نفحات الطريق: كشف الغطاء في طريق الصوفية / ابن خلدون

كشف الغطاء في طريق الصوفية / ابن خلدون - نفحات الطريق
الرئيسية » » كشف الغطاء في طريق الصوفية / ابن خلدون

كشف الغطاء في طريق الصوفية / ابن خلدون

Admin الجمعة، 14 يونيو 2019 5:43:00 م
كشف الغطاء في طريق الصوفية / ابن خلدون

ثمَّ إنَّ قومًا من المتصوفة المتأخرين عَنَوْا بعُلوم المكاشفة، وعكَفوا على الكلام فيها، وصيَّروها من قبيل العلوم والاصطلاحات، وسلكوا فيها تعليمًا خاصًّا، ورتّبوا الموجودات على ما انكشفَ لهم ترتيبًا خاصًّا، يَدْعُونَ فيه الوُجْد والمشاهدة، وربَّما زعم بعضهم في ذلك غير الآخرون، فتعدَّدت المذاهبُ، واختلفتِ النِّحل والأهواءُ، وتباينتِ الطُّرق والمسالكُ وتَحَيَّزتِ، وصار اسم التصوف مُختصًّا بعلوم المكاشفةِ والبحثِ - على طريقةِ العلوم الاصطلاحيَّة الكَسْبِيَّة - على أسرار الملكوت والإبانَة عن حقائق الوجود، والوقوف على على حكمته وأسراره، ثم يفسرون المتشابَهِ من الشريعة كالروحِ، والمَلَك، والوحي، والعرش، والكُرسي، وأمثالها بما لا يتَّضِح أو يكادُ، وربَّما يتضمَّنُ أقوالاً مُنْكَرَة ومذاهبَ مُبتَدعَةً، وكلمات الباطنيَّة في حملِ كثير من آيات القرآن المعلومة الأسباب على معنى الباطن، ويضربون بحجب التأويل على وجوهها السافرة وحقائقها الواضحة، كقولهم في آدم وحواء، إنهما النفس والطبيعة، وقولهم في ذبح البقرة : إنها النفس، وقولهم في أصحاب الكهف : إنَّهمُ الخالدون إلى أرض الشهوات، وأمثال ذلك، فتسكنُ قلوبُ كثير من أهل الضلال إلى ذلك استحلاءً لتحصيل الغايات فب البداياتِ واغتنامًا للزبدة المخصُوصةِ خالِصَةً من المتاعبِ، فإذا طالبَهُمُ الإنكار بتحقيقِ دَعْواهُم لَجئوا إلى الوُجْدانِ الذي لا يتعدَّى دليلُه، ولا يتضح على الغَيرِ بَرهانُه، {وَلَوْ شَاءَ اللهُ مَا فَعَلُوهُ}، فلقد كان لهم سعةٌ في تقليد السَّلفِ منهم في النهي عن الخَوض في ذلك، وإذا كانت كلماتُهُم وتفاسيرُهُم لا تفارقُ الإبهامَ والاستغلاق، فما الفائدة فيها، فالرجوعُ إذن إلى تصفح كلمات الشرع واقتباس معانيها من التفاسير المعتَضَدة بالأثر، ولو كانت لا تخلُصُ من الإبهام، أولى من إبهاهم الذي لا يُسْتَنَدُ إلى برهان عقل ولا قضية شرع.

والذي يجمع مذاهبهم على اختلافها وتشعب طرقها رأيان : الرأي الأول : رأي أصحاب التجلِّي، والمظاهر، والأسماء، والحضرات، وهو رأي غريب فليستوفي بالإشارة، ومن أشهر المتمذهبين به ابن الفارض، وابن بَرَّجّان، وابن قسي، والبُوني، والحاتمي، وابن سَوْدكين.

0 تعليقات: