-->
recent

آخر المشاركات

recent
random
جاري التحميل ...
random

الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل/الجيلي -23


الباب الثاني والعشرون في البصر


بصر الإله محلّ ما هو عالم         ويرى سواء نفسه والعالم
فجميع معلوم له عين له           وعيانه لجميع ذلك دائم
فيشاهد المعلوم منه كذاته              وشهوده هو علمه المتعاظم
فالعلم علم باعتبار بروزه              عند الشهود وذاك أمر لازم
وهما له وصفان هذا غير ذا           إذ ما البصير بواحد والعالم

اعلم، وفّقنا الله وإياك، أن بصر الحق سبحانه وتعالى عبارة عن ذاته فيحل علمه محلّ عينه وهما صفتان، وإن كنا على الحقيقة شيئاً واحداً، فليس المراد ببصره إلاَّ تجلي علمه له في هذا المشهد العياني، وليس المراد بعلمه إلاَّ الإدراك بنظره له في العلم الغيبي.
فهو يرى ذاته بذاته، ويرى مخلوقاته أيضا بذاته ، فرؤياه لذاته عين رؤياه للمخلوقات، لأن البصر وصف واحد، وليس الفرق الا في المرائي، فهو سبحانه وتعالي لا يزال يبصر الأشياء لكنه لا ينتظر الى شيء إلا اذا شاء.وهنا نكته شريفة لا يفهمها إلا الغرباء، فالأشياء غير محجوبة عنه أبدا ، ولكن لا يوقع نظره إلا اذا شاء ذلك.
ومن هذا القبيل ما ورد عن النبي صلي الله عليه وسلم الله تعالي عليه وسلم أنه قال: "إن لله كذا و كذا نظرة للقلب في كل يوم" أو ما في معنى ذلك، وقوله سبحانه وتعالى: { وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ } 77 سورة آل عمران.
ليس من هذا القبيل، بل النظر هنا عبارة عن الرحمة الإلهية التي رحم الله بها من قرّبه إليه، بخلاف النظر الذي له إلى القلب، فإنه على ما ورد وليس هذا الأمر مخصوصاً في الصفة النظرية وحدها، بل سار في غيرها من الأوصاف.
ألا ترى إلى قوله سبحانه وتعالى: { وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ }. ولا تظن أنه يجهلهم قبل الابتلاء تعالى الله، وكذلك في النظر، فهو لا يغفل القلب الذي ينظر إليه كل يوم كذا وكذا نظرة، لكن تحت ذلك أسرار لا يمكن كشفها بغير هذا التنبيه، فمن عرف فليلزم، ومن ذهب إلى التأويل إنه لا بد أن يقع في نوع من التعطيل فافهم.
وإعلم أن البصر في الإنسان هو المدركة البصرية الناظرة من شحمة كانت مرآة مسماة بالبصيرة، وهي نفسها بنسبتها إلى الله تعالى ببصره القديم.
وإذا كشف لك سرّ ذلك لا يكشفها إلاَّ الله لرأيت حقائق الأشياء على ما هي عليه،لا يحتجب إذ كذا عن بصرك. فافهم هذا السر العجيب الذي أشرت إليك في هذه الكلمات، وارفع عن عروش معانيها ذيول الستارات، وردّ أمرك إلى الله ، وكن أنت بلا أنت ولا أنت، بل يكون الله هو المدبر لك كيف ما شاء، أعني كما تقتضيه أوصافه والأسماء.
فارم هذا القشر الساتر، وكل اللباب الزاهر، وافهم حقيقة {وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ}(79)} سورة الأنعام .

عن الكاتب

حسن بن أحمد

التعليقات



إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد الموقع أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة

نفحات الطريق

2016