recent

آخر المشاركات

recent
random
جاري التحميل ...
random

أخبار الحلاج ابن الساعي

أخبار الحلاج ابن الساعي


عن إبراهيم بن فاتك قال: لما أُتي بالحسين بن منصور ليصلب رأى الخشبة والمسامير فضحك كثيراً حتى دمعت عيناه. ثم التفت إلى القوم فرأى الشبلي فيما بينهم فقال له: يا أبا بكر هل معك سجادتك. فقال:
بلى يا شيخ. قال: افرشها لي. ففرشها فصلى الحسين بن منصور عليها ركعتين وكنت قريباً منه. فقرأ في الأولى فاتحة الكتاب وقوله تعالى : "لنبلونكم بشيءٍ من الخوف والجوع" الآية، وقرأ في الثانية فاتحة الكتاب وقوله تعالى "كل نفس ذائقة الموت" الآية، فلما سلم عنها ذكر أشياء لم أحفظها وكان مما حفظته: اللهم إنك المتجلي عن كل جهة، المتخلي من كل جهة. بحق قيامك بحقي، وبحق قيامي بحقك. وقيامي بحقك يخالف قيامك بحقي. فإنّ قيامي بحقك ناسوتيّة، وقيامك بحقي لاهوتيّة. وكما أنّ ناسوتيّتي مستهلكة في
لاهوتيّتك غير ممازجة إياها فلاهوتيتك مستولية على ناسوتيتي غير مماسّة لها. وبحق قِدَمك على حدثي، وحق حدثي تحت ملابس قدمك، أن ترزقني شكر هذه النعمة التي أنعمت بها عليّ حيث غيّبت أغياري عمّا كشفت لي من مطالع وجهك وحرمت على غيري ما أبحت لي من النظر في مكنونات سرّك، وهؤلاء عبادك قد اجتمعوا لقتلي تعصّباً لدينك وتقرّباً إليك. فاغفر لهم، فإنك لو كشفت لهم ما كشفت لي لَما فعلوا ما فعلوا، ولو سترت عني ما سترت عنهم لَما ابتّليت . فلك الحمد فيما تفعل ولك الحمد فيما تريد، ثم سكت وناجى سراً. فتقدم أبو الحارث السياف فلطمه لطمةً هشم أنفه وسال الدم على شيبه. فصاح الشبليّ ومزق ثوبه وغشى على أبي الحسين الواسطيّ وعلى جماعة من الفقراء المشهورين.وكادت الفتنة تهيج ففعل أصحاب الحرس ما فعلوا.

ذكر عن قاضي القضاة أبي بكر بن الحدّاد المصريّ قال: لمّا كانت الليلة التي قُتل في صبيحتها الحلاّج قام واستقبل القبلة متوشحاً بردائه ورفع يديه وتكلم بكلام كثير جاوز الحفظ. فكان مما حفظته منه أن قال: نحن بشواهدك نلوذ. وبسنا عزتك نستضيء، لتبدي ما شئت من شأنك. وأنت الذي في السماء عرشك، وأنت "الذي في السماء إله وفي الأرض إله". تتجلى كما تشاء مثل تجلّيك في مشيئتك كأحسن صورة، والصورة فيها الروح الناطقة بالعلم والبيان والقدرة والبرهان. ثم أوعزتَ إلى شاهدك الأنيّ في ذاتك
الهويّ . كيف أنت إذا مثّلت بذاتي، عند عقيب كرّاتي، ودعوت إلى ذاتي بذاتي، وأبديت حقائق علومي ومعجزاتي، صاعداً في معارجي إلى عروش أزلياتي، عند القول من بريّاتي. إني أُخذت وحُبست وأُحضرت وصُلبت وقُتلت وأُحرقت واحتملت السافيات الذاريات أجزائي. وإنّ لذرّةً من ينجوج مظانَّ هاكول متجليّاتي أعظم من الراسيات. ثم أنشأ يقول:

أنعي إليك نفوساً طاح شاهدُها       فيما ورا الحيثِ بل في شاهد القِدَمِ
أنعي إليك قلوباً طالما هطَلت      سحائبُ الوحي فيها أبحَرَ الحِكَمِ
أنعي إليك لسانَ الحقّ مذ زَمَنٍ    أوْدَى وتذكارُه في الوهمِ كالعدمِ
أنعي إليك بياناً تستكين له          أقوالُ كلّ فصيحٍ مقوَّلٍ فَهِمِ
أنعي إليك إِشاراتِ العقول معاً     لم يبقَ منهن إِلاّ دارس الرِمَمِ
أنعي وحبُّك أخلاقاً لطائفةٍ     كانت مطاياهم من مَكمِد الكَظَمِ
مضى الجميع فلا عين ولا أثر    مُضِيَّ عادٍ وفُقدانَ الأُلي إِرمِ
وخلّفوا معشراً يحذون لُبسَهم     أعمى من البَهْمِ بل أعمى من النَعَمِ

وقال إبراهيم بن فاتك: دخلت يوماً على الحلاّج في بيت له على غفلة منه فرأيته قائماً على هامة رأسه وهو يقول: يا من لازمني في خلَدي قرباً، وباعدني بعد القِدم من الحدث غيباً. تتجلّى عليَّ حتى ظننتك الكل، وتسلَب عنّي حتى أشهد بنفيك. فلا بُعدك يبقى، ولا قُربك ينفع، ولا حربك يغني، ولا سِلْمك يؤمن. فلمّا أحسَّ بي قعد مستوياً وقال: أدخل ولا عليك. فدخلت وجلست بين يديه، فإذا عيناه كشعلتي نار. ثم قال: يا بنيَّ إنّ بعض الناس يشهدون لي بالكفر، وبعضهم يشهدون لي بالولاية. والذين يشهدون عليَّ بالكفر أحبُّ إليّ وإلى االله من الذين يقرّون لي بالولاية. فقلت: يا شيخ ولِمَ ذلك. فقال: لأنّ الذين يشهدون لي بالولاية من حُسن ظنهم بي. والذين يشهدون عليَّ بالكفر تعصُّباً لدينهم، ومن تعصَّب لدينه أحبّ إلى االله ممَّن أحسن الظن بأحدٍ. ثم قال لي: وكيف أنت يا إبراهيم حين تراني وقد صُلبت وقُتلت وأحرقت وذلك أسعد يوم من أيام عمري جميعةً. ثم قال لي: لا تجلس واخرج في أمان االله.

