الاثنين، 10 سبتمبر 2018

شرح الحكم العطائية - ابن عباد الرندي





قال ابن عطاء الله السكندري :{ مَنْ وَجَدَ ثَمَرَةَ عَمَلِهِ عاجِلاً فَهُوَ دَليلٌ عَلى وُجودِ القَبولِ آجلاً }.

قال ابن عباد :

ثمرة العمل وجدان الحلاوة فيه، والنعيم به، ويتصور ذلك في أكثر الأعمال بالمواظبة عليه على حال تكره، واستثقال له، هذا هو غالب الأمر.
قال بعض العارفين : ليس شيء من البر إلا ودونه عقبة يحتاج إلى الصبر فيها، فمن صبر على شدتها أفضى إلى الراحة والسهولة، وإنما هي مجاهدة النفس، ثم مخالفة الهوى، ثم مكابدة في ترك الدنيا، ثم اللذّة والتنعّم.
وقال عتبة الغلام رضي الله تعالى عنه : كابدتُ الليل عشرين سنة ثم تنعّمتُ به عشرين سنة.
وقال ثابت البناني رضي الله تعالى عنه : كابدتُ القرآن عشرين سنة، وتنعّمتُ به عشرين سنة.وقال بعض العلماء : كنتُ أقرأُ القرآن، فلا أجدُ له حلاوة؛ حتى تلوتهُ، كأني أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، يتلوه على أصحابه رضي الله عنهم، ثم رُفِعْتُ إلى مقام فوقه، وكنت أتلوه، وكأني أسمعه من جبريل عليه السلام، يلقيه على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم تصدّق الله تعالى عليّ بمنزلة أخرى، فأنا الآن كأنّي أسمعه من المتكلم به، فعندها وجدتُ له لذة ونعيماً، لا أصبرُ عنه.
وما ذكرناه من الحلاوة والنعيم إنما هو ثمرة الأعمال الصحيحة المستقيمة السالمة من الرياء والدعوى.
قال أبو تراب النخشبي رضي الله عنه :" إذا صدق العبد في العمل وجد حلاوته قبل أن يعمله، فاذا أخلص وجد حلاوته ولذته وقت مباشرة العمل" والأعمال الموصوفة بهذه الصفات مقبولة بفضل الله تعالى.
ورد في الخبر :"لا يقبل الله من مسمع ولا مراء" - دليل خطابه ان العمل السالم من الرياء والسمعة - مقبول من قول الله عز من قائل :{إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ}. وقبول الله تعالى لعمل العبد، ورضاه به هو ثوابه المعجل، كما يقول المؤلف بعد هذا وذلك علاوة على وجود الجزاء عليه في الدار الآخرة، حسبما يأتي في قوله :" وجدان ثمرات الطاعات عاجلاً بشائر العاملين بوجود الجزاء عليها آجلاً ".
وقال أبو سليمان الداراني رضي الله تعالى عنه : كل عمل ليس له ثواب في الدنيا ليس له ثواب في الآخرة.
فحصل من هذا أن وجدان الحلاوة علامة على وجود القبول المقتضى لوجود الرضا والجزاء، ولذلك قال الحسن رضي الله تعالى عنه : "تفقدوا الحلاوة في في ثلاث فإن وجدتموها فأبشروا، وامضوا لقصدكم، وإن لم تجدوها فاعلموا أن الباب مُغلق: عند تلاوة القرآن، وعند الذكر، وعند السجود". وزاد غيره وعند الصدقة وبالأسحار.
وقيل في قوله تعالى :{وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} قال ك جنة معجّلة، وهي حلاوة الطاعات، ولذاذة المناجاة، والاستأناس بفنون المكاشفات، وجنة مؤجّلة؛ هي فنون المثوباتن وعلو الدرجات.

قلت : وهذه الحلاوة المذكورة لا تكون إلا في مقام المعرفة الخاصة، وهي التي تنافيها المعصية.
قيل لبعضهم : هل تعرف الله ؟ فغضب على السائل، وقال : أتراني أعبد من لا أعرفه!؟ فقال له : أو تعصي من تعرفه !؟
وقيل لبعضهم : بم تعرف أنك عرفته ؟ فقال : لم أقصد مخالفته إلاّ ورد على قلبي استحياء منه. 
وقال إسماعيل بن نجيد رضي الله تعالى عنه : التهاون بالأمر من قلة المعرفة بالآمر، فإن العصيان في حال العرفان بعيد، فإن وقعت منه زلة أو هفوة بحكم - وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا - وجد لا محالة لذلك مرارة وألماً في قلبه، فوجدان هذه المرارة والألم في المعصية علامة على صحة ما وجد من الحلاوة والنعيم في الطاعة، فهذه هي الحلاوة التي هي الميزان للأعمال المقبولة، وغير المقبولة، كما ذكرناه.
وأما الحلاوة التي يجدها من دون أهل هذا المقام في بعض العبادات فمدخولة معلولة، إلاّ ما فيها من تنشيط العباد للمواظبة على العبادة. والحلاوة على الإطلاق إذا وجدها العامل في العمل لا ينبغي له ان يقف معها، ولا يفرح بها، ولا يسكن إليها، وكذلك أيضاً لا ينبغي له أن يقصد بعمله إلّا نيلها، لِما له فيها من اللذة والحظّ، فإنّ ذلك ممّا يقدح في إخلاص عبادته، وصدق إرادته، وليكن اعتناؤه بحصولها، لتكون ميزاناً لأعماله، ومحكاً لأحواله فقط.

قال الواسطي رضي الله تعالى عنه : استحلاء الطاعات سموم قاتلة.
قال في لطائف المنن : وصدق الواسطي، فأقلّ ما في ذلك إذا فتح لك باب حلاوة الطاعة وأقلّ ما في ذلك أن إذا فتح لك باب حلاوة الطاعة، تصير قائما فيھا، متطلبا لحلاوتھا؛ فيفوتك صدق الإخلاص فى نهوضك لها، و تحب دوامھا ﻻ قياما بالوفاء، ولكن لما وجدت من الحلاوة والمتعة ، فتكون فى الظاھر قائما لله، وفى الباطن إنما قمت لحظ نفسك ، وﯾخشى عليك أن تكون حلاوة الطاعة جزاء تعجلته فى الدنيا، فتأتى ﯾوم القيامة، وﻻ جزاء لك.


Rea es:
شارك هذا

الكاتب:

0 coment rios: