نفحات الطريق: الخطاب الصوفي بين التأول والتأويل

الخطاب الصوفي بين التأول والتأويل - نفحات الطريق

ads code here

الخطاب الصوفي بين التأول والتأويل

الخطاب الصوفي بين التأول والتأويل

بيان القرآن

لما كان القرآن هو الرسالة الإلهية المباشرة إلى الإنسان والمنزلة بلغة هذا الإنسان فلا غرو أن يراد منه تبيّن مضامينها وتفهم مقاصدها، وقد تفاوت الناس منذ بداية تلقيهم لهذه الرسالة في تبينها وفهمها حق الفهم كما اختلفوا في التصديق بأن القرآن كلام الله، ولكن الصوفية اعتبروا دائماً أن الإنسان مهيأ بالفطرة لتلقي الخطاب القرآني وفهم مقاصده، ذلك أنه « برزخ بين الحق والإنسان» كما أنه المجلى الجامع للحقائق الإلهية (لأنه كلمات الله القديم وكلامه ذاته عندهم)، هذه الحقائق المتجلية في الموجودات الكونية، (لأنها كلمات الله في العالم) وفي الإنسان (باعتباره كلمة جامعة). ومع أن العالم يشترك مع القرآن في كونهما دليل الإنسان وحجته وأصل استدلاله بحيث لا يعتبر العقل الإنساني إلا فرعاً منهما، فإن القرآن وهو (الخبر القاهر) أحق من الأكوان (وهي العيان الظاهر) في الدلالة على الحق كما يقول المحاسبي؛ ومن ثم فقد اعتقد الصوفية أن القرآن «أصل كل أصل» وأن فيه كل شيء من علوم الدنيا والآخرة. ولم يكن اعتقادهم هذا وليد نظرة ذاتية فقط كما يُنعتون عادة، ولكنهم استندوا في ذلك إلى كثير من النصوص الإسلامية كآيات القرآن الكريم مثل قوله تعالى: ﴿ونزلنا عليكَ الكتاب تبياناً لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين﴾ (النحل: 89) ونصوص الحديث النبوي مثل:«عليك بكتاب الله عزّ وجّل فإن فيه نبأ من كان قبلكم وخبر من بعدكم، وحكم ما بينكم من دينكم الذي تعبدكم الله عزّ وجل به تصلون إلى المعرفة...)، وقول عبدالله بن مسعود: «... إن فيه[القرآن] علم الأولين والآخرين»؛ لذلك فإن المريد عند الصوفية لا يكون مريداً حتى يجد في القرآن كل ما يريد، فتحت كل حرف من حروفه كثير من الفهم، «ووجوه الفهم لا تنحصر لأن وجوه الكلام [القرآن] لا تنحصر» وتلك الفهوم كلها «من علم الدين والأصول التي بين الخلق وبين الله تعالى» ولكنها مذخورة لأهلها؛ ويعظم قدر القرآن عند الصوفية لأنه المظهر الأكمل لتعرّف الله لعباده من جهة، ووسيلة العباد للتقرب من الله من جهة أخرى، فهو حبل بين الله وبين عباده. ومما اعتقده الصوفية كذلك أن معدن نور القرآن هو قلب النبي صلى الله عليه وسلم. وإذا كانت نصوص القرآن والحديث قد وصفت كتاب الله بأوصاف كثيرة منها أنه هدى ونور وضياء وشفاء ورحمة وبشرى وذكر ومبين وحبل متين ومحجة بيضاء وغير ذلك، فإن الصوفية وجدوا فيه إلى جانب ذلك أو تفريعاً عن تلك الأوصاف ما يناسب أحوالهم مع القرآن فقالوا مثلاً إنه "فهم العقل" و"نور الحكمة" و "ينابيع العلم" و"أدب الله" و"أدب النبوة" و"علم الأولين والآخرين" ؛ ولما كان القرآن جامعاً لكل شيء فهو عند الصوفية "إنسانٌ كامل" ما دام كلاهما مجمع حقائق الحق والخلق، لأنهم يعنون بالإنسان الكامل من كملت صفاته بمعنى أنه «أنزل عليه القرآن من جميع جهاته»؛ ولكي يبلغ الإنسان هذه المرتبة وجب أن يتطابق ظاهره وباطنه مع ظاهر القرآن وباطنه. ونفهم من مثل هذه الأقوال عند القوم أن النص اللغوي للقرآن له ظاهر وباطن، ولكل منهما دلالاته.

