-->
نفحات الطريق  نفحات الطريق
recent

آخر المشاركات

recent
random
جاري التحميل ...
random

إيـقاظ الـهـمم في شــرح الحـكم (39)

كما أشار إلى ذلك بقوله :

{إِذَا أَرَادَ أَنْ يُظْهِرَ فَضْلَهُ عَلَيْكَ خَلَقَ وَنَسَبَ إِلَيْكَ}


الحق تعالى فاعل بالمشيئة والاختيار ، لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون ، أي لا يسئل عما يفعل حقيقة وهم يسئلون شريعة ، ثم ان الحق سبحانه وتعالى قسم عباده على ثلاثة أقسام :
قسم : أعدهم للانتقام فأظهر فيهم إسمه المنتقم وإسمه القهار ، أجرى عليهم صورة العصيان بحكمته ونسبها إليهم بعدله وقهره "ولو شاء ربك ما فعلوه" "ولو شاء الله ما أشركوا" فقامت الحجة عليهم بإعتبار النسبة وإظهار الحكمة "وما ربك بظلام للعبيد" "وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون".
وقسم : أعدهم الله للحلم ، ليظهر فيه إسمه الحليم وإسمه الرحيم ، أجري عليهم العصيان وحلاهم بالإيمان ، فاستحقوا العقوبة على العصيان ، ثم أن الحق تعالى حلم عليهم وعفا عنهم وأدخلهم الجنان.
وقسم : أعدهم الله للكرم ، ليظهر فيهم إسمه الكريم وإسمه الرحيم ، خلق فيهم الطاعة والاحسان ، وحلاهم بالإسلام والإيمان ، وربما زادهم التجلي بالاحسان ، فأدخلهم فسيح الجنان ، ومتعهم بالنظر إلى وجه الرحمن.
فإذا أراد الله تعالى أن يلحقك بهؤلاء السادات ، هيأك لأنواع الطاعات ، وخلق فيك القوة على فعل الخيرات ، ثم نسب إليك ذلك الفعل ، فقال :" يا عبدي فعلت كذا كذا من الخير فأنا أجازيك عليه ، أدخل الجنة برحمتي وترق إلى مقامك بعملك فمقامك حيث أنتهى عملك" ، قال تعالى :" كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظوراً" "أنظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا" وقال تعالى :"ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون" ثم ينبغي لك أيها الأنسان أن تتأدب مع الملك الديان ، فلا تنسب إليه النقص والعصيان ، وإنما أغوتك نفسك والشيطان ، قال تعالى :" فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور" أي الشيطان ، فما كان من الكمال فانسبه إلى الكبير المتعال ، وما كان من النقصان فأمسحه في منديل النفس والشيطان.

قال سهل بن عبد الله رضي الله عنه : (إذا عمل العبد حسنة وقال : يا رب بفضلك استعملت، وأنت أعنت، وأنت سهلت، شكر الله ذلك له، وقال : عبدي بل أنت أطعت، وأنت تقربت. وإذا نظر إلى نفسه وقال : أنا عملت: وأنا أطعت، وأنا تقربت، أعرض الله عنه وقال له : يا عبدي أنا وفقت، وأنا أعنت، وأنا سهلت، وإذا عمل سيئة وقال : يا رب أنت قدرت، وأنت قضيت، وأنت حكمت، غضب المولي جلت قدرته عليه وقال : يا عبدي بل أنت أسأت، وأنت جهلت، وأنت عصيت، وإذا قال : يا رب أنا ظلمت، وأنا أسأت، وأنا جهلت، أقبل المولي جلت قدرته عليه وقال : يا عبدي أنا قضيت وأنا قدرت وقد غفرت وقد حلمت وقد سترت) . ثم أن هذه النسبة التي نسب الله لعبده بما خلق فيه بها يستحق المدح والذم، فإذا خلق فيه الطاعة ونسبها إليه استحق المدح بلسان الشرع، وإذا أجرى عليه المعصية وقضاها عليه استحق الذم بلسان الشرع أيضاً، كما أشار إليه بقوله : 

{لا نِهَايَةَ لِمَذَامِّكَ إِنْ أَرْجَعَكَ إِلَيكَ ، وَلا تَفْرُغُ مدَائِحُكَ إِنْ أَظْهَرَ جُودَهُ عَلَيكَ}.


إذا أراد الله إهانة عبد وإذلاله رده إلى نفسه وهواه فأحيل عليها ووكل إليها فيوليه ما تولى، فإذا استولى عليه الهوى أعماه وأصمه وفي مهاوي الردى أسقطه، وإذا أراد الله إعزاز عبده وعنايته، أظهر عليه جوده وكرمه فتولاه وحفظه، ولم يتركه مع نفسه وهواه طرفة عين ولا أقل من ذلك، فلا نهاية لمذامك أيها الإنسان أن ردك إلى نفسك وحكمها فيك وتركك مع هواك لأن ذلك من علامة الإهمال وسقوطك من عين الكبير المتعال، والعياذ بالله من كل خسر ووبال ولا تفرغ مدائحك أن أظهر جوده عليك فتولاك بحفظه ورعاك بعنايته وحجزك عن نفسك، وحال بينك وبين تدبيرك وحدسك .
ومن دعائه عليه السلام :" إن تكلني إلى نفسي تكلني إلى ضعف وعوزة وذنب وخطيئة وإني لا أثق إلا برحمتك ". 
والحاصل أنك إن كنت بربك تكمل عزك ولا يتناهي مدحك وإن كنت بنفسك تكامل ذلك ولا يتناهي ذمك، أو تقول من أهمله الله وتركه مع نفسه وهواه لا نهاية لمذامه وقبائحه، فإن للنفس من النقائص ما لله من الكمالات ومن تولاه الله وأظهر جوده عليه ولم يتركه مع نفسه وأزعجه عن حظه وحال بينه وبين هواه، فلا نهاية لمدائحه إذ كمالات الله لا نهاية لها وما هنا إلا مظاهره فكما لا نهاية لجلاله كذلك لا نهاية لجماله والله تعالى أعلم.


عن الكاتب

حسن بن أحمد

التعليقات



إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد الموقع أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة

نفحات الطريق

2016