نفحات الطريق: التيسير في التفسير

التيسير في التفسير - نفحات الطريق

ads code here

التيسير في التفسير


بسم الله الرّحمن الرّحيم

قال الأستاذُ زينُ الإسلام أبو القاسم عبدُ الكريم بنِ هَوَازِنَ القُشَيْريّ.

الحمدُ لله ناصرِ الحقِّ بواضحِ أعلامهِ، وفاطرِ الخلقِ على ما أراد من أحكامِهِ المبتدئ لأوليائه بجميع إنعامه، المنتصر من أعدائه بشديد انتقامه، الذي أرسل الرُّسل وأوضح السُّبل ونصب البرهان وأنزل الفرقان، وخصَّ محمّدا صلى الله عليه وسلّم بأعلى المراتب، وأكرمه بأسنى المناقِب، وأزالَ بنوره الشكَّ ومحا بظهوره الإفكَ، وأيَّده بكتابه المنزَّل وسدَّده بخطابه المفصَّل، وبعثه إلى أمته يطهِّرُهم ويزكّيهم ونصرَهُ بحُجَجٍ قويَّة ليَدعوهم إلى دينه وليهديهم، وجعلَ معجزتَهُ كتاباً أعجزَ الفصحاءَ نظامَهُ ونَصَرَ العقلاءُ أعلامَه.

فقام لدينِ الله ناصحاً ولمعالم الشِّرك فاضحاً وللحقِّ نصيراً وللباطل مبيراً وللكفر خافضاً، وللشكِّ ماحياً، وللشرِّ قالياً وللأحكام شارعاً وللأصنامِ قاطعاً؛ ومضى بالفضائل موسوماً، وعن الرذائِلِ معصوماً مؤيَّداً رشيداً محمداً حميداً، صلى الله عليه وسلم وعلى آله الذين هداهم وأصحابه الذين اجتباهم وسلَّم تسليماً.

أمّا بعد :

فإن أولى ما يُصرفُ إليه الفكرُ وتوقَفُ عليه الهمَّةُ تدبُّرُ معاني كتابِ الله العزيزِ الذي لا يأتيه الباطلُ من بين يديهِ ولا من خَلفه، لِمَا أودع الله سبحانه فيه من علومٍ لا تنتهي بدائِعُها، وحِكَمٍ لا تنقضي روائِعُها.

وكتابنا هذا يشتملُ على جُمَلٍ من تفسير القرآن وتأويله، وصَدْرٍ من إعرابِه، وما يتعلَّق بقَصَصِهِ ونزوله. سَلكنا فيهِ طريقَ الإيجازِ والإقلالِ تجنُّبا من الإطالة والإملالِ، وبالله نستعينُ في بيان ذلك ونستوفِقُهُ ونبرأ إليه من الحول والقوّة ونستعصمُه إنه قريبٌ مُجيب.

ذكرُ معنى التّفسيرِ والتّأويل والفَرْق بينهما :

اعلم أنّه لا بد لمن أراد هذا العلم من الوُقوف على ذَلِكَ ليعلَمَ ما معنى تفسيرِ كلامِ الله وما نعنى تأويلِ القرآن لذلك قَدَّمنا القول فيه.

والفَسْر إيداءُ الشّيء وإظهاره وكشفُ ما عليه من الغطاء حتى يظهر ما تحته والتفسير على الكثرة والمبالغة، والتَّفْسِرة اسمٌ للدّليل الذي ينظر إليه الأطبّاء ويستدلُّون به على المرض ويقال فَسَرتُ الفرس أَفسُرُه فَسْراً إذ عَدَّيتَه لينطلق حُصْرُه.

وقيل إنه من المقلوب من قولهم : سَفَر والسَّفْر الكشف يقال : سفرتِ المرأة عن وجهها، وسافر فلان إذا انكشف عن الأبنية وخرج إلى الصّحراء، وأسفر الصُّبحُ إذا أضاءَ وسَفَرت الرِّيح التُّراب عن وجه الأرضِ، وسفرتُ البيتَ كنستُه والمِسفَرُ هو المِكنَسُ فيكون سَفَرَ وفَسَرَ مثلُ جذَبَ وجَبَذَ واضمحَلَّ وامضَحَلَّ، فتفسير كلامِ الله تعالى : كشف المنغلقِ من المراد بلفظِهِ وإطلاقِ المحتبسِ عن الفهمِ منه.

وفي الحقيقة يعودُ التّفسير إلى العبارة والتّلاوة والدالَّة على عين الكلام التي وردتْ بلغة العرب فيُفهَمُ عند شرحهِ معاني خطابِه سبحانه من أمره ونهيه وخَبَره واستخبارِهِ.

وأمذا التّأويل فمشتقٌّ من قولهم آلَ الأمر إلى كذا أي صار إليه فأوَّلتُه إذا أصرْتُه إليهِ وعاقبةُ الشّيء سُمِّي تأويلاً قال الله تعالى : {يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ} [الأعراف : من الآية 53] أي يوم يأتي عاقبتهُ ومستقرّه ومنه قوله تعالى : {ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء : 59]، فإذا قيل ما تأويلُ هذا الكلام ؟ فمعناه إلى ماذا تؤولُ العاقبة في المراد بهِ وعلى ماذا يستقرُّ ومعنى تأويل القرآن : أنّ الناظرَ تأمَّله ونظر في معانيه فرجع به إلى ما هو أَولى به.

وفرَّق أبو بكر القفَّال بين التفسير والتأويل بأنّ التفسير : ما يُعلم من اللَّفظ فيكشِفُ ما كان مستُرا في الّلفظ، والتأويل ما يُرجَع في كشفه إلى معنى الكلمة فمثال التفسير إذا تكلَّمنا في قوله :  {الۤـمۤ * ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ}.
فإذا قيل كيف قال : {لاَ رَيْبَ} وقد ارتابَ فيه كثيرٌ من الخلق ؟
فإذا أجبنا عنه بأنّ معناهُ أنه حقٌّ في نفسه صِدقٌ وأنَّ من نَظَر فيه وتدبّر معانيه عَلِم صدقه وانتفى عنه الرَّيب هذا تأويلٌ وهو كما قال الشاعر :

ليس في الحق يا أميمةُ ريبٌ      إنّما الرَّيبُ ما يقول الكَذوب

وأشار الحسين بن الفضل البَجَلي رحمه الله في الفرق بينهما فقال : 

التّفسير ما يتعلّق بالرواية والتأويل ما يتعلق بالدّراية.
وبعضُ أهل اللغة قال التأويل ك هو الإيالة، وهي السِّياسة تقول العربُ التأويلُ علينا أي سُسْنا وساسُنا غيرنا فكأنّ المأوِّل سائسٌ وواضعٌ المعنى فيه موضعه. ويرجع معنى التفسير والتأويل إلى الحروف والعبارة فيُفهَم عند ذلك معنى الكلام ومضمونُ الخِطاب.

ذِكْرُ أسماءِ القرآن

لا بدّ من معرفتها، فمن ذلك الكتابُ وقد سمّى الله سبحانه القرآن كتابا فقال : {الۤـمۤ * ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} وقال : { حـمۤ } * { وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ } [الزخرف] وقال : { كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ} [الزمر:23] والكتاب في اللغة مصدرُ الكتابة يقال : كتبتُ كتابا كما تقول : قمتُ قِياماً وحسبتُ الشيء حِسابا، والكتابة لتوحيد الفعل كما تقول : قَعَدَ قعءدَةً وجلس جَلسَةً، وقيل سُمّي كتابا لأنّه جَمَعَ الحروف على وجهٍ مخصوصٍ وإثبات الحظوظ على نظْمٍ معلوم.


ويقال كتبتُ السقاء إذا خَرَزْتُهُ وضممتُ بعضه إلأى بعض، ومنه قيل للعسكر كتيبة وتكتَّب بنو فلان إذا اجتمعوا، والمَكتَبُ اسمٌ للمكان الذي يجتمع فيه المتعلّمون من الصبيان؛ وكتبتَ الناقة إذا سَدَدْتَ منخريها لئلا تشُمَّ البوّ، وكتبتَ حياءَ البغلة إذا جمعتَ بين شَفريها بحلقةٍ لكي لا تُوطأ.

ثم يُسمّى المكتوبُ كتاباً كما يسمى المشروبُ شراباً والشّراب مصدرٌ وتسمية الشيء باسم المصدر في كلامهم كثير فلمّا كان كلام الله سبحانه تعالى مكتوباً في اللوح المحفوظ، وفي المصاحف سُمي كتابا ثم سُمي محلُّ الكتابة أيضا كتاباً قال الله تعالى :{فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ}[الواقعة : 78] يريد به اللّوح المحفوظ.

والكتاب حركاتٌ تقوم بمحلِّ قدرة الكاتب منا فيَحْدُثُ في الرَّقّ عقيبهُ خطوطٌ مجتمعة تدلُّ على المعنى تارة وقد لا تدلّ فلا يقال لها في الحقيقة كتابة، ثم يكون الكتاب بمعنى القضاء في القرآن قال الله تعالى : {كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي}[المجادلة : 21] وقال : {قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا}[التوبة : 51].

ويكون بمعنى الفرض {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ}[البقرة] : 183] أي فُرض ويكون بمعنى الجعل والخلق كقوله : {كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ} [المجادلة : 22].

ومن ذلك القرآنُ وقد سمّى الله كلامه قرآناً فقال : {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}[الزخرف : 3] وقال :{نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ}[يوسف : 3] وقد اختلفوا في معناه فمنهم من قال :

إنه اسمٌ لكلام الله سبحانه غيرُ مشتقٍّ من معنى سمَّى الله تعالى به كلامه وهذا كما قالوا في اسمه الله على طريقة بعضهم إنه غير مشتقٍّ من معنى ومنهم من قال إنه مشتق من قَرَن ثم الاسم القُرَانُ غير مهموز كما يقال خَرَج والاسم خُرَاجٌ فيكونُ هذا اسماً لقراءة القرآن وتلاوة هذه العبارة سُمي قرآنا لأنه قُرن بعضه إلى بعض، ومنه القؤرانُ في الحجِّ، وهذا باطل لأنّ عينض كلامِ الله تعالى لا يوصَفُ بالاقتران ولأنّه ليس كلُّ ما قُرِن بعضه ببعض قرآناً.

وحكى الإمام أبو بكرِ بن فُورَك رحمه الله عن شيخنا أبي الحسن الأَشعريّ رضيَ الله عنه أنّه قال : {يُسمّى كلامُ الله قرآنا لأنّ العِبارةَ عنه قَرَنَ بعضَه إلى بعض}. ذكره أبو الحسن في بعض كتبه.

وقيل سُمِّي كلام الله قرآنا لأنه مقروء سُمِّي باسم المصدر، والقرآن مصدر القراءة يقال قرأ قرآنا كما يقال : غَفَرَ غُفْرانا وكَفَر كُفْرانا وخَسِر خُسْرانا وأنشد :

ضَحّوا بأمشطَ عُنوان السُّجود       به يقطِّع الّليلَ تسبيحاً وقرآنا

أي قراءةً وتسميةُ الشيء باسم المصدر صحيحٌ كما ذكرناه من تسميتهم المشروب شرابا.

ويقال : هذا الدِّرهم ضرْبُ الأمير أي مضروبه. وهذا هو الصحيح.

وقيل إنما سمي قرآنا لأنه جُمِع بعضه إلى بعض وأُلّفَ بينهما من قولهم قرأ يقرأ إذا جمع تقول العرب ما قَرَأتْ هذه الناقة في رحمها سَلاَءً قطّ أي ما ضمَّت رحمها على ولد قال عمرو بن كلثوم :

تُرِيْكَ إِذَا دَخَلَتْ عَلَى خَـلاَءٍ     وَقَدْ أَمِنْتَ عُيُوْنَ الكَاشِحِيْنَـا
ذِرَاعِـي عَيْطَلٍ أَدَمَـاءَ بِكْـرٍ     هِجَـانِ اللَّوْنِ لَمْ تَقْرَأ جَنِيْنَـا

وقيل لما جمعَ القرآنُ هذه السّور والآيات سُمّي قرآنا، وقيل هو قريتُ الماء في الحوض أي جمعته والمِقراة الحوض، والقِرى الضيافة لأنها مجمع النّاس وأقراه المرأة أطهارها لأنّ الدم يجتمع في ذلك الزمان في الرّحم ولا تُرْخي.

وهذه الأقاويل وإن صحّت من حيث الاشتقاق وتناسبؤ الألفاظ ففي تسمية كلام الله سبحانه وتعالى لا تصحّ على الحقيقة لامتناع كلامه عن قبول الجمع والضمِّ اللهم إلا أن يحمل على العبارة فيكون تسميةُ الكلامِ مجازا. وضَعَّف محمد بن جرير هذا القول بأن قال : لو كان هذا صحيحاً وجب أن يكون ما نزل من القرآن أوَّلاً لا يكون قرآنا ما لم ينزل غيره فيُقرَنَ به ويضمَّ إليه ويجمع بينهما قال وتأويل قوله تعالى :

{فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ}[القيامة : 18] أي اعمل بما بيناه لك بالقراءة، وهذا قول ابن عبّاس، وأبَى أن يكون {قَرَأناهُ} جمعناه قال ومعنى {إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ}[القيامة : 17] أي بيانه.

إرسال تعليق

0 تعليقات