الاثنين، 3 ديسمبر 2018

حقيقة اليقين وزلفة التمكين / الجيلي

حقيقة اليقين وزلفة التمكين / الجيلي


كتاب : حقيقة اليقين وزلفة التمكين
المؤلف : عبد الكريم الجيلي


حمداً لله لصفاته، توحيداً بذاته، فهو الواحد لا عن توحيد، والمحمود قبل الحمد والتَّحميد. 
أحمدُهُ حمد صفاته لذاته، وأوخحِّدُ توحيد ذاته في صفاته، فأشهد أنه الشاهدُ بأنه الفرد الواحد، الأحدث بالعينِ، المقدَّس عن الحلول في تجليِّه بكل أين.

وأشهد أن محمدا صلى الله عليه وسلم قطب رحا الموحدين ونقطة دائرة المحققين ومحيط مركز المقربين، المتكلم بلسان الجمعية الكبرى صاحب مقام قاب قوسين أو أدنى، قلب الوجود وروح كل موجود، سر الله المدغم، وطراز الثوب المغلم، خلاصة الصورة والمعنى، صاحب الإحصاء الحقيقي للأسماء الحسنى،صلى الله عليه صلاته الأسنى، وسلَّم سلامه الأكمل الأهنى، وعلى آله وصحبه أهل الفِخَارِ صورةً ومعنى.

أما بعد : فإن التوحيد عظيم شأنه عال مكانه، لا يحظى بحقيقته إلا أهل الكمال ولا يبلغ إلى شأوه إلا أفراد الرجال، قد أقر الكل بالعجز عن مداه البعيد، واعترف الملأ الأعلى بالقصور عن ذروته العالي المجيد، فالمحققون حول حماه يحومون، والعارفون فى لجةٍ من لجج بحاره غارقون، وبالجملة فقد قال الله تعالى : (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ)  قَلَّ أن يسلمَ من الغرق فى تياره السابح وبَعُدَ أن ينجو فى مُفَاوزة السائح قِفاره مزروعة بالموانع، وبحاره مُتموجِّة بالقواطع، لا يسعُ الجاهل أن يستجيرَ منه، ولا يصح جواب العالم فيه أن يجيب عنه، الفصيح فيه الكن خافت، والناطق عنه أخرس صامت ليس مع الجميع منه سوى اسمه ،ولا يصل الواصلون إلا إلى القشر من رسمه، 
اللهم إلا عبد أفناه التوحيد عن توحيده، وجرده الوجود عن تجريده، فانطمست كثرته فى تفريده وأشرقت شمس واحديته فى تعديده، قد وحد الحق ذاته عنه، وأوصل بصفة البقاء إليه بعد الفناء لطيفة منه، فيصح قول القائل:
توحيدُهُ إيَّاهُ توحيدُهُ فهو الواحد الموحِّد لنفسه، تعالَتْ واحدِيَّتُهُ سبحانه عن التوحيد في التوحيد فى قدسه.



ما أفرَدَ الواحدُ ذو تفريد          إلاَّ وقد أَشركَ فى التَّوحيدِ
فالواحدُ الفردُ فمُستغنٍ عن       التَّوحيد والتَّفريد والتَّجريد
توحيدُهُ منك أو لِإثْنَيْنِيَة           فتعالى الفريد عن التفريد
إن وحَّدَ الواحدُ ذاتَهُ فما          ذالك كافٍ لا ولا بالمفيد
وإن أقُل يوماً بتوحيدي له       أشركتُ فى توحيدِه بوجود
فإنى مكلَّفٌ توحيدًهُ               فكيف قل لي بلغة المقصود
ما ذاك إلا أنه عيني بلا         شركٍ وعين سائر الموجود
فالواحد الفردُ أنا وهو كذا      وحدتُنا لا وحدَةُ التَّعديد
بل وحدةٌ فى وحدةٍ أحديَّةٍ       قد نُزِّهَتْ عن كثرةٍ ومزيدِ
لا عن وجُودٍ سابقٍ أو حادِثٍ  كلاَّ ولا عن منظرٍ وشُهودِ
بل حالةٌ أزليَّةٌ كانت لنا         شأناً بلا عِللٍ ولا تقييدِ

الجوهر الأول 

اعلم وفقنا الله وإياك أن الموحد من كان توحيده لا عن علَّة ولا لسبب ولا واسطة، بل الموحِّدُ من التوحيد لمن التوحيد شأنه فعلاً وحالاً وعلماً ومقالاً غير مقيَّد بمشهدٍ دون مشهد، ولا مخصَّصٍ بمنظَرٍ أو اسم أو صفة أو نعت، بل توحيدُهُ وحدَة الشىء لشيئيته التى يستحيل فيها التعدُّد فافهم.

العَرْضُ المُفارقُ 


سألتُ فى البداية وارد الوقت عن حالة ولي من الأولياء فى التوحيد فلم أسمع جواباً غير أنه ليس حالةً، وَجَدَتها شأن التَّخصيص بذاتي فوجدتُ نِسبَة الموجودات إلى ذاتي كنسبة شُعاع الشمس إلى الشمس، فنادانى الواردُ قبل أن ليس ذلك المشهد منى، هذا هو التوحيد فلا نُجيبُ سائلاً عنه بالمقال، فإنما يصحُّ الجواب عنه بالحال. فعلمتُ أنَّ الرجلَ كان من أهل حقيقة التَّوحيد رضى الله عنه.

فَضْلٌ

لابدَّ من الفناء عن الوجود أوَّلاً، ثم عنك ثانياً. فبفنائك عن الموجودات تحصلُ فى مقام الشُّهود. وبفنائك عنك ترتقَّي إلى مقام الوجودِ. فإذا فنيتَ عن فنائك أبقاك به على أنك عينُهُ، فتراكَ معدوم من حيث حقيقته، موجود من حيث حقيقتك، تتجلَّى بالأسماء والصفات كما هى لذَاتكَ بحُكمِ الأصالة والمُلْكِ لا بالتبعيَّة ولا بالنَّظرِ إلى الحقيقة، بل نسبة الكمالات كلها إليك كنسبة الصفات إلى الذَّات، ولم تزل تُسايرُ هذه المعنى حتى تَفْقُدَهُ فلا تجدُ سواك، وحينئذٍ يكشفُ لك في باطنك عن مواقع نجوم الأزل من سماء عِلَّة العِلَل بلا واسطةِ اسمٍ ولا صفة ولا نسبةٍٍ، بل وجودُكَ لمعانيك الباطنة عن كل موجود سواك، فإذا وجدتَ ذلك منك لك فيك فأنت الموحد الواحد.


Rea es:
شارك هذا

الكاتب:

0 coment rios: