-->
recent

آخر المشاركات

recent
random
جاري التحميل ...
random

الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل/الجيلي -10


الباب التاسع في العماء

إن العماء هو المحل الأول         فلك شموس الحسن فيه أَفَل
هو نفس نفس اللَّه كن له بها      كون ولم يخرج فلا يتبدّل
مثل له المثل العلي كمونه          ككمون نار قد حواه الجندل
مهما بدت نار من الأحجار فهي    بحكمها وكمونها لا ترحل
والنار في الأحجار كامنة وإن        ظهرت فهذا الحكم لا يتحلل
ولكم رأينا ناظراً هو في عمى     عنه تعالى اللَّه لا يتمثل
هو حيرة الألباب في دهشاتها        عنها فتلك لها عماء يهمل
هو نفسه لا باعتبار ظلامها         بل باعتبار ضيائها إذ يعقل
من غير ما أحدية مجهولة       أو واحدية كثرة لا تجهل
لطفت فغابت في لطيفة ذاتها      فكمونها فيه العماء الأول

واعلم أن العماء عبارة عن حقيقة الحقائق التي لا تتصف بالحقية ولا بالخلقية، فهي ذات محض لأنها لا تضاف إلى مرتبة لا حقية ولا خلقية، فلا تقتضي لعدم الإضافة وصفاً ولا اسماً، وهذا معنى قوله عليه الصلاة والسلام : " إن العماء ما فوقه هواء وما تحته هواء " يعني لا حق ولا خلق، فصار العماء مقابلاً للأحدية، فكما أن الأحدية تضمحل فيها الأسماء والأوصاف ولا يكون لشيء فيها ظهور، فكذلك العماء ليس لشيء من ذلك فيه مجال ولا ظهور.

والفرق بين العماء والأحدية، أن الأحدية حكم الذات في الذات بمقتضى التعالي وهو الظهور الذاتي الأحدي، والعماء حكم الذات بمقتضى الإطلاق فلا يفهم منه تعال وتدانٍ وهو البطون الذاتي العمائي، فهي مقابلة للأحدية تلك صرافة الذات بحكم التجلي وهذه صرافة الذات بحكم الاستتار، فتعالى الله أن يستتر عن نفسه عن تجل أو يتجلى لنفسه عن استتار وهو على ما تقتضيه ذاته من التجلي والاستتار والبطون والظهور والشئون والنسب والاعتبارات والإضافات والأسماء والصفات لا تتغير ولا تتحول، ولا يلبس شيئا فيترك غيره ولا يخلع شيئا فياخذ سواه، بل حكم ذاته هو على ما هو عليه منذ كان ، ولا يكون الا على ما كان "لا تبديل لخلق الله " أي لوصف الله الذي هو عليه، وانما هذه التغييرات والتحويلات في الصور وغيرها من النسب والإضافات والاعتبارات وأمثال ذلك ، وانما هو بحكم ما يتجلى به علينا ويظهر به لنا، وهو في نفسه على ما هو عليه من الأمر الذي كان له قبل تجليه علينا وظهوره لنا.

وبعد ذلك الحكم لا تقبل ذاته الا التجلي الذي هو عليه فليس له إلا تجل واحد، وليس التجلي الواحد إلا اسم واحد، وليس الاسم الواحد إلا وصف واحد وليس للجميع الا واحد غير متعدد، فهو متجل لنفسه في الأزل بما هو متجل له في الأبد.

على العهد من تلك المعاهد زينب     وما غيرتها الحادثات فتحجب
لقد حفظت تلك العهود ولم تكن       تضيّع عهداً بالمُحَصَّب زينب
فإن نقلت عنها الوشاة تجنباً          فمن أجل ما تهوى الوشاة التجنب
وإن أرعدوا فيها بصدّ وهجرة      فبرق الوفا في وابل اللطف خُلَّب
خذوا يا نداماها كؤوس رضابها    فكف يد الندمان فيها مخضب
ولا تأملوا منها اعتناقاً وسلمة         فليس إلى الشمس الخفافيش تقرب
فما أسفرت عنه لكم فبعطفها       ومن رحمة للصبّ لا تتحجب
وليس على التحقيق كفء جمالها     سواها فإيكم وعنقاء مغرب

وهذا التجلّي الواحد هو المستأثر الذي لا يتجلى به لغيره، فليس للخلق فيه نصيب البتة، لأن هذا التجلي لا يقبل الاعتبار ولا الانقسام، ولا الإضافة ولا الأوصاف ولا شيئاً من ذلك، ومتى كن للخلق فيه نسبة او وصف او شيء من ذلك .
وكل هذا ليس من حكم هذا التجلي الذي هو عليه في ذاته من الأزل الى الأبد ويوافي التجليات الالهية ذاتية كانت أو فعلية ، صفاتيه كانت أو اسمية، فإنها ولو كانت له حقيقة فهي ما تقتضيه من جهة ظهوره وتجليه على عباده. 
وعلى الجملة، فإن هذا التجلي الذاتي الذي هو عليه جامع لأنواع التجليات لا يمنعه كونه في هذا التجلي أن يتجلى بتجلّ آخر، ولكن حكم التجليات الأخر تحته كحكم الأنجم تحت الشمس موجودة معدومة، على أن نور الأنجم في نفسها من نور الشمس.

وكذلك باقي التجليات الإلهية إنما هي رشحه من سماء هذا التجلي أو قطرة من بحره، وهي على وجودها معدومة في ظهور سلطان هذا التجلي الذاتي، المستأثر الذي استحقه لنفسه من حيث علمه به، وبواقي التجليات استحقها لنفسه من حيث علم غيره به، فافهم.
جرى جواد البيان في مضمار هذا التبيان إلى أن أبدى حكم ما لا يظهر أبداً، فلنقبض العنان في هذا البرهان، ونبسط اللسان فيما فيه كن الترجمان.
فنقول: بعد أن أعلمناك أن العماء هو نفس الذات باعتبار الإطلاق في البطون والاستتار، وأن الأحدية هي نفسه باعتبار التعالي في الظهور مع وجوب سقوط الاعتبارات فيها، وقولي باعتبار الظهور واعتبار الاستتار إنما هو لإيصال المعنى إلى فهم السامع، لا أنه من حكم العماء اعتبار البطون، أو من حكم الأحدية اعتبار الظهور، فافهم.
واعلم أنك في نفسك ولله المثل الأعلى في عماء عنك إذا اعتبرنا عدم ظهورك لك مطلقاً بكلية ما أنت عليه، ولو آنت عالماً بما أنت به وعليه، ولكن بهذا الاعتبار فأنت ذات في عماء، ألا تراك باعتبار أن الحق سبحانه وتعالى عينك وهويتك وقد تغفل عن حقيقة ما هو أنت به أحق.
فتكون عنك في عماء بهذا الاعتبار، وأنت من حيث حقك لم يحتجب عنك، لأن حكم الحق أن لا يحتجب عن نفسه فكنت في ظهورك لنفسك بحكم الحق على ما أنت عليه من العماء، وهو استتارك عن حقيقتك بحكم الخلق، فكنت ظاهراً لنفسك باطناً عنك، وهذا ضرب من الأمثال التي نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون ولهذا لما سئل رسول الله صلي الله علية وسلم : أجاب بقوله " أين كان الحق قبل أن يخلق الخلق " أجاب بقوله : " في عماء " لأن التجلي في نفسه لا بد أن يقتضي من حيث اسمه أن يكون لا استتار قبله، وهذه القبلية قبلية حكم لا قبلية توقيت، لأنه تعالى أن يكون بينه وبين خلقه توقيت أو انفصال أو انفكاك أو اتصال أو تلازم، إذ الوقت والانفصال والانفكاك والتلازم مخلوقات له، فكيف يكون بينه وبين مخلوقاته.

عن الكاتب

حسن بن أحمد

التعليقات



إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد الموقع أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة

نفحات الطريق

2016