-->
نفحات الطريق  نفحات الطريق
recent

آخر المشاركات

recent
random
جاري التحميل ...
random

إيـقاظ الـهـمم في شــرح الحـكم (40)

هذا آخر الباب الثاني عشر، وحاصله : تعظيم الأوراد والتأهُّب لورود الإمداد وتصفية البواطن من الأكدار لتشرق عليها شموس الأنوار وهي شموس العرفان فيفني العارف عن التدبير والاختيار، فكل يوم ينظر ما يفعل الواحد القهار فتأنس حينئذ بكل شيء ويتأدب مع كل شيء، ويعظم كل شيء ولا يستوحش من شيء لمعرفته في كل شيء فيستأنس في هذه الدار بالنظر إلى الله في حجاب صفاته، وهي مظاهر مكوناته وسيكشف له في تلك الدار عن كمال ذاته من غير حجاب صفاته وذلك أنه لما علم أنه لا يصبره عنه أشهده ما برز منه.

ولما علم أن من عباده من لا يقدر أن يشهده في مكوناته أشغله بخدمته، وعلم أيضاً أنه إن دام على عمل واحد ربما حصل له الملل لوَّن له الطاعة والعمل وعلم ما في عبده من الشره فحجرها عليه في بعض الأوقات ليكون همّه إقامة الصلاة لا وجود الصلاة، ثم ذكر ثمراتها ونتائجها ونهاك عن طلب العوض عليها لكونك لست عاملاً لها وإنما هو فضل من الله عليك خلق فيك القوّة ونسبها إليك فإن ردك إلى نفسك وتركك مع هواك لا تتناهي مذامك وإن أخذك عن نفسك وتولّاك بجوده وفضله لا تفرغ مدائحك حيث صرت وليّاً من أوليائه وصفياً من أصفيائه، جعلنا الله منهم بمنه وكرمه آمين.

هذا آخر النصف الأول والله المستعان على التمام بجاه نبيه المصطفى بدر التمام صلى الله عليه وعلى آله الكرام وهذا أول النصف الثاني فنقول وبالله نستعين بسم الله الرحمن الرحيم قال المؤلف نفعنا الله به وبعلومه آمين.

هذا آخر النصف الأول والله المستعان على التمام
بجاه نبيه المصطفى بدر التمام صلى الله عليه وعلى آله الكرام
وهذا أول النصف الثاني
فنقول وبالله نستعين

[الباب الثالث عشر]

قال المؤلف نفعنا الله به وبعلومه آمين : فإذا أردت أن يظهر جوده عليك وتبسط مواهبه لديك فتحقق بوصفك وتعلّق بوصفه، كما أبان ذلك بقوله وقال رضي الله عنه :

(كُنْ بِأَوْصَافِ رُبُوْبِيَّتِهِ مُتَعَلِّقَاً، وَبِأَوْصَافِ عُبُوْدِيَّتِكَ مُتَحَقِّقَا).

