نفحات الطريق: البعد التوحيدي للذكر في الإسلام (الوسيلة والغاية (18)

البعد التوحيدي للذكر في الإسلام (الوسيلة والغاية (18) - نفحات الطريق

ads code here

البعد التوحيدي للذكر في الإسلام (الوسيلة والغاية (18)

الوصل الثالث 

الذكر كأداة وصل بين غاية الداعية والدعوة 


وهذه الوصلة التوحيدية للذكر تؤسس مبدأ مهما جدا لنجاح الداعية في تواصله مع الدعوة من جهة ومع المدعو من جهة اخرى. وهو مبدأ «المناسبة» التي هي نتيجة الذوق الباطني الذي ينبغي ان يتمتع به الداعية إلى الله، وبدونه قد يعرف تعثرا ملموسا في أسلوب دعوته وتناقضات صارخة تطبع خطاباته وسلوكاته سواء الداخلية منها او الخارجية.

أولا: المناسبة والتلازم بين الذكر والدعوة

1) الذكر كضامن للمناسبة بين الداعية وغايته :

فالدعوة لا يمكن أن تؤدي إلى نتائج إلا إذا توفرت مناسبة ذوقية تطابق بين حال الداعية ومقصد خطاب الدعوة ورغبة المدعو في الاستماع إلى الدعوة. لكن الشرط الأساسي في هذا المثلث الدعوي. والذي يعد شرط الشروط في الدعوة إلى الله يبقى مرتكزا على حال الداعية. إذ يمكن أن يوجد خطاب الدعوة. ولكن بغياب الداعية قد لا ينتبه المدعو إلىالدعوة أو قد يوجد الداعية ولكن حاله يكون على غير ما تقتضيه الدعوة. فينتقل الخطاب على غير مقتضاه. فيكون بذلك مضللا للمدعو وليس أنه هاديا أو مرشدا له. وسبب ذلك طغيان طابعه الذاتي على فحوى الخطاب الدعوي الأصلي. كما أنه قد يوجد خطاب الدعوة ويباشر المدعو النظر فيه كنظر جزئي وحرفي ودون اعتماد المرجعية العملية المحددة لطرق توظيف نص الخطاب الدعوي، فيكون بذلك قد وقع في تفسيرات ذاتية أيضا للنص من الصعب أن يصل إلى مقصد النص وغايته المحورية. فتكون محطته إما جانبية او شكلية عرضية أو ذات غاية دنيوية محضة أو شبهها وما إلى ذلك.

ولضرورة المناسبة بين حال الداعية والدعوة والمدعو. فقد أصبح من العقائد الواجب أخذها في الاعتبار تحديد صفات الرسل والأنبياء من صدق وأمانة وتبليغ وصبر واستقامة. بل إن سن الرشد النبوي أصبح قاعدة في الدعوة إلى الله وهو الاربعين سنة فما فوقها. كما دلت عليه الآيات ودلت عليه سيرة رسول الله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الذي لم ينزل عليه الوحي إلا بعد سن الاربعين. وقبل هذا السن عرف تهييئات وترتيبات هيأه الله بها على مستوى حاله الباطني كان من اهمها موضوع شق صدره صلى الله عليه وسلم واستخراج حظ الشيطان منه. كما دلت عليه الروايات الصحاح. وهذه العملية جمعت بين المعنى الظاهري والباطني للسلوك النبوي والذي يعني كمال خلق النبي صلى الله عليه وسلم ظاهرا وباطنا وانشراح صدره في الدعوة إلى الله. لان تأديبه كان ربانيا كما عبر عن ذلك النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «أدبني ربي فأحسن تأديبي». فكان بهذا الحال يمثل مطلق المناسبة بين ذاته صـلى الله عليه وسلم وبين مقصد خطاب الدعوة ومستوى استماع أو توجه المدعو لقبول أو رفض الدعوة إذ إنزال الناس منازلهم شرط أساسي في الدعوة وهذا يقتضي ذوقا ووعيا دقيقا يتحدث الداعية فيه بالكلام المناسب مع الرجل المناسب في الموقف المناسب وبحسب الظروف المناسبة.