وعن الشيخ إبراهيم بن عمران النيلي أنه قال: سمعت الحلاج يقول: النقطة أصل كل خط، والخط كله نقط مجتمعة. فلا غنى للخط عن النقطة، ولا للنقطة عن الخط. وكل خط مستقيم أو منحرف فهو متحرك عن النقطة بعينها، وكل ما يقع عليه بصر أحد فهو نقطة بين نقطتين. وهذا دليل على تجلّي الحق من كل ما يُشاهد وترائيه عن كل ما يُعايِن. ومن هذا قُلت: ما رأيت شيئاً إلاّ ورأيت االله فيه.
وعن بن الحدّاد المصري قال: خرجت في ليلة مُقمرة إلى قبر أحمد بن حنبل رحمه االله، فرأيت هناك من بعيد رجلاً قائماً مستقبلاً القبلة. فدنوت منه من غير أن يعلم، فإذا هو الحسين بن منصور وهو يبكي ويقول: يا من أسكرني بحُبِّه، وحيَّرني في ميادين قُربه، أنت المنفرد بالقِدَم، والمتوحِّد بالقيام على مقعد الصدق، قيامك بالعدل لا بالاعتدال، وبُعدك بالعزل لا بالاعتزال، وحضورك بالعلم لا بالانتقال، وغيبتك بالاحتجاب لا بالارتحال. فلا شيء فوقك فيظلَّك، ولا شيء تحتك فيقلّك. ولا أمامك شيء فيجدك، ولا وراءَك شيء فيدركك. أسئلك بحرمة هذه الترب المقبولة والمراتب المسئولة، أن لا تردني إليّ بعد ما اختطفتني مني، ولا تريني نفسي بعد ما حجبتها عنّي، وأكثر أعدائي في بلادك، والقائمين لقتلي من عبادك. فلمّا أحسَّ بي التفت وضحك في وجهي ورجع وقال لي: يا أبا الحسن، هذا الذي أنا فيه أوَّل مقام المريدين. فقلت تعجّباً: ما تقول يا شيخ، إن كان هذا أول مقام المريدين فما مقام من هو فوق ذلك؟ قال: كذبت هو أول مقام المسلمين لا بل كذبت هو أول مقام الكافرين. ثم زعق ثلث زعقات وسقط وسال الدم من حلقه. وأشار إليّ بكفّه أن أذهب، فذهبت وتركته. فلما أصبحت رأيته في جامع المنصور فأخذ بيدي ومال بي إلى زاوية وقال: باالله عليك لا تعلم أحداً بما رأيت مني البارحة.
وعن أبي إسحق إبراهيم بن عبد الكريم الحلواني قال: خدمت الحلاّج عشر سنين وكنت من أقرب الناس إليه. ومن كثرة ما سمعت الناس يقولون فيه ويقولون إنه زنديق توهمت في نفسي فأخبرته. فقلت له يوماً:يا شيخ أريد أن أعلم شيئاً من مذهب الباطن. فقال: باطن الباطل أو باطن الحق؟ فبقيت متفكراً فقال:أمّا باطن الحقّ فظاهره الشريعة، ومن يحقق في ظاهر الشريعة ينكشف له باطنها، وباطنها المعرفة باالله.
وأما باطن الباطل فباطنه أقبح من ظاهره. وظاهره أشنع من باطنه، فلا تشتغل به. يا بني أذكر لك شيئاً من تحقيقي في ظاهر الشريعة. ما تمذهبتُ بمذهب أحد من الأئمة جملةً وإنما أخذت من كل مذهب أصعبه وأشدّه وأنا الآن على ذلك. وما صلّيتُ صلوة الفرض قطُّ إلا وقد اغتسلت أولاً ثم توضّأت لها. وها أنا ابن سبعين سنة وفي خمسين سنة صلّيت صلاة ألفي سنة، كل صلاة قضاء لما قبلها.
وقال إبراهيم الحلوانيّ: دخلت على الحلاج بين المغرب والعشاء فوجدته يصلّي. فجلست في زاوية البيت كأنه لم يحسّ بي لاشتغاله بالصلاة. فقرأ سورة البقرة في الركعة الأولى وفي الركعة الثانية آل عمران. فلما سلّم سجد وتكلّم بأشياء لم أسمع بمثلها. فلمّا خاض في الدعاء رفع صوته كأنه مأخوذ عن نفسه ثم قال: يا إله الآلهة، ويا ربّ الأرباب، ويا من "لا تأخذه سِنةٌ ولا نوم "رد إليّ نفسي لئلا يفتنن بي عبادك. يا هو أنا وأنا هو، لا فرق بين أنيتي وهويتك إلاّ الحدث والقِدم. ثم رفع رأسه ونظر إليّ وضحك في وجهي ضحكات، ثم قال: يا أبا إسحق أما ترى أن ربّي قِدمه في حدثي حتى استهلك حدثي في قدمه، فلم يبقَ لي صفة إلاّ صفة القديم، ونُطقي في تلك الصفة. والخلق كلّهم أحداث ينطقون عن حدث. ثم إذا نطقتُ عن القدم ينكرون عليَّ ويشهدون بكفري ويسعون إلى قتلي. وهم بذلك معذورون، بكل ما يفعلون بي مأجورون.
وقال الحلواني: كنت مع الحلاج وثلثة نفر من تلاميذه وواسطت قافلتي من واسط إلى بغداد. وكان الحلاّج يتكلم فجرى في كلامه حديث الحلاوة. فقلنا: على الشيخ الحلاوة. فرفع رأسه وقال: يا من لم تصل إليه الضمائر، ولم تمسه شبه الخواطر والظنون، وهو المترائي عن كل هيكل وصورة، من غير مماسة ومزاج. وأنت المتجلّي عن كل أحد، والمتحلي بالأزل والأبد. لا توجد إلاّ عند اليأس، ولا تظهر إلا حال الالتباس. إن كان لقربي عندك قيمة، ولإعراضي لديك عن الخلق مزية، فائتنا بحلاوة يرتضيها أصحابي. ثم مال عن الطريق مقدار ميل فرأينا هناك قطعاً من الحلاوة المتلونة، فأكلنا ولم يأكل منه. فلمّا استوفينا ورجعنا خطر ببالي سوء ظن بحاله، وكنت لا أقطع النظر عن ذلك المكان وحافظته أحوَط ما يحافظ مثله. ثم عدلت عن الطريق للطهارة وهم ذاهبون، ورجعت إلى المكان فلم أرَ شيئاً. فصلّيت ركعتين وقلت: اللهم خلّصني من هذه التهمة الدنية. فهتف لي هاتف: يا هذا أكلتم الحلاوة على جبل قاف وتطلب القِطَع ههنا أحسن همّك، فما هذا الشيخ إلاّ ملك الدنيا والآخرة.
وعن علي بن مردويه قال: سمعت الحسين بن منصور قد سلّم عن الصلوة فقال: اللهم، أنت الواحد الذي لا يتم به عدد ناقص، والأحد الذي لا تدركه فطنة غائض، وأنت "في السماء إِله الأرض إِله" أسئلك بنور وجهك الذي أضاءت به قلوب العارفين، وأظلمت منه أرواح المتمردين، وأسئلك بقدسك الذي تخصصت به عن غيرك، وتفرَّدت به عمَّن سواك، أن لا تَسرحني في ميادين الحيرة، وتنجيني من غمرات التفكّر، وتوحشني عن العالم، وتؤنسني بمناجاتك، يا أرحم الراحمين. ثم سكت ساعةً وترنّم، ورفع صوته في ذلك الترنّم وقال: يا من استهلك المحبّون فيه، واغترَّ الظالمون بأياديه. لا يبلغ كنه ذاتك أوهام العباد، ولا يصل إلى غاية معرفتك أهل البلاد. فلا فرق بيني وبينك إلاّ الالهية والربوبية. وكانت عيناه في خلال الكلام تقطر دماً. فلمّا التفت إلي ضحك فقال: يا أبا الحسن خذ من كلامي ما يبلغ إليه علمك، وما أنكره علمك فاضرب بوجهي ولا تتعلّق به، فتضلّ عن الطريق.
وعن أبي الحسن علي بن أحمد بن مردويه قال: رأيت الحلاج في سوق القطيعة ببغداد باكياً يصيح: أيها الناس أغيثوني عن االله، ثلاث مرات، فإنه اختطفني منّي وليس يردّني علي ، ولا أطيق مراعاة تلك الحضرة، وأخاف الهجران فأكون غائباً محروماً. والويل لمن يغيب بعد الحضور، ويهجر بعد الوصل. فبكى الناس لبكائه حتى بلغ مسجد عتاب فوقف على بابه وأخذ في كلامٍ فهم الناس بعضه وأشكل عليهم بعضه. فكان مما فهمه الناس أنه قال: أيها الناس. إنه يحدّث الخلق تلطّفاً فيتجلّى لهم، ثم يستتر عنهم تربيةً لهم.
فلولا تجليه لكفروا جملةً، ولولا ستره لفُتنوا جميعاً، فلا يديم عليهم إحدى الحالتين. لكني ليس يستتر عني لحظةً فأستريح حتى استهلكت ناسوتيتي في لاهوتيته وتلاشى جسمي في أنوار ذاته، فلا عين لي ولا أثر، ولا وجه ولا خبر. وكان مما أشكل على الناس معناه أنه قال: إعلموا أن الهياكل قائمة بياهوه، والأجسام متحرّكة بياسينه، والهو والسين طريقان إلى معرفة النقطة الأصلية. ثم أنشأ يقول:

عقْد النبوةِ مِصباح من النورِ .... معلَّقُ الوحيِ في مِشكاة تأمورِ
بااللهِ ينْفَخُ نَفْخُ الروحِ في خَلَدي.... لِخَاطِرِي نَفْخَ إسرافيلَ في الصورِ
إذا تجلّى بِطوري أن يكلّمني .... رأيتُ في غَيبتي موسى على الطُورِ

وقال عبد الكريم بن عبد الواحد الزعفراني: دخلت على الحلاج وهو في مسجد وحوله جماعة وهو يتكلم فأول ما اتصل بي من كلامه أنه قال: لو أُلقي مما في قلبي ذرة على الأرض لذابت، وإنيّ لو كنت يوم القيامة في النار لأُحرقت النار، ولو دخلت الجنة لانهدم بنيانها. ثم أنشأ يقول:

عجِنتُ لِكلّي كيف يحملُه بعضِي .... ومِن ثِقلِ بعضي ليس تحملني أرضي
لئن كان في بسطٍ من الأرض مضجع ٌ .... فقلبي على بسطٍ من الخَلق في قبضِ

وقال أحمد بن أبي التح بن عاصم البيضاوي: سمعت الحلاج يملي على بعض تلامذته: إن االله تبارك وتعالى وله الحمد ذات واحد قائم بنفسه، منفرد عن غيره بقدمه، متوحد عمّن سواه بربوبيته. لا يمازجه شيء، ولا يخالطه غير، ولا يحويه مكان، ولا يدركه زمان، ولا تقدره فكرة، ولا تصوره خطرة، ولا تدركه نظرة، ولا تعتريه فترة. ثم طاب وقته وأنشأ يقول:

جنوني لك تقديسُ ........ وظنّي فيك تهويسُ
وقد حيّرني حبُّ .... وطَرفٌ فيه تقويسُ
وقد دلّ دليلُ الحُبّ .... أن القرب تلبيسُ

ثم قال: يا ولدي، صُن قلبك عن فكره، ولسانك عن ذكره، واستعملهما بإدامة شكره. فإن الفكرة في ذاته والخطرة في صفاته والنطق في إثباته، من الذنب العظيم والتكبُّر الكبير.
وعن أبي نصر أحمد بن سعيد الاسبينجاني يقول: سمعت الحلاج يقول: ألزم الكلّ الحدث لأن القدم له. فالذي بالجسم ظهوره فالعرض يلزمه، والذي بالإرادة اجتماعه فقواها تمسكه، والذي يؤلّفه وقت يفرقه وقت. والذي يقيمه غيره فالضرورة تمسه، والذي الوهم يظفر به فالتصوير يرتقي إليه. ومن آواه محلّ أدركه أين. ومن كان له جنس طالبه كيف. إنه تعالى يظلّه فوق، ولا يقلّه فوق، ولا يقلّه تحت، ولا يقابله حد ، ولا يزاحمه عند، ولا يأخذه خلف، ولا يحدّه أمام، ولا يظهره قبل. ولا يُفيته قبل. ولا يُفيته بعد. ولا يجمعه كلّ، ولا يوجده كان، ولا يُفقده ليس. وصفُه لا صفة له، وفعله لا علة له، وكونه لا أمد له. تتره عن أحوال خلقه، ليس له من خلقه مزاج، ولا في فعله علاج. باينهم بِقدمه كما باينوه بحدوثهم. إن قلت متى فقد سبق الوقت كونه، وإن قلت هو فالهاء والواو خلقه، وإن قلت أين فقد تقدم المكان وجوده، فالحروف آياته، ووجوده إثباته، ومعرفته توحيده، وتوحيده تمييزه من خلقه، ما تصور في الأوهام فهو بخلافه. كيف يحلّ به ما منه بدأ، أو يعود ما هو أنشأه. لا تماثله العيون، ولا تقابله الظنون.
قُربه كرامته، وبعده إهانته، علوه من غير توقُّل، ومجيئه من غير تنقُّل. "هو الأول والآخر والظاهر والباطن" القريب البعيد "ليس كمثله شيء وهو السميع البصير".
عن يونس بن الخضر الحلواني قال: سمعت الحلاّج يقول: دعوى العلم جهل، توالي الخدمة سقوط الحرمة. الاحتراز من حربه جنون، الاغترار بصلحه حماقة. النطق في صفاته هوس. السكوت عن ثباته خرس. طلب القرب منه جسارة، والرضى ببعده من دنائه الهمة.
عن موسى بن أبي ذر البيضاوي قال: كنت أمشي خلف الحلاج في سكك البيضاء فوقع ظلّ شخص من بعض السطوح عليه، فرفع الحلاج رأسه فوقع بصره على امرأة حسناء فالتفت إليّ وقال: ستَرى وبالَ هذا علي ولو بعد حين. فلما كان يوم صلبه كنت بين القوم أبكي فوقع بصره علي من رأس الخشبة فقال: يا موسى. مَن رفع رأسه كما رأيت وأشرف إلى ما لا يحلّ له أُشرِف على الخلق هكذا وأشار إلى الخشبة.
وعن أبي الحسن الحلواني قال: حضرت الحلاج يوم وقعته فأُتي به مسلسلاً مقيَّداً وهو يتبختر في قيده وهو يضحك ويقول:

نديمي غير منسوبٍ .... إلى شيءٍ من الحيفِ
دعاني ثم حياني ...... كفعل الضيفِ بالضيفِ
فلمّا دارتِ الكأس .... دعا بالنطع والسيفِ
كذا من يشرب الراح ..... مع التنينِ في الصيفِ

وعن أبي بكر الشبلي قال: قصدت الحلاج وقد قُطعت يداه ورجلاه وصلب على جذع فقلت له: ما التصوف. فقال: أهون مرقاة منه ما ترى. فقلت له: ما أعلاه. فقال: ليس لك به سبيل، ولكن سترى غداً، فإنّ في الغيب ما شهدته وغاب عنك. فلما كان وقت العشاء جاء الإذن من الخليفة أن تضرب رقبته. فقال الحرس: قد أمسينا: نؤخر إلى الغد. فلما كان من الغد أُنزل من الجذع وقُدم لتضرب عنقه فقال بأعلى صوته: حسب الواحد إفراد الواحد له. ثم قرأ "يستعجل ا الذين لا يؤمنون ا والذين آمنوامشفقون منها ويعلمون أنها الحق" الآية. وقيل هذا آخر شيء سُمع منه. ثم ضربت عنقه ولفَّ في بارية وصُبَّ عليه النفط وأُحرق وحمل رماده على رأس منارة لتنسفه الريح.
عن أبي محمد الجسري قال: رأيت الجنيد ينكر على الحلاّج وكذلك عمرو بن عثمان المكي وأبو يعقوب النهرجوري وعلي بن سهل الأصبهاني ومحمد بن داود الأصبهاني وأما أبو يعقوب فقد رجع عن إنكاره في آخر عمره. وأما عمرو بن عثمان فكان علّة إنكاره أن الحلاج دخل مكة ولقي عمراً فلما دخل عليه قال له: الفتى من أين. فقال الحلاج. لو كانت رؤيتك بالله لرأيت كل شيء مكانه فإن االله تعالى يرى كل شيء. فخجل عمرو وحَرِد عليه ولم يُظهر وحشته حتى مضت مدّة. ثم أشاع عنه أنه قال: يمكنني أن أتكلم بمثل هذا القرآن. وأما علي بن سهل فدخل الحلاج أصفهان وكان علي بن سهل مقبولاً عند أهلها فأخذ علي بن سهل يتكلم في المعرفة فقال الحسين بن منصور: يا سوقي ، تتكلم في المعرفة وأنا حي . فقال علي بن سهل: هذا زنديق. فاجتمعوا عليه وأخرجوه منها. وأما الجنيد فكنت عنده إذ دخل شاب حسن الوجه والمنظر وعليه قميصان وجلس سويعةً ثم قال للجنيد: ما الذي يصدُّ الخلق عن رسوم الطبيعة ؟!. فقال الجنيد: أرى في كلامك فضولاً أي خشبة تفسدها . فخرج الشاب باكياً وخرجت على أثره وقلت: رجل غريب قد أوحشه الشيخ. فدخل المقابر وقعد في زاوية ووضع رأسه على ركبته. فرأيت صديقاً لي فقلت له: رأيت بالعجلة شيئاً من الشواء والفالوذج والسكر وخبزاً حواري وماء مبرداً والخَلال وقدراً من الأشنان وأنا في الموضع الفلانيّ. فأتيت الشاب وجلست بين يديه أُلاطفه وأُداريه حتى جاء بما التمست منه فوضعته بين يديه وقلت له: تفضّل. فمدَّ يده وتناول. ثم قلت: الفتى من أين. قال: من بيضاء فارس إلاّ أنني ربيت بالبصرة. فاعتذرت منه للجنيد فقال: ليس له إلاّ الشيخوخة وإنما منزلة الرجال تُعطى ولا تتعاطى. وأمّا محمد بن داود فكان فقيهاً والفقيه من شأنه الإنكار على التصوف. إلا ما شاء االله.

أبو يعقوب النهرجوري قال: دخل الحسين بن منصور مكّة في المرة الثانية ومعه أربعمائة رجل. فلمّا وصلوا إلى مكة تفرَّقوا عنه وبقى معه شرذمة قليلة. فلما أمسوا قلت له: دبّر في عشاء القوم. فقال: أخرج بهم إلى أبي قبيس. فخرجت بهم ومعنا ما نفطر عليه. فلما أكلنا قال الحلاج: ألا تأكلون الحلاوة. قلنا: قد أكلنا التمر. فقال: أريد شيئاً مسته النار. فغاب لحظة ثم رجع ومعه طبق عليه من الحلواء شيء كثير. فوقع في قلبي شبهة فأمسكت من الحلواء قطعة ودخلت السوق فأريتها الحلوائيين فلم يعرفوها. فقالوا: هذه لا تتخذ بمكة. فرأيت امرأة طباخة فأريتها فقالت: هذه تتخذ بزبيد ولكن لا يمكن حملها ولا أدري كيف حَملت. فتأكدت تلك الشبهة. وكانت المرأة عازمة على الخروج إلى زبيد فأوصيتها أن تفحص وتسأل الحلوائيين هل ضاع لأحد منهم طبق حلواء. فلما كان بعد أيام كاتبتني أنّ أحد الحلوائيين بزبيد ضاع له طبق حلواء فتيقنت أنه ساحر ليس يحترز من المظالم. حتى ورد علي كتاب آخر من المرأة أن الحسين بن منصور نفذ إلى الحلوائي ثمن الحلواء وقيمة الطبق وأكثر من ذلك. فزال من قلبي الإنكار عليه وعلمت أنّ ذلك من كراماته.
قال أحمد بن فاتك: لما قُطعت يدا الحلاج ورجلاه قال: إلهي أصبحت في دار الرغائب، أنظر إلى العجائب. إلهي إنك تتودّد إلى من يؤذيك، فكيف لا تتودّد إلى من يُؤذَى فيك.
عن أبي يعقوب النهرجوري قال: دخل الحلاج مكة أول دخله وجلس في صحن المسجد سنةً لم يبرح من موضعه إلاّ للطهارة والطواف ولم يحترز من الشمس ولا من المطر. وكان يحمل إليه في كل عشية كوز ماء وقرص من أقراص مكة، وكان عند الصباح يرى القرص على رأس الكوز وقد عضّ منه ثلث عضّات أو أربعاً فيحمل من عنده.
وقال أحمد بن فاتك: كنا بنهاوند مع الحلاج وكان يوم النيروز فسمعنا صوت البوق فقال الحلاج: أي شيء هذا. فقلت: يوم النيروز. فتأوّه وقال: متى نُنَورز. فقلت: متى تعني. قال: يوم أُصلب. فلما كان يوم صلبه بعد ثلاث عشرة سنةً نظر إليّ من رأس الجذع وقال: يا أحمد نورِزنا. فقلت: أيها الشيخ. هل أُتحفت . قال: بلى أُتحفت بالكشف واليقين، وأنا مما أُتحفت به خَجِل غير أني تعجلت الفرح.
وعن أحمد بن كوكب بن عمر الواسطي قال: صحبت الحلاج سبع سنين فما رأيته ذاق من الأُدم سوى الملح والخلّ، ولم يكن عليه غير مرقّعة واحدة وكان على رأسه برنس. وكلما فُتح عليه بإزار قبله وآثر به. ولم ينم الليل أصلاً إلاّ سويعةً من النهار.
عن خوراوزاد بن فيروز البيضاوي وكان من أخصّ الجيران وأقربهم إلى الحلاج أنه قال: كان الحلاج ينوي في أول رمضان ويفطر يوم العيد وكان يختم القرآن كل ليلة في ركعتين وكل يوم في مائتي ركعة. وكان يلبس السواد يوم العيد ويقول: هذا لباس من يُردُّ عليه عمله.
وقال أحمد بن فاتك قال الحلاج: من ظنَّ أن الالهيّة تمتزج بالبشريّة أو البشرية بالإلهية فقد كفر. فإن االله تعالى تفرّد بذاته وصفاته عن ذوات الخلق وصفاتهم، فلا يشبههم بوجه من الوجوه، ولا يشبهونه بشيء من الأشياء. وكيف يُتصوَّر الشبه بين القديم والمحدَث. ومن زعم أن الباري في كل مكان أو على مكان أو متصل بمكان أو يُتصوَّر على الضمير أو يتخايل في الأوهام أو يدخل تحت الصفة والنعت فقد أشرك.
عن عثمان بن معاوية أنه قال: بات الحلاج في جامع دِينور ومعه جماعة. فسأله واحد منهم وقال: يا شيخ ما تقول فيما قال فرعون. قال: كلمة حق .فقال: ما تقول فيما قال موسى. قال: كلمة حق ،لأنهما كلمتان جرتا في الأبد كما جرتا في الأزل.
وعنه أيضاً أنه قال: ما ظهرت النقطة الأصلية إلاّ لقيام الحجَّة بتصحيح عين الحقيقة، وما قامت الحجّة بتصحيح عين الحقيقة إلاّ لثبوت الدليل على أمر الحقيقة.
وقال: سين ياسين وموسى هما لوح أنوار الحقيقة وإلى الحقّ أقرب من يا ومو وقال أيضاً: صفات البشرية لسان الحجة لثبوت صفات الصمديّة وصفات الصمديّة لسان الإشارة إلى فناء صفات البشرية. وهما طريقان إلى معرفة الأصل الذي هو قوام التوحيد. وقال: نزول الجمع ورطة وغبطة، وحلول الفرق فكاك وهلاك. وبينهما يتردد الخاطران، إما متعلّق بأستار القِدَم، أو مستهلك في بحار العدم.
وقال: من لاحظ الأزليّة والأبديّة وغمض عينيه عمّا بينهما فقد أثبت التوحيد. ومن غمض عينيه عن الأزلية والأبدية ولاحظ ما بينهما فقد أتى بالعبادة. ومن أعرض عن البين والطرفين فقد تمسك بعروة الحقيقة.
وقال: من طلب التوحيد في غير لام ألف فقد تعرّض للخَوضان في الكفر، ومن تعرّف هو الهويّة في غير خطّ الاستواء فقد جاس خلال الحيرة المذمومة التي لا استراحة بعدها. وقال: عين التوحيد مودعة في السرّ مودع بين الخاطرين، والخاطران مودعان بين الفكرتين، والفكرة أسرع من لواحظ العيون ثم أنشأ يقول:

لأنوارِ نور النور في الخلق أنوارُ .... وللسر في سر المُسرين أسرارُ
وللكون في الأكوان كون مُكوِّنٍ .... يكنّ له قلبي ويهدى ويختارُ
تأمل بعين العقل ما أنا واصفٌ .... فللعقل أسماع وُعاةٌ وأبصارُ

وقال: القرآن لسان كل علم، ولسان القرآن الأحرف المؤلّفة، وهب مأخوذة من خطّ الاستواء، أصله ثابت وفرعه في السماء، وهو ما دار عليه التوحيد.
وقال: الكفر والإيمان يفترقان من حيث الاسم، وأما من حيث الحقيقة فلا فرق بينهما.
وقال أحمد بن فارس: رأيت الحلاج في سوق القطيعة قائماً على باب المسجد وهو يقول: يا أيها الناس، إذا استولى الحقّ على قلبٍ أخلاه عن غيره، وإذا لازم أحداً أفناه عمّن سواه، وإذا أحبّ عبداً حثّ عباده بالعداوة عليه، حتى يتقرّب العبد مقبلاً عليه. فكيف لي ولم أجد من االله شمّةً، ولا قرباً منه لمحةً، وقد ظلّ الناس يعادونني. ثم بكى حتى أخذ أهل السوق بالبكاء. فلما بكوا عاد ضاحكاً وكاد يقهقه، ثم أخذ في الصياح صيحاتٍ متوالياتٍ مزعجات وأنشأ يقول:

مواجيد حقٍّ أَوجد الحقُّ كلَّها ......وإن عجزت عنها فهومُ الأكابرِ
وما الوجد إلاّ خَطرةٌ ثم نَظرةٌ....       تُنّشى لهيباً بين تلك السرائرِ
ذا كَن الحق السريرةَ ضوعِفَت...     ثلاثةَ أحوالٍ لأهلِ البصائرِ
فحالٌ يُبيد السِر عن كُنهِ وصفهِ...    ويحضِرهُ لِلوجدِ في حال حائرِ
وحالٌ بِه زمت ذُرى السر فانثَنَت .....إلى منظرٍ أفناه عن كلّ ناظرِ

يروى عن مسعود بن الحارث الواسطي أنه قال: سمعت الحسين بن منصور الحلاج يقول لابراهيم بن فاتك وأنا أسمع وكنت متروعاً: يا إبراهيم، إن االله تعالى لا تحيط به القلوب، ولا تدركه الأبصار، ولا تمسكه الأماكن، ولا تحويه الجهات. ولا يتصور في الأوهام، ولا يتخايل للفكر، ولا يدخل تحت كيف،ولا يُنعت بالشرح والوصف. ولا تتحرك ولا تسكن ولا تتنفّس إلاّ وهو معك، فانظر كيف تعيش. وهذا لسان العوام ، وأما لسان الخواص فلا نطق له. والحق حق والعبد باطل، وإذا اجتمع الحق والباطل فيضرب"الحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل ممّا تصفون".
وقال أحمد بن القاسم الزاهد: سمعت الحلاج في سوق بغداد يصيح: يا أهل الإسلام أغيثوني. فليس يتركني ونفسي فآنس بها، وليس يأخذني من نفسي فأستريح منها، وهذا دلال لا أُطيقه. ثم أنشأ يقول:


حَويتُ بكلّي كلَّ كلّك يا قُدسي.... تُكاشفُنِي حتّى كأنّك في نفسي
أُقلّب قلبي في سِواك فلا أُرى..... سِوى وحشتي منه وأنت به أُنسي
فها أَنا في حبس الحياة ممنَّع..... عن الأُنس فاقبِضني إليك من الحبسِ