فإذا كان كل نص يمكن أن تتعدد قراءته كلما اتسعت معارف صاحبه، فإن الصوفية رأوا أن القرآن أولى بذلك لأنه الكلام الإلهي الذي لاحد لمعانيه، فأقروا المعاني الظاهرة للقرآن أولاً كما تفيدها عباراته ومبانيه، وفي ذات الوقت وجدوا أن لآياته وكلماته بل وحروفه باطناً أو بواطن هي حقائق دقيقة ومعارف رقيقة تشير إليها معاني العبارات الظاهرة، وهناك مناسبة بين ظاهر العبارة وباطن الإشارة، ولكن فهم الإشارة من العبارة يحتاج إلى تأويل، وليس التأويل عند الصوفية عملية معجمية أو تأملية، وإنما هو تأويل عملي يسعى به الصوفي إلى الارتقاء بذاته ظاهراً وباطناً نحو مقاصد الإشارات القرآنية انطلاقاً من معاني العبارات التي "يعبر" منها إلى تلك الإشارات؛ فالتأويل عندهم تحقق ذاتي بالمعنى الإشاري للعبارة، إنه عملية "وجود" في الإشارة وبها، إنه عملية تحويل مستمر في السلوك العملي والوجداني عبر الإشارة إلى إشارات الإشارة (اللطائف)؛ ومن ثم كان للحروف القرآنية عندهم حدود، وللحدود مطالع لا نهاية لفهمها والعمل بها من أجل مزيد من الفهم والعمل، فهي كلمات الله التي لا تنفد، وهيهات المتكلم فيها سبحانه.

أقسام القرآن عند الصوفية

وكما أن الصحابة قسموا القرآن إلى المواضيع التي تضمنها،فإن الصوفية اهتموا كذلك بالتقسيم الموضوعي لكتاب الله مثلما نجد عند سهل التستري الذي قسمه إلى «خمسة أخماس: خمس محكم وخمس متشابه وخمس حلال وخمس حرام وخمس أمثال»  .وقد نرى أنه يمكن تلخيص هذه الأخماس حسب مقولة الظاهر والإشارة والباطن إلى ثلاثة أقسام (وباعتبار أن الحلال والحرام من المحكم)  :

1- المحكم: وهو حسب علماء الإسلام آيات الأحكام الظاهرة.

2- الأمثال: وتشمل ما قصه الله أو ضربه للاعتبار، وهي لا تــُقصد لذاتها وإنما هي رموز تشير إلى المغزى منها.

3 ـ المتشابه: الذي لايعلمه إلا الله، ولا يحيط أحد بشيء من علمه إلا بما شاء تعالى.

 بيان الإنسان

والإنسان في الفكر الصوفي "كلمة" إلهية من كلمات العالم لكنه يناظره من جهة ويمتاز عليه من جهة ثانية، فمناظرته للعالم تتجلى في أنه نسخة صغرى منه إذ يجتمع في الإنسان (وهو عالم أصغر) ما تفرق في العالم الأكبر من ملك وملكوت (الشهادة والغيب أو الظاهر والباطن) فعالم الملك يناظر جسمانية الإنسان، ومن ثم كان لهذا الإنسان جميع المراتب لأن فيه قوة كل موجود في العالم .

أما امتياز الإنسان عن العالم فيتمثل في أن الله خلق آدم على صورته وعلمه الأسماء كلها فجمع بذلك بين الحقائق الإلهية وبين حقائق العالم، فالإنسان للعالم بمنزلة الروح من الجسد، وكمال العالم إنما يتحقق بوجود الإنسان الذي هو المقصود من وجود هذا العالم بحكم أن الإنسان خلق ليكون خليفة لله في الأرض  ؛ومن المعروف أن الصوفية ينطلقون في هذه العقائد (ككل المذاهب الإسلامية) من نصوص القرآن والحديث التي تشير إلى تلك القيمة الإنسانية في التصور الإسلامي، كما في قول الله تعالى:﴿وإذا قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض﴾ (البقرة 30) وقوله: ﴿ وعلم آدم الأسماء كلها)(البقرة 31) وقوله:﴿ولقد كرمنا بني آدم﴾ (الإسراء 70) وقوله:﴿وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم﴾ (البقرة 34 والإسراء 61 والكهف 50 و طه 116 وفي آيات أخرى كثيرة بصيغ مختلفة) كما أنهم يستندون إلى بعض الأحاديث النبوية مثل حديث «خلق الله آدم على صورته» .

ونحن نعجب من قول بعض الباحثين، مستشرقين وغير مستشرقين، بأن أكثر عقائد صوفية الإسلام مستوردة من خارج الأصول الإسلامية مثل إرجاع بعضهم صورة الإنسان في التصوف الإسلامي إلى فكرة الإنسان الكامل التي نشأت في الحضارة الهلينية أو التفكير الإيراني القديم (مثل هانز شيدر)، ورد بعضهم تلك الصورة إلى "الرؤى السامية" التي هي "وثيقة الصلة بالأسلوب النبوي" (مثل ماسنيون) أو محاولة البعض رد الرؤية الصوفية للعالم إلى نظرية المُثل الأفلاطونية، ناهيك عن إرجاع معظم المستشرقين ومن ردد كلامهم ترديداً، نصوص المعرفة الصوفية إلى الفيثاغورية والعقائد الأورفية والأفلاطونية القديمة والمحدثة وإلى القبالة اليهودية وإلى حكمة العراة الهنود ورهبانية النصارى وإلى الزرادشتية وتاوية الصين. وقد وصل الأمر بكثير منهم إلى القول بأن المعرفة الصوفية الإسلامية هي الترجمة العربية للغنوص اليوناني ؛وقد حذر ابن عربي مثلاً من تصنيف الصوفية مع الفلاسفة بسبب تشابه الأقوال، كما نبه إلى أن ما قاله الصوفية مشابهاً لأقوال الفلاسفة أو المتكلمين أو أصحاب النظر ليس بالضرورة مأخوذا عنهم، ومن قال بذلك « لاتحصيل له» ثم إن «الفيلسوف ليس كل عمله باطلاً، فعسى تكون تلك المسألة فيما عنده من الحق ولا سيما إن وجدنا الرسول عليه السلام قد قال بها، ولا سيما فيما وضعوه من الحكم والتبري من الشهوات ومكايد النفوس» فإذا كان الأمر حقاً فلا يهم المأخذ. ولكن الادعاء على الصوفي بالأخذ من غيره «وأنت لم تشاهد ذلك منه فهو خروج عن الصدق إلى الكذب». ونحن لا نقصد هنا إلى عرض آراء المدعين لتأثر الصوفية بغير الإسلام، ولا إلى عرض الردود عليهم، وإنما غرضنا إبراز الرؤية الصوفية بوجهيها الأنطولوجي والمعرفي كما هي لإبراز العلاقة بين التجربة والتأويل في الخطاب، على أننا نلتزم المنطق الداخلي للرؤية الصوفية وتجربتها التأويلية مع العالم ومع النص القرآني لتبين العلاقة بين تلك التجربة وبين إنتاج العجم الصوفي وتوليده، ونرى في هذا المسلك أمانة منهجية يقتضيها البحث، وذلك بربط النتائج بمقدماتها داخل المنهج الموحد الخاص بالحقل المفهومي دونما إسقاط منهج خارج عن الموضوع المدروس، وقد نبه إلى ذلك أحد أقطاب التصوف قائلاً: «إذا كانت لكل طائفة أصول ومقدمات هم مجمعون على صحتها مسلمون لها، إذ هي من جملة موازينهم التي يبنون عليها ويرجعون إليها، فمتى سلمت له من محققي أهل ذلك الشأن تأتى له أن يركب منها أقيسة صحيحة وأدلة تامة لا ينازعه فيها أرباب تلك الأصول التي هي من موازينهم» . فكيف بغير أرباب تلك الأصول المختلفين عنهم في المذهب أو في اعتبارها أصولاً.

ولما كانت الغاية من وجود الإنسان، في الرؤية الصوفية، غاية معرفية إذ أنهم يعتمدون كثيراً على تفسير ابن عباس لقوله تعالى: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ (الذاريات 56) بأن معنى يعبدوني هو «يعرفوني» كما يعتبرون أن العبادة وسيلة للمعرفة، فإنهم يرون أن وسائل تحقيق هذه الغاية هي ما خلق الله في الإنسان من استعداد للتعرف على المظهرين الأكبرين للحقائق (وهما العالم والقرآن)، هذا الاستعداد هو الذي سميناه وظيفة "التبيّن"، وهذه الوظيفة تعتمد على أبعاد الإنسان الثلاثة وهي: البعد النفسي والبعد القلبي (العقلي) والبعد الروحي، وذلك في استثمار التجارب الحسية والعقلية والوجدانية، بحيث إن كل بعد من تلك الأبعاد، يكون هو المشتغل الرئيسي بالتجربة التي تناسبه، ويساعده في هذا الاشتغال البعدان الآخران، ذلك أن التجارب الثلاثة المذكورة متداخلة، فالبعد النفسي هو المشتغل الرئيسي بالتجربة الحسية، والبعد القلبي هو المشتغل بالتجربة العقلية (حسب الاستعمال القرآني في قوله تعالى: ﴿لهم قلوب يعقلون بها﴾(الحج 46) أما البعد الروحي فمجال اشتغاله التجربة الوجدانية.

على أن هذه التجارب المتكاملة مجرد أسباب لا تفعل بنفسها ولا هي المولدة للمعرف، وإنما تفعل بمشيئة خالقها وإرادته التي تخلق المعرفة عند الأسباب، ومن هذه الأسباب التي تهيء الإنسان لتبيّن العالم التناسب الحاصل بين أبعاد الكائن الإنساني ووظائفها من جهة، وبين مراتب الوجود في الموجودات من جهة أخرى.

الخطاب الصوفي بين التأول والتأويل
المؤلف: د. محمد المصطفى عزام

إرسال تعليق

0 تعليقات