وقد تتحقق المناسبة في عدة مجالات بين أشخاص تختلف تصوراتهم وعقائدهم وأخلاقهم وطبائعهم وذلك لاشتراكم في غايات جزئية سرعان ما تندثر تلك المناسبة بمجرد قضاء المأرب المنشود وتحقيق الغاية الذاتية القاصرة.


غير أن الامر في الدعوة إلى الله تختلف المناسبة فيها عن المناسبات العادية بين الأفراد. لأنها تشترط خصوصية رئيسية كما سبق وذكرنا شرطها وهي إخلاص العقيدة والعبادة لله. ومن ثم فإن الغاية المحورية ستبقى دائما هي نفس ذلك الاخلاص ابتداء وانتهاء.« وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنتَهَى».


والثبات على هذه الغاية مسألة صعبة جدا وسط إغراءات الدنيا والأهواء والشياطين وحظوظ النفس وما إلى ذلك. والتركيز على هذه الغاية في طابعها الاخلاصي يمثل خصوصية في حق الأنبياء والرسل والاولياء. وهي تحتاج إلى صبر ومصابرة. كما نجد النص عليها في قول الله تعالى آمرا رسوله الكريم: «فَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا ۖ وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَىٰ» وقوله : «وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا».


فمبدأ الصبر والمصابرة للاستقرار على وحدة الغاية في الدعوة إلى الله. مسألة صعبة وعسيرة جدا أمام الاغراءات التي تتوفر بعد نجاح الدعوة النسبي في بداياتها من مال وجاه ورئاسة وما إلى ذلك ما لم تكن الدعوة معضدة بدعامة أساسية ومذكرة وضامنة لمواصلة الطريق على وتيرة وحدة الغاية. وهذه الدعامة هي ذكر الله تعالى والتزامه على المستوى الفردي والجماعي كما دلت عليه الآية الكريمة، إذ أن اهم أسباب صرف الهدف أو العمل عن غايته وهو إرادة وجه الله ابتداء يتمثل في السبب المادي الدنيوي المحض، وهو زينة الحياة الدنيا والسبب النفسي والاناني المحض وهو اتباع الاهواء. مما يؤدي إلى الإفراط والتفريط وهما شقي الامر الفرط في بعده وقصده الذميم لأن كلا قصد طرفي الامور ذميم. وعند هذا الأمر الفرط تتشابك الغايات الحسية والنفسية في حلة وطبيعة واحدة والمحددة في صرف الانسان عن الغاية الشريفة العليا والانكباب به في دوامة النسيان لها والغفلة عنها. فتصير طبيعته انه غافل عن الله وعن ذكره تعالى ومعرض عنه مما تترتب عنه النتائج السلبية كما سبق واشرنا إليها وبالتالي يحدث عدم التناسب بين المخاطب والخطاب لحالة سلبية وعلة مرضية في المخاطب وليس في الخطاب.


وإذا كان المخاطب ملزما بتبليغ الخطاب فإنه يكون من الضروري والواجب عليه أن يتناسب حاله مع الخطاب من جهة ومع المخاطب من جهة اخرى قولا وفعلا وسلوكا، وقبل هذا وذاك عقيدة وروحا ذائقا. وإلا كانت النتيجة من دعوته تتميز بعدم التناسق والانعكاس السلبي سواء على النفس او على المدعو أو على الدعوة ككل. وفي هذا المعنى يمكن الاستشهاد بهذه الآيات التي ابتدأت بالإشارة إلى التناسب الوجودي بين الكائنات المرئية وغير المرئية وهو التناسب في ذكر الله وتسبيحه وذلك قصد تأسيس التناسب في سلوك الإنسان بين قوله وفعله وبين عقيدته وسلوكه. يقول الله تعالى في سورة الصف: «سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ  كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ».


إرسال تعليق

0 تعليقات