وقال أبو القاسم عبد الله بن جعفر المحب : لما دخل الحلاج بغداد واجتمع حوله أهلها حضر بعض الشيوخ عند بعض رؤساء بغداد يقال له أبو طاهر الساوي وكان محبّاً للفقراء فسأله الشيخ أن يعمل دعوة ويحضر فيها الحلاج. فأجابه إلى ذلك وجمع المشايخ في داره وحضر الحلاج. فقال للقوّال: قل ما يختار الشيخ، يعني به الحلاج. فقال الحلاج: إنما يوقظ النائم وقوّال الفقراء ليس بنائم. فقال القوّال وطلب وقت القوم. ووثب الحلاج وسطهم وتواجد تواجداً تلألأت منه أنوار الحقيقة وأنشد:

ثلاثة أحرُف لا عُجمَ فيها..... ومعجومان وانقطع الكلام
فمعجومٌ يُشاكل واجِدِيهِ.... ومتروك يصدِّقه الأنام
وباقِي الحرفِ مرموزٌ مُعمَّى .... فلا سفَر هناك ولا مقام

ويروى عنه أيضاً أن رجلاً من الأكابر يُسمى ابن هارون المدايني استحضر الحلاج وجماعة من مشايخ بغداد ليناظروه. فلما اجتمعوا تفرس الحسين بن منصور فيهم النكارة فأنشأ يقول:

يا غافلاً لِجهالةٍ عن شاْني.... هلاّ عرفتَ حقيقتي وبياني
أَ عِبادتي الله ستّةُ أحرفٍ ..... من بينها حرفانِ معجومانِ
حرفان أصلي وآخَر شكله في .... العُجم منسوبٌ إلى إيماني
فإذا بدا رأسِ الحروفِ أمامَها .... حرفٌ يقوم مقام حرفٍ ثاني
أبصرتَني بمكان موسى قائماً .... في النور فوق الطور حين تراني

فبهت القوم. وكان لابن هارون ابن مريض مشرف على الموت فقال الحلاج ادع له. فقال الحلاج: قد عوفي فلا تخف. فدخل الابن كأنه لم يمرض قط. فتعجّب الحاضرون من ذلك. فأتى ابن هرون بكيس مختوم وقال: يا شيخ فيه ثلاثة آلف دينار أصرفها فيما تريد. وكان القوم في غرفة على الشطّ فأخذ الحلاج الكيس ورمى به إلى دجلة وقال للمشايخ: تريدون مناظرتي، على ماذا أناظر أنا أعرف أنكم على الحق وأنا على الباطل، وخرج. فلمّا أصبحنا استحضر ابن هارون الجماعة ووضع الكيس بين أيديهم وقال: البارحة كنت أتفكر فيما أعطيت الحلاج وندمت على ذلك. فلم تمضِ ساعة على ذلك إذ جاء فقير من أصحاب الحلاج وقال: الشيخ يقرئك السلام ويقول: لا تندم فإنّ هذا كيسك، فإنّ من أطاع االله أطاعه البر والبحر.
عن جندب بن زادان الواسطي وكان من تلامذة الحلاّج، قال: كتب الحسين بن منصور كتاباً هذه نسخته: بسم االله الرحمن الرحيم المتجلي عن كل شيء لمن يشاء. السلام عليك يا ولدي، ستر االله عنك ظاهر الشريعة، وكشف لك حقيقة الكفر. فإنّ ظاهر الشريعة كفر خفي ، وحقيقة الكفر معرفة جليّة. أما بعد حمد الله الذي يتجلّى على رأس إبرة لمن يشاء، ويستتر في السموات والأرضين عمّن يشاء، حتى يشهد هذا بأن لا هو، ويشهد ذلك بأن لا غيره. فلا الشاهد على نفيه مردود، ولا الشاهد بإثباته محمود.
والمقصود من هذا الكتاب أني أوصيك أن لا تغتر باالله ولا تيأس منه، ولا ترغب في محبنه ولا ترض أن تكون غير محب ، ولا تقل بإثباته ولا تمِلْ إلى نفيه، وإيّاك والتوحيد. والسلام.
وقال جندب: دخل عليَّ في نصف الليل ببغداد بَهرام بن مرزبان المجوسيّ وكان مكثراً ومعه كيس فيه ألفا دينار وقال لي: تذهب معي إلى الحلاج فلعلّه يحتشمك فتعطيه هذا الكيس. فذهبت معه ودخلنا عليه وكان قاعداً على سجادته يقرأ القرآن ظاهراً. فأجلسنا وقال: ما الحاجة في هذا الوقت. فتكلمت في ذلك فأبي أن يقبل. فألححت عليه وكان يُحبُّني فقبل. وقال لي: لا تخرج. فوقفت وخرج المجوسيّ . فلما ذهب المجوسيّ قام الحلاج وخرجت معه حتى دخل جامع المنصور ومعه الكيس والفقراء نيام. فأيقظهم وفرَّق الدنانير عليهم بعد أن يفّضهم حتى لم يبق في الكيس شيء. فقلت: يا شيخ هلاّ صبرت إلى الغد. فقال: الفقير إذا بات في عقارب نصيبين خير له من أن يبيت مع المعلوم.
عن إبراهيم بن فاتك قال: دخلت على الحلاج ليلةً وهو في الصلاة مبتدئاً بقراءة سورة البقرة. فصلّى ركعاتٍ حتى غلبني النوم. فلما انتبهت سمعته يقرأ سورة "حم عسق" فعلمت أنه يريد الختم. فختم القرآن في ركعة واحدة وقرأ في الثانية ما قرأ فضحك إلي وقال: ألا ترى أنيّ أصلّي أراضيه، من ظنَّ أنه يُرضيه بالخدمة فقد جعل لرضاه ثمناً. ثم ضحك وأنشأ يقول:

إذا بلغ الصبُّ الكمالَ من الفتى.... ويذهل عن وصل الحبيبِ من السّكرِ
فيَشهدُ صدقاً حيثُ أَشهده الهوى.... بأن صلاةَ العاشقين مِن الكُفر

وقال ابن فاتك: قصدت الحلاج ليلةً فرأيته يصلي فقمت خلفه. فلما سلّم قال: اللهم أنت المأمول بكل خير، والمسئول عند كل مهم، المرجو منك قضاء كل حاجة، والمطلوب من فضلك الواسع كل عفو ورحمة. وأنت تعلم ولا نعلم، وترى ولا نرى، وتخبر عن كوامن أسرار ضمائر خلقك، وأنت على كل شيء قدير. وأنا بما وجدت من ورائح نسيم حبك، وعواطر فربك أستحقر الراسيات، وأستخفّ الأرضين والسموات. وبحقك لو بعت مني الجنة بلمحة من وقتي، أو بطرفة من أحر أنفاسي لما اشتريتها. ولو عرضت علي النار بما فيها من ألوان عذابك لاستهونتها في مقابلة ما أنا فيه من حال استتارك مني. فاعف عن الخلق ولا نعفو عني، وارحمهم ولا ترحمني. فلا أُخاصمك لنفسي، ولا أُسائلك بحقّي، فافعل بي ما تريد. فلما فرغ قام إلى صلوة أخرى وقرأ الفاتحة وافتتح بسورة النور وبلغ إلى حد سورة النمل. فلما بلغ إلى قوله تعالى "ألاّ يسجدوا الله الذي يُخرج الحبًَّ في السموات والأرض" صاح صيحة وقال:هذه صيحة الجاهل به. ومن وُدّ المُحب المُحق أن لا يعبد ما حُدّ.
يروى عن عبد االله بن طاهر الأزدي أنه قال: كنتُ أخاصم يهودياً في سوق بغداد وجرى على لفظي أن قلت له: يا كلب. فمرَّ بي الحسين بن منصور ونظر إليّ شزراً وقال: لا تنبح كلبك، وذهب سريعاً. فلما فرغت من المخاصمة قصدته فدخلت عليه فأعرض عني بوجهه. فاعتذرت إليه فرضي ثم قال: يا بني، الأديان كلّها الله عز وجل، شغلَ بكل دينَ طائفة لا اختياراً فيهم بل اختياراً عليهم. فمن لام أحداً ببطلان ما هو عليه فقد حكم أنه أختار ذلك لنفسه، وهذا مذهب القدرية و"القدريّة مجوس هذه الأمّة". واعلم أن اليهودية والنصرانية والإسلام وغير ذلك من الأديان هي ألقاب مختلفة وأسامٍ متغايرة، والمقصود منها لا يتغير ولا يختلف. ثم قال:

تفكّرن في الأديانِ جدّاً محقّقاً.... فألفَيتُها أصلاً له شُعب جمًّا
فلا تَطلبن للمرءِ دِيناً فإنه.... يصدُّ عن الوصل الوثيقِ وإنّما
يُطالِبه أصلٌ يعبر عنده .... جميع المعالي والمعاني فَيفَهما

ويروى عن إبراهيم بن سمعان أنه قال: رأيت الحلاج في جامع المنصور وكان في تكّتي ديناران شدد ما لغير طاعة االله. فسأل سائل فقال الحسين: يا إبراهيم، تصدق عليه بما شددت في تكتك. فتحيرت فقال: لا تتحيَّر، التصدق ما خير مما نويت. فقلت: يا شيخ هذا من أين. فقال: كل قلب تخلّى عن غير االله يرى في الغيب مكنونه وفي السر مضمونه. فقلت له: أفِدني بكلمة. فقال: من طلب االله عن الميم والعين وجده، ومن طلبه بين الألف والنون في حرف الإضافة فقَده. فإنه تقدَّس عن مشكلات الظنون وتعالى عن الخواطر ذوات الفنون. ثم أنشأ يقول:

ارجع إلى االله إن الغايةَ االلهُ .... فلا إله إذا بالغتَ إلا هو
وإنّه لَمع الخلقِ الذين لهم .... في الميم والعين والتقديس معناه
معناه في شفتَي من حلَّ منعقِداً .... عن التهجي إلى خلقٍ به فاهوا
فإن تَشُك تدبر قولَ صاحبكم .... حتّى تقولَ بِنَفي الشك هذا هو
فالميم يفتح أعلاه وأسفله .... والعين يفتح أَقصاه وأدناه 

وقال أبو نصر بن القاسم البيضاوي: رأيت رقعة بخط الحلاج عند بعض تلامذته: أما بعد، فإني أحمد إليه االله الذي لا إله إلا هو، الخارج من حدود الأوهام وتصاوير الظنون وتخييل الفِكر وتحديد الضمير، الذي "ليس كمثله شيء وهو السميع البصير" واعلم أن المرء قائم على بساط الشريعة ما لم يصل إلى مواقف التحديد. فإذا وصل إليها سقطت من عينه الشريعة واشتغل باللوائح الطالعة من معدن الصدق. فإذا ترادفت عليه اللوائح، وتتابعت عليه الطوالع، صار التوحيد عنده زندقة، والشريعة عنده هوساً، فبقي بلا عين ولا أثر. إن استعمل الشريعة استعملها رسماً، وإن نطق بالتوحيد نطق به غلبةً وقهراً.
وقال ابن أخته: رأيت بخط خالي: من فرق بين الكفر والإيمان فقد كفر، ومن لم يفرق بين الكافر والمؤمن فقد كفر.
يروى عن عبد الودود بن سعيد بن عبد الغني الزاهد قال: دخلت على الحلاج فقلت له: دلّني على التوحيد. فقال: التوحيد خارج عن الكلمة حتى يعبر عنه. قلت: فما معنى لا إله إلا االله. قال: كلمة شغل بها العامة لئلاّ يختلطوا بأهل التوحيد، وهذا شرح التوحيد من وراء الشرع. ثم احمرت وجنتاه وقال: أقول لك مجملاً. قلت: بلى. قال: من زعم أنه يوحد االله فقد أشرك.
وعنه قال: رأيت الحلاج دخل جامع المنصور وقال: أيها الناس اسمعوا مني واحدة. فاجتمع عليه خلق كثير، فمنهم محب ومنهم منكر. فقال: اعلموا أن االله تعالى أباح لكم دمي فاقتلوني. فبكى بعض القوم.
فتقدمت من بين الجماعة وقلت: يا شيخ كيف نقتل رجلاً يصلي ويصوم ويقرأ القرآن. فقال: يا شيخ المعنى الذي به تحقن الدماء خارج عن الصلوة والصوم وقراءة القرآن فاقتلوني تؤجروا وأستريح. فبكى القوم وذهب فتبعته إلى داره وقلت: يا شيخ ما معنى هذا. قال: ليس في الدنيا للمسلمين شغل أهم من قتلي. فقلت له: كيف الطريق إلى االله تعالى. قال: الطريق بين اثنين وليس مع االله أحد. فقلت: بَيِّن. قال: من لم يقف على إشاراتنا لم ترشده عباراتنا. ثم قال:

أ أنت أن أنا هذا في إِلهينِ ... حاشاك حاشاك من إِثباتِ إِثنينِ
هوِيّةٌ لك في لائيّتي أبداً كلّي ... على الكلِّ تلبيس بوجهينِ
فأين ذاتُك عنّي حيث كنت أدري ... فقد تبين ذاتي حيثُ لا أينِ
وأين وجهك مقصود بناظرتي ... في باطنِ القلب أم في ناظرِ العينِ
بيني وبينَك أَنّي يزاحمُني... فارفَع بأنَيك أَنّيِ من البّينِ

وعن الحسين بن حمدان قال: دخلت على الحلاج يوماً فقلت له: أريد أن أطلب االله، فأين أطلبه. فاحمرّت وجنتاه وقال: الحق تعالى عن الأين والمكان، وتفرّد عن الوقت والزمان، وتنزّه عن القلب والجَنان، واحتجب عن الكشف والبيان، وتقدّس عن إدراك العيون، وعمّا تحيط به أوهام الظنون. تفرّد عن الخلق بالقِدم كما تفردوا عنه بالحدث. فمن كان هذا صفته كيف يطلب السبيل إليه. ثم بكى وقال:

فقلتُ أخِلاّئِي هي الشمس ضوءُها قرِيبٌ ولكن في تناولها يُعدُ

وعنه أيضاً قال: سمعت الحسين يقول في سوق بغداد:

أَلا أَبلِغْ أَحبّائي بأنّي ... ركبت البحر وانكسر السفينَه
ففي دين الصليب يكون موتي .... ولا البطحا أُريدُ ولا المدينَه

فتبعته، فلما دخل داره كبّر يصلّي فقرأ الفاتحة والشعراء إلى سورة الروم فلما بلغ إلى قوله تعالى "وقال الذين أوتوا العلم والإيمان" الآية كرّرها وبكى. فلما سلم قلت: يا شيخ تكلّمت في السوق بكلمة من الكفر ثم أقمت ههنا في الصلاة، فما قصدك. قال: أن تُقتل هذه الملعونة، وأشار إلى نفسه. فقلت: يجوز إغراء الناس على الباطل. قال: لا ولكني أُغريهم على الحق، لأن عندي قتل هذه من الواجبات، وهم إذا تعصّبوا لدينهم يؤجرون.
وعنه أيضاً قال: أمر بشهادة وحدانيته، ونهى عن وصف كُنه هويته، وحرم على القلوب الخوض في كيفيته، وأفحم الخواطر عن إدراك لاهوتيّته. فليس منه يبدو للخلق إلاّ الخبر، والخبر يحتمل الصدق والكذب. فسبحانه من عزيز يتجلّى لأحد من غير علّة، ويستتر عن أحد من غير سبب. ثم بكى وأنشأ يقول:

                                        دخلتُ بناسوتي لديك على الخلقِ... ولولاك لاهوتي خرجتُ من الصِدقِ
فإِنّ لسان العلم للنُطقِ والهدى.... وإنّ لسان الغيب جلَّ عن النُطقِ
ظهرتَ لِخَلق والتبستَ لِفتنة ... على بعض خلق واحتجبتَ عن الخلقِ
فتظهر للأبصار في الغربِ تارةً ... وطوراً عن الأبصار تغرب في الشرقِ

حتى وقفت على باب الحلاج فدخلت وقلت: يا شيخ فلان أخي أشرف على الموت.، أدع له. فضحك وقال: أنجيه بشرط تفي لي به. قلت: وما هو. قال: لا ترجع عن الإنكار عليَّ بل تزيد وتشهد عليَّ بالكفر وتعين على قتلي. فبقيت مبهوتاً فقال: لا ينفعك إلا قبول الشرط. قلت: نعم. فصبّ شيئاً من الماء في سكرجة وبصقَ فيها وقال لي: مُرَّ واجعل من هذا الماء في فيه. فذهبت وفعلت ذلك فقام أخي في الوقت كأنه لم يمرض أو نائم فانتبه. فرجعت بأخي إليه وشكرته فضحك وقال: لولا أن االله تعالى قال: "لأملأنّ جهنم من الجِنَّة والناس أجمعين" لكنت أبصق في النار حتى تصير ريحاناً على أهلها.

وعنه قال: سمعت الحسين يقول: من أراد أن يصل إلى المقصود فلينبذ الدنيا وراء ظهره. ثم أنشد يقول:

عليكِ يا نفسُ بالتسلّي ... العزُّ في الزهد والتخَلّي
عليكِ بالطلعة التي مش .... كاتها الكشفُ والتجلّي
قد قام ببعض بعضي .... وهام كلّي بكلّ كلّي

قال أحمد بن فاتك: رأيت رب العزّة في المنام كأني واقف بين يديه. فقلت: يا رب . ما فعل الحسين حتى استحق تلك البليّة. فقال: إني كاشفته بمعنى فدعا الخلق إلى نفسه فأنزلت به ما رأيت.
وقال أيضاً: قال الحلاج: ما وحّد االله غير االله وما عرف حقيقة التوحيد غير رسول االله.
وعنه قال: سمعت الحسين بن منصور يقول: ليس على وجه الأرض كفر إلاّ وتحته إيمان، ولا طاعة إلا وتحتها معصية أعظم منها، ولا إرفراد بالعبودية إلاّ وتحته ترك الحرمة، ولا دعوى المحبة إلاّ وتحتها سوء الأدب. لكن االله تعالى عامل عباده على قدر طاقتهم.
عن ضمرة بن حنظلة السمّاك قال: دخل الحلاج واسط وكان له شغل. فأول حانوت استقبله كان لقطّان فكلفه الحلاج السعي في إصلاح شغله وكان للرجل بيت مملوء قطناً فقال له الحسين: إذهب في إصلاح شغلي فإني أعينك على عملك. فذهب الرجل فلما رجع رأى كل قطنه في دكانه محلوجاً وكان أربعة وعشرين ألف رطل فسمى من ذلك اليوم حلاّجاً.
وعن أحمد بن فاتك قال: لما حَبس الحلاج ببغداد كنت معه. فأول ليلة جاء السجان وقت العتمة فقيَّده ووضع في عنقه سلسلة وأدخله بيتاً ضيِّقاً. فقال له الحسين: لِم فعلت بي هذا. قال: كذا أُمرت. فقال له الحلاج: الآن أمنت مني. قال: نعم. فتحرك الحلاج فتناثر الحديد كالعجين وأشار بيده إلى الحائط فانفتح فيه باب، فرأى السجّان فضاءً واسعاً من ذلك. ثم مدَّ الشيخ يده وقال: الآن افعل ما أُمرت به. فأعاده كما فعل أول مرة. فلما أصبح أخر السجان المقتدر الخليفة بذلك. فتعجَّب الناس واستأذن نصر القشوري الخليفة في بناء بيت له في السجن فأذن له وكان محباً له. فبنى له بيتاً وفرشه وكنت معه فيه إلى أن أُخرج وقُتل وصُلب.
وقال أحمد بن يونس: كنا في ضيافة ببغداد فأطال الجنيد اللسان في الحلاج ونسبه إلى السحر والشعبذة والنيرنج وكان مجلساً خاصاً غاصاً بالمشايخ فلم يتكلم أحد احتراماً للجنيد. فقال ابن خفيف: يا شيخ تطوُّل، ليس إجابة الدعاء والاخبار عن الأسرار من النيرنجات والشعبذة والسحر. فاتّفق القوم على تصديق ابن خفيف. فلما خرجنا أخبرت الحلاج بذلك فضحك وقال: أما محمد بن خفيف فقد تعصَّب لله وسيؤجر على ذلك. وأما أبو القاسم الجنيد فقد قال: إنه كذب ولكن قل له: "سيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون".
عن إبراهيم بن محمد النهرواني قال: رأيت الحلاج في جامع روان في زاوية يصلي وختم القرآن في ركعتين. فلما أصبح سلمت عليه وقلت: يا شيخ أَفِدني بكلمة من التوحيد. فقال: اعلم أن العبد إذا وحّد ربه تعالى فقد أثبت نفسه، ومن أثبت نفسه فقد أتى بالشرك الخفي .وإنما هو الذي وحّد نفسه على لسان من شاء من خلقه. فلو وحد نفسه على لساني فهو وشأنه. وإلاّ فما لي يا أخي والتوحيد. ثم قال:

من رامه بالعقل مسترشِداً... أَسرحه في حيرةٍ يلهو
قد شاب بالتلبيس أسراره .... يقول من حيرته هل هو

عن أحمد بن عبد االله قال: سمعت الحلاج وقد سئل عن التوحيد فقال: تمييز الحدث عن القدم، ثم الإعراض عن الحدث والإقبال على القدم، وهذا حشو التوحيد. وأما محضه فالفناء بالقدم عن الحدث. وأما حقيقة التوحيد فليس لأحد إليه سبيل إلاّ لرسول االله "صلَّى االله عليه وسلّم".
وقال ابن فاتك: سمعت الحلاج يقول: في القرآن علم كل شيء، وعلم القرآن في الأحرف التي في أوائل السور، وعلم الأحرف في لام ألف، وعلم لام ألف في الألف، وعلم الألف في النقطة، وعلم النقطة في المعرفة الأصلية، وعلم المعرفة الأصلية في الأزل، وعلم الأزل في المشيئة، وعلم المشيئة في غيب الهو "ليس كمثله شيء" ولا يعلمه إلاّ هو.
وقال أحمد بن فاتك: قلت للحلاج: أوصني. قال: هي نفسك إن لم تشغلها شغلتك.
عن أحمد بن عطاء بن هاشم الكرخي قال: خرجت ليلة إلى الصحراء، فرأيت الحلاج يقصدني. فملت إليه وقلت: السلام عليك أيها الشيخ. فقال: هذا كلب بطنه جائع فاءتني بحمل مشوي ورغفان حوارى وأنا واقف ههنا. فمضيت وحصلت ما أحضرته. فربط الكلب بإحدى رجليه ووضع الحمل والرغفان بين يديه حتى أكله، ثم خلّى الكلب وأرسله وقال لي: هذا الذي تطالبني به نفسي منذ أيام وكنت معنفها حتى أخرجتني الليلة في طلبه واالله تعالى غلّبني عليها. ثم طاب وقته وأنشأ يقول في وجده:

كفرتُ بدينِ االله والكفر واجب... لدي وعند المسلمين قبيح

ثم قال لي: ارجع ولا تقف أثري فيضرك.
وقيل: كان الحلاج في بدايته يلبس مرات المسوح ومرات الثوب ومرات الشاشية وأول سفره عن بلده إلى البصرة وكان عمره ثماني عشرة سنة وتزوج وخرج إلى مكة وجرى بينه وبين أبي يعقوب النهرجوري كلام وقال في جملة كلامه: وإن ورد عليك بعض إشارة ورمز فلولا أن تكون الواردات متصلة والأحوال مشتبهةً مشتركة في المترلة لما تقابلت الواردات ولا تساوت الحالات ولا علمت الخافيات. قال: اذهب فعندي من الأنباء ما فيه مزدجر، وعن غدٍ يأتيك الخبر. فقال: يا شيخ قد أعلمني المُعلم بعد أن أخبرني المُخبر. فقال: لا أعلمك اطّلاعاً إلاّ إذا ثبت لك عن إخبارٍ كان أوله سماعاً. فقال: يا شيخ أنتج الإخبار شيئاً على سبيل الفراسة فلم أثق به حتى اطّلعت مع الوارد على الأمر اطّلاعاً وعقدت إخباره على علمي فتقرّب العلمان وتلاقى الخاطران وتساوى الفهمان. ولكني أُنكر أن يكون الاطّلاع من غير إخبار أقوى والاستضاءة من غير نظر أضوأ. قال ثم مضى كل واحد منهما وهو يتكلم بكلام مع نفسه لا يفهم أحد معناه ولا يدرك مغزاه.
عن محمد بن خفيف قال: رجعت من مكة ودخلت بغداد وأردت أن ألقى الحسين بن منصور وكان محبوساً قد منع الناس عنه. فاستعنت معارفي وكلّموا السجّان وأدخلني عليه. فدخلت السجن والسجّان معي فرأيت دار حسنة ورأيت في الدار مجلساً حسناً وفرشاً حسناً وشاباً قائماً كالخادم. فقلت له: أين الشيخ. فقال: مشغول يشغل. فقلت: ما يفعل الشيخ إذا كان جالساً ههنا. قال: ترى هذا الباب. هو إلى حبس اللصوص والعيارين، يدخل عليهم ويعظهم فيتوبون. فقلت: من أين طعامه. فقال: تحضره كل يوم مائدة عليها ألوان الطعام فينظر إليها ساعة ثم ينقرها بأصبعه فترفع ولا يأكل. فإذا الحلاج قد خرج إلينا فرأيته حسن الوجه لطيف الهيئة عليه الهيبة والوقار. فإذا هو سلّم علي وقال: من أين الفتى. قلت: من شيراز. فسألني عن مشايخها فأخبرته، وسألني عن مشايخ بغداد فأخبرته. فقال: قل لأبي العباس بن عطاء احتفظ بتلك الرقاع. ثم قال: كيف دخلت، فأخبرته. فدخل أمير الحبس يرتعد. فقبل الأرض بين يديه فقال له: ما لك. قال: سُعي بي إلى أمير المؤمنين بأني أخذت رشوة وخلّيت أميراً من الأمراء وجعلت مكانه رجلاً من العامة. وها أنا ذا أُحمل لتضرب رقبتي. فقال: امضِ، لا بئس عليك. فذهب الرجل وقام الشيخ إلى صحن الدار وجثا على ركبته ورفع يديه وأشار بمسبحته إلى السماء وقال: يا رب ثم طأطأ حتى وضع خده على الأرض وبكى حتى ابتلّت الأرض من دموعه وصار كالمغشي عليه. وهو على تلك الحالة حتى دخل أمير الحبس وقال: عفي عني. قال ابن خفيف: وكان الحلاج في طرف الصفّة وفي آخر الصفّة منشفة وكان طول الصفّة خمسة أذرع. فمدّ يده وأخذ المنشفة فلا أدري أطالت يده أم جاء المنديل إليه فمسح وجهه بها. فقلت: هذا من ذاك.
وعن إبراهيم بن شيبان قال: دخلت مكة مع أبي عبد االله المغربي فأُخبرنا أن ههنا الحلاج مقيم بجبل أبي قبيس. فصعدناه وقت الهاجرة فإذا به جالس على صخرة والعرق يسيل منه وقد ابتلّت الصخرة من عرقه. فلما رآه أبو عبد االله رجع وأشار إلينا أن نرجع فرجعنا. ثم قال أبو عبد االله: يا إبراهيم، إن عِشت ترى ما يلقى هذا، سوف يبتليه االله ببلية لا يطيقها أحد من خلقه يتصبّر مع االله.
قال إبراهيم بن شيبان: إياكم والدعوى ومن أراد أن ينظر إلى ثمرات الدعوى فلينظر إلى الحلاج وما جرى عليه.
عن إبراهيم بن شيبان قال: دخلت على ابن سريج يوم قتل الحلاج فقلت: يا أبا العباس ما تقول في فتوى هؤلاء في قتل هذا الرجل. قال: لعلهم نسوا قول االله تعالى "أتقتلون رجلاً أن يقول ربِّي االله".
وقال الواسطي: قلت لابن سريج: ما تقول في الحلاّج. قال: أما أنا أراه حافظاً للقرآن عالماً به ماهراً في الفقه عالماً بالحديث والأخبار والسنن صائماً الدهر قائماً الليل يعظ ويبكي ويتكلم بكلام لا أفهمه فلا أحكم بكفره.
يُروى أن الشبلي دخل يوماً على الحلاج فقال له: يا شيخ، كيف الطريق إلى االله تعالى. فقال: خطوتين وقد وصلت . اِضرب بالدنيا وجه عشّاقها وسلِّم الآخرة إلى أربابها.
وقال أحمد بن فاتك: سمعت الحلاج يقول: أنا الحقّ والحقّ للحقّ حقُّ لابس ذاته فما ثَم فرقُ قال أبو عبد الرحمن محمد بن الحسين السلمي في كتاب طبقات الصوفية: سمعت عبد الواحد بن بكر يقول سمعت أحمد بن فارس بن حسرى"؟" يقول سمعت الحسين بن منصور يقول: حجبهم بالاسم فعاشوا، ولو أبرز لهم علوم القدرة لطاشوا، ولو كشف لهم عن الحقيقة لماتوا. وقال الحسين: أسماء االله من حيث الإدراك اسم، ومن حيث الحق حقيقة.
وقال الحسين: خاطر الحق هو الذي لا يعارضه شيء.
وقال الحسين: إذا تخلّص العبد إلى مقام المعرفة أوحى االله إليه بخاطره وحرس سرّه أن يسنح فيه غير خاطر الحق.
وقال: علامة العارف أن يكون فارغاً من الدنيا والآخرة.
وسئل الحسين: لِم طمع موسى في الرؤية وسألها. قال لأنه انفرد للحق فانفرد الحق به في جميع معانيه، وصار الحق مواجهه في كل منظور إليه، ومقابله دون كل محضور لديه، على الكشف الظاهر عليه لا على الغيب. فذلك الذي حمله على سؤال الرؤية لا غير.
سمعت أبا الحسين الفارسي قال: أنشدني ابن فاتك للحسين بن منصور: 

أنت بين الشَغاف والقلب تجري مثل جري الدموع من أجفانِ
وتَحِلُّ الضمير جوفَ فُؤادي كحلول الأرواح في الأبدانِ
ليس مِن ساكنٍ تحرك إلاّ أنت حركتَه خَفِي المكانِ
يا هلالاً بدا لأربع عشرٍ لثمانٍ وأربعٍ واثنتانِ

سمعت عبد الواحد النيسابوري يقول قال فارس البغدادي: سألت الحسين بن منصور عن المريد فقال: هو الرامي بأول قصده إلى االله ولا يعرج حتى يصل.
وقال: المريد الخارج عن أسباب الدارين أَثَرةً بذلك على أهلها.
سمعت محمد بن غالب يقول قال الحسين بن منصور: إن الأنبياء سلّطوا على الأحوال فملكوها فهم يصرفوها لا الأحوال تصرفهم. وغيرهم سلّطت عليهم الأحوال فالأحوال تصرفهم لا هم يصرفون الأحوال.
قال وكان الحلاج يقول: إلهي أنت تعلم عجزي عن مواضع شكرك فاشكر نفسك عني فإنه الشكر لا غير.
وقال: من لاحظ الأعمال حجب عن المعمول له، ومن لاحظ المعمول له حجب عن رؤية الأعمال.
وقال: الحق هو المقصود إليه بالعبادات، والمصمود إليه بالطاعات، لا يشهد بغيره، ولا يدرك بسواه، . بروائح مراعاته تقوم الصفات، وبالجمع إليه تدرك الدرجات.
وقال: لا يجوز لمن يرى أحداً أو يذكر أحداً أن يقول إني عرفت الأحد الذي ظهرت منه الآحاد.
وقال: ألسِنةٌ مستنطقات تحت نطقها مستهلكات، وأنفس مستعملات تحت استعمالها مستهلكات.
وقال: حياء الرب أزال عن قلوب أوليائه سرور المنّة بل حياء الطاعة أزال عن قلوب أوليائه سرور الطاعة.

وأنشد:
مواجيد حق أوجد الحق كلها . . عن كل ناظر

وقال الحسين بن منصور: من أسكرته أنوار التوحيد حجبته عن عبارة التجريد، بل من أسكرته أنوار التجريد نطق عن حقائق التوحيد، لأن السكران هو الذي ينطق بكل مكتوم.
وقال: من التمس الحق بنو الإيمان كان كمن طلب الشمس بنور الكواكب.
وقال الحسين لرجل من أصحاب الجبائي المعتزلي: كما كان االله أوجد الأجسام بلا علّة كذلك أوجد فيها صفاتها بلا علة. كما لا يملك العبد أصل فعله كذلك لا يملك فعله.
وقال: ما انفصلت البشرية عنه ولا اتصلت به.
كتب الحلاج إلى أبي العباس بن عطاء من السجن: أما بعد فإني لا أدري ما أقول. إن ذكرت بركم لم أنتهِ إلى كُنهه، وإن ذكرت جفاءَكم لم أبلغ الحقيقة. بدت لنا باديات قربكم فأحرقتنا وأذهلتنا عن وجود حبكم. ثم عطف وألّف ما ضيّع وأتلف. ومنع عن وجود طعم التلف. وكأني وقد تخرّقت الأنوار وتهتّكت الأستار. وظهر ما بطن وبطن ما ظهر، وليس لي من خبر، ومن لم يزل كما لم يزل. وختم الكتاب وعنون بقوله:

همّي به ولَه عليكا يا من إشارتُنا إليكا
روحان ضمّهما الهوى فيما يليك وفي يديكا

كتب الحلاج إلى ابن العباس بن عطاء: أطال االله لي حيوتك، وأعدمني وفاتك، على أحسن ما جرى به قدر، ونطق به خبر. مع ما إن لك في قلبي من لواعج أسرار محبّتك، وأفانين ذخائر مودّتك، ما لا يترجمه كتاب، ولا يحصيه حساب، ولا يفنيه عتاب. وفي ذلك أقول:

كتبتُ ولم أكتب إليك وإنّما كتبت إلى روحي بغير كتابِ
وذلك أن الروح لا فرقَ بينها وبين محبّيها بفصل خطابِ
وكل كتاب صادر منك وارد إليك بلا رد الجوابِ جوابي
يا سرُّ سرّ يدقّ حتى يجلّ عن وصف كل حي
يا جملة الكل لست غيري فما اعتذاري إذاً إلي

وقال الحلواني: قدم الحلاج للقتل وهو يضحك فقلت: يا سيدي ما هذا الحال. قال: دلال الجمال، الجالب إليه أهل الوصال.
قال بعضهم: رأيت حسيناً الحلاج وقد سمع قارئاً يقرأ فأخذه وجد فرأيته يرقص ورجلاه مرفوعتان عن الأرض فإذا هو يقول:

من أطلعوه على سر فباح به لم يأمنوه على الأسرار ما عاشا
وعاقبوه على ما كان من زللٍ وأبدلوه مكان الأنس إيجاشا

تمَّت بعونهِ تعالى

عن الكاتب

Admin

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة

نفحات الطريق

2016