الثلاثاء، 18 سبتمبر 2018

الحضرة المحمديّة

الحضرة المحمديّة

قال الشيخ سيدي أحمد العلاوي رضي الله عنه في "المنح القدوسية" :

ليكن في علمك أنّ العارف لو بلغ ما بلغ إذا لم يدخل هذه الحضرة المحمديّة, ويقوم بأدبها حتى تشرق عليه أنوارها, قد يخاف عليه لأنّ الوصول كان بها, فلا بدّ من الرجوع إليها, ولهذا يقال: (حقيقة النهاية هي الرجوع للبداية), وإن كان المريد حالة سيره يتجاوز الحضرة المحمديّة بالمشاهدة للحضرة الواحديّة, أو الأحديّة لكن كان له التجاوز بصاحبها عليه الصلاة والسلام إذ لولا نور المصطفى الذي تغمّده لما تقدّم أنملة ولو تقدّم لاحترق, ولهذا كان الرجوع إليها والتذلّل على أعتابها واجبا, فهي كمال الكمال, فمن لم يرسخ في هذه الحضرة فهو ناقص, ثمّ اعلم أنّ هذه الحضرة فيها يكشف للعارفين عن حقيقة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أي حقيقته اللازمة لأفراد الوجود الذي قال فيها صاحب البردة رضي الله عنه, وغيره:
كيف يدرك في الدنيا حقيقته 
 قوم نيام تسلّوا عنه بالحلم
وما أحسن ما قيل في حقيقته :
نورك الكلّ والورى أجزاء 
 يا نبيّا من جندك الأنبياء
لأنّ حقيقة المصطفى صلّى الله عليه وسلّم هي حقيقة كلّ فرد من أفراد الوجود حتى إذا كشفت براقع وجهها وظهر نور جمالها يتحقّق العارف حينئذ بالحقيقة المحمديّة ويقول كما قال: (لو احتجب عنّي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم طرفة عين ما أعددت نفسي من المسلمين), وقال غيره: (لو غاب عنّي ساعة متّ في الحين), وأقوال من كشف لهم عن حقيقة المصطفى صلّى الله عليه وسلّم أمثال هذا كثيرة, وقد لوحت في بعض من حقيقته في هذه الأبيات:
حيّر لي بالي قطب الجمال 
 عين الكمال هو المرام
سرّ الحياة نور الصفات 
 حصن النجاة دار السلام
سرّ الحقيقة معنى الطريقة 
 العروة الوثيقة بلا انفصام
كنز المعاني سرّ الأواني 
 روح الأكوان قلت نعم
أحمد محمد في الحسن واحد
جمع الفوائد نور القدم
قدر عظيم سرّ عميم 
 برّ رحيم على الدوام
ثمّ معان دون اللسان 
 يخفي جناني غير الكلام
صلّ عليه واجمعني به 
 جمعا بديه بلا أوهام

ثمّ اعلم أنّ من كشف له عن هذه الحقيقة ينبغي له من الأدب ما لا يحصى, وأدبها معلوم عند القوم, وقد يقع الفناء لبعض المريدين في هذه الحضرة حتى يصير يتكلّم على لسان صاحبها عليه الصلاة والسلام كما وقع لأغلب العارفين, وذلك لمحوهم فيها, وكلّما زاد العارف رسوخا في هذه الحضرة إلاّ ازداد قربا من الله حتى يصير دعاؤه لا يرد بالإضافة لصاحبها, ولهذا ينبغي للعارف إذا تمكّن من هذا المقام لا يمل من دعاء الخير ما استطاع.

وهذه زيارة المصطفى عند العارفين على مقتضى هذا الطريق, فهي كشف عن حقيقته, ويعبّر القوم عن هذه الحالة ببقاء البقاء المتصف بها أكمل من غيره, لأنّه راسخ القدم جامع بين الصحو والاصطلام.

وحاصل الأمر، ينبغي للعارف أن لا يخرج من الحضرات الثلاث, فيكون بصره في الحضرة المحمديّة, وبصيرته في الحضرة الواحديّة, وسرّه للحضرة الأحديّة, كما يكون ظاهره للشريعة وروحه للطريقة وسرّه للحقيقة.

وحاصل الأمر، أن يكون جامعا للحضرات لأنه إذا تحقّق بالحقيقة المحمديّة يكتفي عن الالتفات لغيرها لاجتماع العوالم فيها من حيث ظاهرها وباطنها, فمن عرف الحقيقة المحمديّة استغنى بنظره عما سواها: (من يطع الرسول فقد أطاع الله / النساء آية / 80), (مرج البحرين يلتقيان, بينهما برزخ لا يبغيان / الرحمن آية / 19, 20), وهما ضدّان لا يجتمعان أي الحدوث والقدم, ولفظ الرسول في قول محمد رسول الله واسطة بين الحدوث والقدم وهو البرزخ الحاجز بين مرج البحرين لمناسبة الوجهين, فمن حيث ظاهره نقطة من طين ومن حيث باطنه خليفة ربّ العالمين, فبقولنا محمد رسول الله حصلت المعنى وضابطها لفظ الرسول فلو حذفته اختلفت المعنى أي فيتلاقى الحادث وهو قولنا محمد مع القديم, وهو قولنا الله فيتلاشى الحادث ويبقى القديم, لكن لا يمكن القيام بآداب الحضرات إلاّ بقولنا محمد رسول الله, والوقوف مع كلّ اسم بمقتضاه, فمقتضى اسم محمد من العارف أن يعبد الله ومقتضى اسم الرسول أن يحضره, ويخشاه ومقتضى اسم الله أن يشاهده ويراه, فمبادئ الفهم عن الله هو تصفية البواطن, وتصحيح الأحوال المعبّر عنها بالتصوّف, وهنا عاد المدد إلى أصله حيث إنّ لله الأمر من قبل ومن بعد.

Rea es:
شارك هذا

الكاتب:

0 coment rios: