : والذي بعثني بالحق نبيا ما شكى فقرا نزل من ربه ، ولكن كان في بلائه سبع سنين وسبعة أشهر وسبعة أيام وسبع ساعات ، فلما كان في بعض الساعات وثب ليصلي ، فلم يستطع النهوض ، فقال : { مَسَّنِيَ الضُّرُّ } الخ . ثم قال : - عليه الصلاة والسلام - : أكل الدود عامة جسده حتى بقي عظاما نخرة ، فكادت الشمس تطلع من قبله وتخرج من دبره ، وما بقي إلا قلبه ولسانه ، وكان قلبه لا يخلو من ذكر الله ، ولسانه لا يخلو من ثنائه على ربه ، فلما أحب الله له الفرج ، بعث إليه الدودتين؛ إحداهما إلى لسانه والأخرى إلى قلبه ، فقال : يا رب ما بقي إلا هاتان الجارحتان ، أذكرك بهما ، فأقبلت هاتان الدودتان إليهما ليشغلاني عنك ويطلعان على سري ، مسني الضر وأنت أرحم الراحمين .


**      **      **
تفسير البحر المديد
في تفسير القرآن المجيد/ ابن عجيبة

Rea es:
شارك هذا

الكاتب:

0 coment rios: