الثلاثاء، 11 سبتمبر 2018

حديث الولاية .. المجاهدات

حديث الولاية .. المجاهدات

ليس التّصوف قراءة نظرية يفني فيها المتصوف عمره بين قيل وقال، وإنْ كانت فاعلية القراءة عملاً ذهنياً لا يُسْتَغْنَى عنه، ولكنها في الوقت نفسه ليست هى المطلوبة في ذاتها حتى ولو كانت موجهة إلى كتب الصوفيّة أنفسهم؛ فلن تكون من أهل القرب والوصال وأنت تكتفي بالقراء في كتب الصوفية صباح مساء، لكنك بمجرّد أن يتحول فيك المقروء إلى عمل حقيقي مستمر، هنالك يصح أن تكون جديراً بلقب صوفي. وفي المقابل أيضاً ليس بصوفي من يستغني عن المعارف النظريّة أو يستغني عن التوجه المعرفي الذي يمنع الجهالة ويدحر الركود إلى البلادة العقلية؛ لأن الصوفي من هذه الجهة طالب علم فوق كونه طالب تصفية؛ ولأن التصفية تحتاج إلى استبصار لإزالة غشاوة الباطن، فلا بد من بصيرة تهيؤ المطلوب كونه غاية سامية تنال بالعلم أولاً ثم العمل على الموافقة والتبصرة.
إنه؛ إذا كان المطلوب هو الله تعالى، وكانت المشقة على قدر الغاية، فليس أصعب؛ إنْ في التصور وإنْ في العمل؛ من أهبّة الاستعداد للوصول إليه. تقتضي أهبة الاستعداد للوصول إليه تعالى أن يتكرر القول بأن التصوف ليس قراءة ولا كتابة بمقدار ما هو علاقة يُحسن فيها العبد مسيرة الوصول وفق منهج الذوق والشعور والاستبصار، ويرتقي خلال المسيرة إلى حيث الغاية من الطريق، ثم يسقطها ليكون مع الله دوماً بلا علاقة. إلى مثل هذا كانت إشارة الجنيد إلى التصوف أن يكون العبد فيه بلا علاقة. الصوفي الحصيف يؤمن بأن الله هو الفاعل الحقيقي لكل فعل، فلا يجعل ثقته بما قدّم من صالحات بل ولا يريد أن يجازي عليها؛ لأن فضل الله عليه فوق كل تقدير يقدّره، ومن هنا تكون ثقته بالله أعظم من ثقته بنفسه سواء كانت تلك الثقة في العمل أو في العلم.
العمل باطل زائف إنْ ظنه المرء ابتداعاً من عند نفسه. تأتي معرفة الله بالإشراق والانكشاف والإلهام. الصوفي يقول (انظر قلبك؛ لأن ملكوت السموات والأرض فيك). والنظر إلى القلب يدعو باستمرار إلى الجهاد الباطن؛ أي يدعو إلى إزالة غشاوة القلب مما ران عليه من مكتسبات الشرور والآفات؛ فمن عرف نفسه حق المعرفة عرف ربه؛ لأن القلب مرآة تنعكس عليها كل صفة ربانيّة؛ فكما تفتقد المرآة قدرتها على عكس المرئيات حين يتغشاها الصدأ، فكذلك الحاسّة الروحية الباطنة التي يسميها الصوفية "عين البصيرة" لا تغشى عن رؤية العظمة العليّة إلا حين يزول حجاب الذاتية المظلم؛ الأنا الحاجبة، بكل ما في هذا الحجاب من نقائص حسيّة زوالاً تاماً، لكنما الصفاء الخالص لا يتمّ إلا بفضل الله على أن يتطلب من جانب العبد جهاداً باطناً.
يوم أن تنجلي غشاوة البصيرة يصبح التوحيد حقيقة ملموسة بالنسبة للصوفي، يصبح حيرة؛ فإذا تناهت عقول العقلاء إليه تناهت إلى الحيرة؛ لكن هذه الحيرة هى حيرة معرفة لا حيرة جهالة. وعليه؛ تصبح حقيقة التوحيد هى باطن المعرفة، وهو - كما قال الجنيد - سَبْقَ المعروف إلى مَنْ بِه تَعَرَّف، بصفة مخصوصة، بحبيب مُقَرَّب مخصوص. بيد أن هذه المعرفة ليست للكافة، ولا يتسع معرفة ذلك الكافة، ومن وراء ذلك سرّ؛ وإفشاء سّر الربوبية كما قالوا كفر.
