الجمعة، 21 سبتمبر 2018

مقامات وأحوال الصوفية : الفناء والاغتراب

مقامات وأحوال الصوفية : الفناء والاغتراب

إن الباحث فى التصوف يجد نفسه تائها بين الاصطلاحات الإشارية التى تدل على تردد العارف فى سفره، ورحلته الطويلة، بين "التلوين" و "التمكين" حتى ينتهى به الحال إلى "الفناء" الذى تعطل فيه إرادة المحب وتغيب بشريته، وتفنى هويته فى هوية الحق تعالى، بإبعاد جميع السوى والفناء على هذه الصورة، على الرغم من أنه يمثل قمة الاقتراب إلا أنه أيضا يمثل قمة الاغتراب؛ لأنه يدل دلالة قوية على التخلص من التعلق بكل ما سوى الله. وقد قسم العلماء الفناء إلى ثلاثة انواع:

1- الفناء عن إرادة السوى 
2 – الفناء عن شهود السوى 
3- الفناء عن وجود السوى

وكلها أنواع تدل على قرب العبد من سيده، يثبت ويبقى به، ولا يريد شيئا سواه، فتزول الحجب، ويمح والسالك فى المسلوك به بلسان القرب، فيبقى العبد بربه لا بنفسه، فمن أثبت نفسه احتجبت عن الكشف والتجلى، وأما من فقد أنانيته، فهم أناس عندهم عشق يحثهم لا يقدرون على مدافعته، ويجدون انعدامهم أحلى عندهم من بقاء أنفسهم فيه، فلذلك رأى أبو يزيد البسطامى أن الحظوظ تدل على بقاء النفس، فقال:"أريد أن لا أريد"
فطلب أن يغلب عليه قسط الحق، فتنعدم أنانيته، ولا تبقى إلا أنانية سيده المنزهة عن حضور الأغيار، فهؤلاء هم الذين يصبرون على تعرفهم بمحوهم، ويصبرون على مداومته بفقد وجدهم نفوسهم "ومن ذاق عرف".
 
أي لابد من تذليل النفس، وقتل رغباتها وتصفيتها حتى تكون مهيأة للاتصال والفناء فيه بمن تحب، ولذلك جعل ابن القيم المحبة أول أوديه الفناء، والعقبة التى ينحدر منها على منازل المحو، وهو آخر منزل تلتقى فيه مقدمة العامة، وساقة الخاصة."إنما كانت المحبة أول أودية الفناء"لأنها تفنى خواطر المحب عن التعلق بالغير، وأول ما يفنى من المحب خواطره المتعلقة بما سوى محبوبه؛ لأنه إذا انجذب قلبه بكليته إلى محبوبه، انجذبت تبعا ويريد بمنازل المحو"مقاماته".
فالفناء هنا باب لمشاهدة الملكوت، بل مشاهدة رب الملكوت،"شاهدت منك العيون عيونها"وسام وحام رموز لظهور آثار الحق تعالى فى الكون، وقد عجزالبعض عن مشاهدة هذا التجلى بعين القلب.

ويرسم ابن عطاء الله السكندري صورة لفنائه الذى يطلق عليه : "الفناء النفسى"وهو ما يعبر عنه الجنيد بقوله  :"ذهاب القلب عن حس المحسوسات بمشاهدة ما شاهد، ثم يذهب عن ذهابه" فالفناء عند الجنيد هو فناء الشعور بالعلم والعقل والنفس، فيصبح القلب خالص التوجه والحضور مع الله، لا فناء الموجود بالمعنى الفاسد، يقول ابن عطاء الله الذى غاب مراده فى مراد الله عزل وجل:
مرادى منك نسيان المراد 
إذا رمت السبيل إلى الرشاد
وأن تدع الوجود فلا تراه 
وتصبح ماسكا حبل اعتماد
ويقول:
فإن رمت الوصول إلى جناب 
فهذى النفس فاحذرها وعاد
وخض بحر الفناء عسى ترانا 
واعددنا إلى يوم المعاد
وكن مستمطرا منا لتلقى 
جميل الصنع من مولى جواد
ولا تستهد يوما من سوانا 
فما أحد سوانا اليوم هاد
فالمراد – كما يقول ابن عطاء نفسه – أن لا يكون لك مع الله مراد"أي لا يظهر ولا يبطن الاعتماد على أحد سوى الله عز وجل، ولا يشغل نفسه بالتدبير، يقول ابن عطاء أيضا:"فإذا أردت الإشراق والتنوير فعليك بإسقاط التدبير واسلك إلى الله كما سلكوا، تدرك ما أدركوا".

أسلك مسالكهم وانهج نهجهم 
والق عصاك، فهذا جانب الوادى

فالصوفية يرون أن العبد كى يقوى صلته بخالقه، عليه أن يشغل نفسه بما طلب منه، وأن يترك ما ضمن له، فلا يدبر شيئا لغد؛ لأن الأمور جميعها تمشى بمقادير وضعها الله، وبذلك يجد الإنسان نفسه حرا من نفسه ومن الخلق، مغتربا عنهما؛لأنه وجد وطنه الذى يبحث عنه , فهل سيستقر؟!.

ولقد نوع الصوفية الحديث عن الفناء، فعبروا عنه"ببذل النفس، والموت والقتل والسقم"، والتلاشى عن وجود الحس، و يسلتزم ذلك الفناء"البقاء" أي أن الفاني يفنى عن ذاته ويبقى بالله تعالى.

ويجعل الفناء مقترنا بالموت، بل يجعل هذا الموت شيئا واجبا، لأنه فقد روحه عن رضا وطواعية بتقديمها إلى محبوبه هدية متواضعة عساه أن يرضى عنه، ويرضى بوصاله.

ويعنى الموت فى عرفهم:"قمع هوى النفس فإن حياتها به، ولا تميل إلى لذاتها وشهواتها...قال الإمام جعفر بن محمد الصادق رضى الله عنهما:"الموت هو التوبة"قال الله تعالى: "فَتُوبُواْ إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ". فمن تاب فقد قتل نفسه...، ومن ثم يجعل التلمسانى الموت شرط القرب من المحبوب:

نحن قوم متنا وذلك شرط 
فى هواها فلييئس الأحياء

ومع حضور الصفات البشرية "فقد تجتمع للعارف إذا أنماط الاغتراب كافة، الاغتراب عن الخلق، وعن النفس، وعن العالم الأرضى كله فهو حين يصل إلى مقام الفناء لا يحس بما حوله ولا يحس بنفسه، بل يفنى عن الموجودات جميعا، يفنى عن كل شئ سوى الله، ويتجه بكليته لمطالعة وجه محبوبه".

Rea es:
شارك هذا

الكاتب:

0 coment rios: