نفحات الطريق  نفحات الطريق
recent

آخر المشاركات

recent
random
جاري التحميل ...
random

حقيقة اليقين وزلفة التمكين / الجيلي (3)


حكايةٌ عن حالٍ واتِّصالٍ مِنْ غيرِ انْفِصالٍ


غَيَّبَني وارِدُ الوقتِ مرَّةً عن الأكوان، وأخرَجني بالكُلِّيَّةِ مِنْ عالَمِ الحدَثانِ، فأشهَدَني صِفاتي، ثمَّ أوجدَني ذاتِي، ثمَّ نَقَلَني مِنِّي إليَّ في أطوارٍ كثيرة هي لي عندي ولَدَيَّ.
فلمَّا قُمْتُ على الصِّراط المستقيم، وحَفِظْتُ شُروطَ ذلك العهدِ القديم، وضَعْتُ لإحدى القدمين في حضرة العين والأُخرى في عالَمِ الأيْنِ، فخاطَبَتِ السُّفْلَى عُلْياها، تَسْتَفْهِمُها هي عن أوْلاها وأُخراهَا.
فقالت لها : يا مَنْ هيَ ذاتي، والموصوفة بصفاتي، بل يا مَنْ أنا ذاتُها واسمُها وصفاتُها، ما لنا مُتَّحِدانِ بالعينِ مُتعدِّدانِ في مقامِ البينِ ؟

قالتِ العُلْيا : لِظُهُورِ ما لنا من المراتب، وبروزِ ما فيها مِنَ المُنافِرِ والمُناسِبِ، لِنَجْمَعَ مقامَ الأشْفاع والأوتارِ، ونستوعبَ كمالَ الوحدَةِ والاستكثار، وما ذاك إلاّ عبارةٌ عن شؤُوني الذاتيَّة، ظَهَرَت على مقتضى أحكامي الصِّفاتيَّة، فهي كالأمواج وأنا البحر العَجَّاجُ. 
فقالت السُّفلى : فما الحكمة في الفرق ما بيني وبينك ؟
قالت العليا : ليمتاز حُكْمُ عيني مِنْ حُكْمِ عينِكِ.
قالت السُّفلى : أما العينان عينٌ ؟ فمِنْ أين الفَرْقُ في البَيْنِ ؟
قالت العليا : نعَمْ نحن عينٌ واحدة بالذَّات، متعدِّدةٌ بالأسماءِ والصِّفات.
فقالت السُّفلى : فَلِمَ لا يكون لي في وَحدَةِ العين مالك ؟ وكيف تمتازينَ بالقُدْرَةِ دوني في أفعالكِ ؟
قالت العُليا : لأنَّكِ تكونين في الوحدَةِ بما يقتضيه حُكْمُ الكَثْرَةِ، فلو كنتِ في وَحدَتِنا بِحُكْمِ مَشْهَدِنا من غير علَّةٍ ولا تمييزٍ لَقُمْتِ بالقُدْرَة من غير تكلُّفٍ ولا تعجيزٍ.
قالت السُّفلى : أنا أشْهَدُ أنك أنِّي، ومعَ ذلك لا يبلُغُ فَنُّكِ فَنِّي.
قالت العُليا : ذلك الشُّهود هو الذي أقْصاك، ومَنَعك مِن بُلُوغِ قُصْواكِ، لأنَّ شُهُود الاثنينِ واحِداً يقضي بإثْنَيْنِيَّةٍ وحِجابٍ لمن كان مُشاهداً. 
فقالت السُّفلى : فما العملُ ؟ 
قالت العُليا : تَرْكُ الخَطاءِ والخَطَلِ، في وفاءِ شروطِ أحكامِ أمرِ عِلَّةِ العِلَلِ.
قالت السُّفلى : قد فَهِمْتُ بعضَ ما أشَرْتِ إليه، فَزِدْني إيضاحاً لعَلِّيَ أتمكَّنُ لديه.
قالت العُليا : هذا ميزاني، فيه جميعُ تلك المعاني، فزِنِي فيه نُورَ شَمسِكِ، واسْقِطي غَيْرَكِ بإثباتِ نَفْسِكِ، يَظْهَرُ لكِ السِّرُّ المَصونُ، وينكشفُ لك عَنْ عالَمِ الكافِ والنُّونِ.
فقالت السُّفلى : كيفَ ؟
قالت العُليا : بِلا حَيْفٍ ولا رَيْفٍ.
فقالت السُّفلى : ثَبَّتْنَا.
قالت العُليا : سَقَطْنَا.
فلمَّا تخاطَبَا قُدَّامِي بهذا الخِطابِ، فُتِحَ لي في الأُفُقِ الأعْلَى ذلك البابُ، فوَلَجْتُ في عالَمي، وعَقَدْتُ حَوَّائِي بِآدَمِي.



عن الكاتب

حسن بن أحمد

التعليقات



إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد الموقع أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة

نفحات الطريق

2016