إذا تساءلنا عن منهج الوصول إلى هذه المعرفة، تكون الإجابة كافية شافية بتنظيف القلب والسّر إلى حيث الوصول بهما على ضوء المنهج الذي يحكم صاحبه، وهو منهج الذوق والشعور والوجدان، إلى رضوان الله. هنالك يكون الأنس بالله والقربة منه مدداً علوياً مباركاً يعيشه قلب العارف، وتعيشه لطيفته الجوانيّة حياةً ينقطع معها النظير.
يروى أن ذا النون المصري وهو في سياحاته كان سمع برجل صالح يعيش في جبل المقطم، فلما بلغه خبره ذهب إليه ليزوره، فأقام معه مدّة، ولما أراد الانصراف سأل ذو النون ذلك العبد الصالح أن يدعو له بدعوة فقال له: " آنسك الله بقربه". فلم يكتف ذو النون بدعوة الرجل الصالح تلك فطلب الزيادة. فقال: من آنسه الله بقربه أعطاه أربعاً بغير أربع: علماً بغير طلب. وغنى بغير مال. وعزاً بغير عشيرة. وأنساً بغير جماعة. ثم سأل: ألا يكفيك هذا؟ فبكى ذو النون وقال: بلى والله تكفي وتزيد.
من أجل مدد القلب بنور من الله، جاهد المجاهدون من أصحاب العزائم كيما ينالوا هذا الأنس، وكيما يعيشوا في ظلال التقريب، وهذا هو لب لباب العمل الديني والغاية منه قصداً على التحقيق.
في إشارة للإمام محمد عبده تقول: "إنما الأعمال الدينيّة تصدر عن الملكات والعزائم الروحيّة؛ لأن الروح لها السلطان القاهر على البدن حقيقة". ومعنى هذا: أن العمل الديني إذا هو صَدَرَ عن عادة الجسد لا يمس الروح في شئ، ولهذا تجيء العبادات شكلاً ينقصها التحقق الروحي الذي يفرضه المضمون الديني وتتطلبه الغاية منه؛ فلا عمل أرجى للقبول من عمل تتولاه الروح وتسعد به، وهنا تكون أعمال القلوب أولى من أعمال الجوارح وأقدر على الاستمرار من تلك الأعمال التي هى مجرَّد عادات لا تعطي ثمرات التحقق من الوصول إلى المقامات العليا.
ولما كانت المجاهدةُ مستندةً على أساس شرعي عند الصوفية عامة، فقد أسفرت عن اتصال بالله حقيقة ليس فيه مجاز؛ لأنهم يعتمدون كثيراً في مجاهداتهم على ما وَرَدَ في القرآن الكريم من آيات تحث على الجهاد سواء كان الجهادُ مُوجَّهاً ضد الأعداء أو كان منصرفاً للنفس لتكون على الدوام مملوكة لا مالكة؛ مركوبة لا راكبة، مغلوبة لا غالبة. ولما كانت قراءةُ الصوفيّة لتلك الآيات قراءة حضور ومعايشة، ثم عمل وتطبيق قبل كل شيء، ولم تكن في الوقت نفسه قراءة للعلم والمعرفة وكفى، ولكنها كانت للحياة كيما تُعَاش؛ فإن الجهاد لديهم أصبح يقوم على فقه الكتاب الكريم، فإذا هم يتخذون من سنة رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، القَوْليَّة والفعْليَّة، سَنَدَاً لما هم فيه من ممارسة وتجربة وحياة، أعني ممارسة الشرع وتجريب الحياة الدينية.
فالأساس الشرعي - من ثمَّ - ظاهرٌ كل الظهور في مجاهدة النفس عندهم، إنْ من مورد الكتاب الكريم أو من مُوْرد الحديث الشريف، ولم يكونوا يجاهدون نفوسهم لهزال كان في باطن النفس فيهم ولا لغرض زائل من أغراض هذه الدنيا ولكن كانت مجاهداتهم تهدف إلى الاستقامة؛ أو على حَدْ وَصْف ابن خلدون (ت 808 هـ) مشروطة بالاستقامة؛ إذ قد نجد كثيراً من المجاهدين لأنفسهم مَنْ يجاهد لا لأجل الاستقامة كالسحرة والمرتاضين، أي تجيء مجاهدتهم في تلك الحالة ليست قائمة على أساس شرعي بل لأجل كشف حجاب الحسّ الذي يحصل لصاحب الجوع والخلوة؛ وليست الاستقامة هنا مشروطة به.
فرقُ؛ وفرقُ كبير؛ بين من يجاهد وهو مستند على مضمون يشكل مجاهدته ويقوِّم منطلقاته النظرية والعملية، ومن يجاهد من أجل أغراض دنيوية كسباً للصحة البدنية أو نيلاً لمآرب ليست قائمة على بواعث شرعية من صحيح الدين وصحيح الاعتقاد. ومن هنا فليس من المبالغة أن نقرأ في كتب الصوفية الأحاديث النبوية الصحيحة الشريفة (كأن نقرأ تلك الأحاديث النبويّة في الإحياء ويقوم بتخريجها الحافظ العراقي في كتابه "المُغني عن حمل الأسفار" في تخريج أحاديث إحياء علوم الدين للغزالي؛ درءاً لوصمة ضعف الحديث التي شاعت عن كتب الصوفية وبخاصة الإحياء!) يَرْوُنَها باتصال السَّند عن فضيلة الجهاد لتكون معتمدهم ومتكئهم وأساسهم الشرعي كقوله - صلوات ربي وسلامه عليه - لقوم قدموا من الجهاد:" مرحباً بكم قدمتهم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر ". قيل: يا رسول الله: وما الجهاد الأكبر؟ قال: جهاد النفس. وقوله صلى الله عليه وسلم:" المجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله عز وجل"؛ وقوله عليه السلام:" كُفَّ هَوَاكَ عن نَفْسك، ولا تتابع هواها في معصية الله تعالى ".
وفي الحديث الشريف أنه صلوات ربي وسلامه عليه كان يُوَاصل الصوم فأراد أصحابه رضوان الله عليهم أن يواصلوا كما كان يواصل، فشق عليهم ذلك، فنهاهم عليه السلام أن يواصلوا وقال عبارته الشريفة " إني أبيتُ عنْدَ رَبْي يُطْعمَني وَيَسْقيني "، وفي معناه أيضاً " إنَّ لي هَيْئةٌ لَيْسَتْ كَهَيْئَتكُم ".
ومن المؤكد أن هذه الهيئة النبوية المباركة، هيئةٌ علوية خاصة بخصوصيته عليه السلام، لا تنهي عن الصوم الدائم إلا من باب الرحمة والشفقة على الهيئات التي لا ترقى مطلقاً إلى هيئته هو؛ صلى الله عليه وسلم، ولكن مع ذلك ليس هناك ما يمنع من قهر النفس على المكاره والمشقات مادام في النفس طاقةٌ تتوجه بالعمل الخيّر وتستطيعه، ومادام هنالك استعدادٌ علوي لتلقي أطيب الفيوضات الإلهية. فالحديث مانعٌ لمن لا يستطيع، مبيحُ للقادر، والأمر كله مرهون بالنية القلبية. والمفروض هو تلك "الإباحة" لا ذلك "المنع". ومن هنا كان انطلاق الصوفية في مجاهداتهم: الأخذ بالأحوط في الدين والزيادة في فعل الجهاد, لماذا..؟ لأن النفس لا تستجيب لك بسهولة ويسر؛ ولأنها أحياناً كثيرة تتصرف أو تجعلك تتصرف بطريقة آلية بغير تفكير ولا رَويَّة، وذلك ملحوظ جداً في أداء العبادات كالصلاة والصيام وغيرهما، فحملها - من ثمَّ - على المشاق والمكاره أكرم لها من التفريط في حقوقها وأهونها حق البقاء دوماً في معية الله (أعني النية الصادقة على ديدن الإخلاص): النيَّة, وما هى النية أصلاً؟ .. وما هو عملها؟