قلت : أوصاف الربوبية هي العز والكبرياء، والعظمة والغنى، والقدرة والعلم، وغير ذلك من أوصاف الكمالات التي لا نهاية لها. وأوصاف العبودية هي الذل والفقر والعجز والضعف والجهل وغير ذلك مما يناسب العبودية من النقائص.
وكيفية التعلُّق بأوصاف الحق هو أن تلتجيء في أمورك إليه وتعتمد في حوائجك عليه وترفض كل ما سواه ولا ترى في الوجود إلا إياه، فإذا نظرت إلى عزّه وكبريائه وعظمته تعززت به ولم تتعزز بغيره وصغر في عينك دونه كل شيء وإذا نظرت إلى وصفه تعالى بالغنى تعلقت بغناه وأستغنيت عما سواه ولم تفتقر إلى شيء واستغنيت به عن كل شيء، وإذا نظرت إلى وصفه تعالى بالقدرة والقوة لم تلتجئ في حال عجزك وضعفك إلّا إلى قدرته وقواته واستضعفت كل شيء، وإذا نظرت إلى سعة علمه واحاطته أكتفيت بعلمه واستغنيت عن طلبه، وقلت بلسان الحال : علمه يغني عن سؤالي. وهكذا في جميع الأوصاف والأسماء فكلها تصلح للتعلق والتخلُّق والتحقق. وكيفية التخلُّق بأوصافه تعالى، أن تكون في باطنك عزيزاً قوياً به، عظيماً كبيراً عنده قوياً في دينه وفي معرفته عالماً به وبأحكامه، وهكذا. وحاصلها : استعمال الحرية في الباطن والعبودية في الظاهر.
وكيفية التحقق بأسماء الله تعالى أن تكون تلك المعاني فيك راسخة متمكنة متحققة فيك وجودها، فالتخلُّق مجاهدة والتحقُّق مشاهدة أي يكون وجودها غريزياً.
وكيفية التخلق بأوصاف العبودية: هو التحقق بالذل في الظاهر حتى يصير الذل عندك حرفة وطبيعة، لا تأنف منه بل تستحليه وتغتبط به، وكذلك الفقر والضعف والجهل وسائر أوصاف العبودية تتحقق بوجودها في ظاهرك حتى يكون ذلك شرفاً عندك، وكان الشيخ سيدي علي رضي الله عنه يقول:" أهل الظاهر يتنافسون في العلو أيهم يكون أعلى من الآخر وأهل الباطن يتنافسون في الحنو أيهم يكون أحنى من الآخر"... بالمعنى، وقال الشيخ زروق رضي الله عنه:" أوصاف الربوبية أربعة تقابلها أربعة هي أوصاف العبودية: أولها : الغنى ويقابله الفقر. الثاني : العز ويقابله الذل. الثالث : القدرة ويقابلها العجز. الرابع : القوة ويقابلها الضعف، وكل هذه متلازمة ان وجد واحدها وجد جميعها، ووجود المقابل ملزوم بوجود مقابله فمن استغنى بالله افتقر إليه، ومن افتقر إلى الله أستغنى به، ومن تعزز بالله ذل له، ومن ذل له تعزز به، ومن شاهد قدرته رأى عجز نفسه، ومن رأى عجز نفسه شاهد قدرة مولاه، ومن نظر ضعف نفسه رأى قوة مولاه، ومن رأى قوته علم ضعف نفسه ،لكن ان كان البساط النظر لأوصافك فأنت الفقير إلى الله، وان كان البساط النظر إلى أوصافه فأنت الغني بالله، وهما يتعاقبان على العارف، فتارة يغلب عليه الغنى بالله فتظهر عليه آثار العناية، وتارة يظهر عليه آثار الفقر إلى الله فيلتزم الرعاية.

قلت : والتحقيق ما قدمناه من أن التعلق بأوصاف الربوبية يكون في الباطن، والتحقق بأوصاف العبودية يكون في الظاهر، فالحرية في الباطن على الدوام والعبودية في الظاهر على الدوام، فحرية الباطن هي شهود أوصاف الربوبية وهو معنى التعلق بها ،لكن أن كان مجاهدة فهو تعلق، وأن كان طبيعة وغريزة فهو تحقق، أو تقول ان كان حالاً فهو تعلق، وان كان مقاماً فهو تحقق، وعبودية الظاهر هي شهود أوصاف العبودية قياماً بالحكمة وسترا للقدرة.
والحاصل : أن عظمة الربوبية ظهرت في مظاهر العبودية، فمن نظر للعظمة صرفاً تحقق بعظمة الربوبية، ومن نظر لظاهر المظهر تحقق بأوصاف العبودية، والكامل ينظر لهما معاً فيتحقق بعظمة الربوبية في الباطن، ويتحقق بأوصاف العبودية في الظاهر، فيعطي كل ذي حق، فالجمع في باطنه مشهود والفرق في ظاهره موجود والله تعالى أعلم. 

فإن أظهر أوصاف الربوبية فقد تعدى طوره وجهل قدره فلا بد أن تؤدبه القدرة، وإلى ذلك أشار بقوله :

(مَنَعَكَ أَنْ تَدَّعِىَ مَا لَيْسَ لَكَ مِمَّا لِلْمَخْلُوقِينَ ، أَفَيُبِيحُ لَكَ أَنْ تَدَّعِىَ وَصْفَهُ وَهُوَ رَبُّ الْعَالَمِينَ)

قلت : الحق تعالى غيور فلا يحب لعبده أن يفشي سر خصوصيته ولا يرضى لعبده أن يشاركه في أوصاف ربوبيته، فمن غيرته تعالى أن ستر سر الخصوصية بظهور وصف البشرية، ولولا ذلك لكان سر الربوبية مبتذلاً ظاهراً وذلك مناقض لحكمته، وكيف وهو يقول : (إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ )ومن غيرته تعالى أن اختص بأوصاف الربوبية ونهانا عن إظهارها والتحلّي بها حالاً أو مقالاً، وذلك كاتصاف العبد بالعزّ والعظمة والكبر وطلب الرياسة والعلو أو ادعاء ذلك بالمقال، فإن فعل شيئاً من ذلك استحق من الله الطرد والنكال . ففي الحديث القدسي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : "يقول الله تبارك وتعالى : الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا قَصَمْتُه" وقال أيضاً صلى الله عليه وسلم :" لا أحد أغير من الله فلذلك حرَّم الفواحش ما ظهر منها وما بطن". وفي البخاري في قصة سيدنا موسى عليه السلام، أنه خطب على الناس خطبة ذرفت منها العيون، فقام إليه رجل فقال له : هل تعلم أحداً أعلم منك ؟ فقال: لا، فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه، فقال له : بلى عبدنا خضر هو أعلم منك. فكان من شأنهما ما قصّ الله في كتابه.  فانظر كيف أدّبه بطلب غيره حتى صار تلميذاً له يأمره وينهاه بقوة وصوله من عظم قدره وجلالة منصبه، وما ذلك إلَّا لإظهار شيء من الحرية،ّ فكل من أظهر الحرية رده إلى العبودية بالقهرية، وكل من أظهر العبودية حقَّق له في باطنه الحرية وملَّكه الكون بالكلية، فمن تواضع دون قدره رفعه الله فوق قدره.
 ومن غيرته تعالى أيضاً أن حرَّم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، والفواحش كل ما فحش قبحه وعظم جرمه كالزنا والغصب والسرقة والتعدي وأكل أموال اليتامى وغير ذلك من حقوق العباد، فإذا كان منعك أن تدَّعي ما ليس لك مما هو للمخلوقين من العرض الفاني، فكيف يبيح لك أن تدَّعي وصفه من العزّة والكبرياء وهو ربّ العالمين، فإذا ادعيت ما ليس لك سلبك ما ملكك، وإذا تحقّقت بوصفك وسلَّمت له وصفه منحك ما لم يكن عندك وأتاك ما لم يؤت أحداً من العالمين، فكلما نزلت بنفسك أرضاً أرضاً سما قلبك سماء سماء. وقد تقدم هذا المعنى في الخمول والله تعالى أعلم.

 تنبيه : اعلم رحمك الله ووفقك للتسليم لأوليائه أن الحرية إذا تحققت في الباطن لا بد من رشحات تظهر على الظاهر، فكل إناء بالذي فيه يرشح، وصاحب الكنز لا بد أن يظهر عليه السرور وصاحب الغنى لا يخلو من بهجة وحبور.
ولذلك تجد أهل الباطن رضي الله عنهم جلّهم أقوياء في الظاهر، فربما تصدر منهم مقالات تستخرجها القدرة منهم فيظن الجاهل بحالهم أن ذلك دعوى وظهور وليس كذلك، وإنما ذلك رشحات من قوّة الباطن لا قدرة لهم على إمساكها، منها ما يكون تحدُّثاً بالنعم ومنها ما يكون نصحاً للعباد ليعرفوا حالهم فينتفعون بهم في طريق الإرشاد، ومن هذا الأمر رفضهم كثير من أهل الظاهر المتعمِّقون في العبادة أو المتجمِّدون على ظاهر الشريعة أو من لم تطل صحبته معهم في الطريقة وإن كان كاملاً.

 ومن ذلك ما وقع للشيخ زروق رضي الله عنه مع أبي المواهب التونسي رضي الله عنه حين ظهرت عليه آثار القوة الباطنية حتى قال فيه الشيخ زروق : دعواه أكبر من قدمه . وليس كذلك فإن الشيخ أبا المواهب عظيم الشأن، راسخ القدم في العرفان، أخذ عن أبي عثمان المغربي وكان يقول : لبست خرقة التصوُّف من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وله شرح حسن على الحكم إلَّا أنه لم يكمل، وله كلام رائق نظماً ونثرا ومن نظمه رضي الله عنه :

مَنْ فاتهُ منكَ وصلٌ حظُّهُ النَّدَمُ      ومَن تكُن همَّه تسمُو بهِ الهِممُ
وناظرٌ في سوى معناكَ حُقَّ له       يقتصُّ من جفنِهِ بالدَّمع وهو دمُ
والسمعُ أن جالَ فيه من يحدِّثُه         سوى حديثِك أمسَى وقرهُ الصمَمُ
في كل جارحةر عينٌ أراكَ بها    مني وفي كل ِّعضوٍ بالثناء فمُ
فإن تكلمتُ لم أنطق بغيركُمُ    وكلُّ قلبي مشغوفٌ بحبكُمُ
أخذتُمُ الروح منّي في ملاطفةٍ        فلست أعرفُ غيراً مذ عرفتكمُ 
نسيتُ كلَّ طريق كنت أعرفُها    إلا طريقاً تؤديني لربعكمُ 
فما المنازلُ لولا أن تحُلَّ بها         وما الديارُ وما الأطلالُ والخيمُ 
لولاكَ ما شاقني ربع ولا طللٌ        ولا سعَتْ بي إلى نحوِ الحمَى قدمُ

البداية    السابق     التالي


عن الكاتب

حسن بن أحمد

التعليقات



إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد الموقع أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة

نفحات الطريق

2016