كان الحارث المحاسبي عرَّف "النية" فقال في معناها هى:" إرادة العبد أن يعمل بمعنى من المعاني، إذا أراد أن يعمل ذلك العمل لذلك المعنى" (الرعاية لحقوق الله؛ ص 192)؛ وهو تعريفٌ عميقٌ وكبيرٌ في الدلالة وفي المفهوم، فلا يمكن أن يكون للمرء قدرةٌ بغير إدراك هذا المعنى ولو قلت قدرته الفكرية على استيعاب المعرفة واستخلاص مباحثها التي يعتمد فيها المرء على الفهم والإدراك والمعرفة، إذْ شرط العمل أن تكون النية معروفة، وحاضرة، ولنقرأ عبارة المحاسبي مرة ثانية في هذا التعريف للنية:" إرادةُ العبد أن يعمل بمعنى من المعاني، إذا أراد أن يعمل ذلك العمل لذلك المعنى"؛ فهناك المعنى أولاً، وهناك العمل ثانياً، وقبلهما الإرادة العاملة؛ الإرادة التي لم تتحول بعد إلى عمل، هى نية قلبية ليس إلّا. فمعرفتنا للنية معناه: قدرةُ الضمير على التوجه إلى ذلك العمل؛ أي معرفة الباعث الذي يتلازم فيه إدراك الإنسان لقواه العاملة مع قواه العالمة؛ فلو أنه أدرك قوته العاملة فقط؛ لأدرك السلوك قبل العلم، وَعَزَّ عليه العلم الناهض للحركة الفعلية؛ أي عَزَّ عليه العلم الذي يحفظ العمل من التحوير عن المقاصد العلية، والانحراف بالمجاهدة عن غاياتها النبيلة، والتشويش عن المطالب النافعة.
والإرادةُ الإنسانية من بعدُ هى الضامنة بدايةً للحركة الفعلية في الواقع العملي وفق هذه الشروط المقررة، بمعنى أنها هى التي تَضْمَنْ قناتين: قناة العلم الحافظ للعمل، وقناة العمل المحفوظ بإحاطة العلم. وأوَّلُ ما تُفَرْط فيه النفس هو حق الله كما ينبِّهنا إلى ذلك الحارث بن أسد المحاسبي في كتاباته النفسية التحليلية الرائعة، وأهمها هنا كتابه "الرعاية لحقوق الله"؛ لا ترعى هذا الحق إلا بجهاد، ولربما أوْهَمَتْكَ أنها ترعاه، وأوهمتك أنها على العهد باقية حتى إذا ما فتشت عنها وعن رعايتها لحقوق الله وَبَحَثْتَ مُخلصاً عن عهودها، أدركت من فورك أنها في غِرَّة، وأن حظوظها أقوى الحظوظ، وأن أوهامها مع الغفلة هى التي تَرْعى، وأن أهواءها هى التي تجيب وتسعى وتُلبي إذْ ذَاكَ مطالبها، ولا يَكادُ أن يكون لحق الله ولا لعهده فيها نصيب غير نصيب القشرة الخارجية والسَّطح البَرَّاني.
إنها لمصيبةٌ كبيرة هى تلك الغفلة! من أجل ذلك؛ صار لابد من قهر النفس على الاستجابة لأمر الله والانتهاء لنهيه، وأن أحسن الاستجابة، تلك "القدرة المانعة للنفس عن بعض ما تشاء"، والمفروض أن تجهد النفس في القيام بالحقوق بمقدار ما تجهدها في القيام بالتطوع والنوافل، ففي هذا القيام نفسه قهر للنفس وحملها على المكاره والمشاق؛ لأن المفروض هنا أن ما تقوم به النفس غير مفروض عليها، وبالتالي فهو أدعى لأن تبذل فيه أحسن الجهود؛ ولأن المفروض كما تَقَدَّم أن النفس لا تستجيب لك بسهولة، ولابد أن تُقهرها على الاستجابة: " تلك القدرة المانعة للنفس عن بعض ما تشاء ":
المفروض هو ذلك "المنع" لا تلك "الإباحة"، أعني منع النفس عن أن يكون لها حظ واحد من الحظوظ التي تتولاها طاقاتها وترعاها أهواؤها، مع التَّنَبُّه الدائم إلى أن القوة القادرة على المنع هى نفسها القوة التي تجعل النفس كارهة لكل فضيلة من الفضائل النافعة في كل حين اللهم إلا إذا كانت الأحيان التي لا تستجيب فيها النفس لتلك المزالق والمداخل التي تسول لها شره الرزيلة.
بقلم: د. مجدي إبراهيم
المصدر : هنا

Rea es:
شارك هذا

الكاتب:

0 coment rios: