-->
recent

آخر المشاركات

recent
random
جاري التحميل ...
random

إيقاظ الهمم في شرح الحكم -47

 ثم استدل على ظهوره في المكونات بقوله تعالى : {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُوَالْبَاطِنُ}[الحديد:3] فأشار إلى تفسير الظاهر والباطن بقوله :

(أَظْهَرَ كُلَّ شَيءٍ أَبَانَهُ البَاطِن وَطَوَى وُجُودَ كُلَّ شَيءٍ أَبَانَهُ الظَّاهِر)

قلت مضمنه أن اسمه تعالى الباطن يقتضي ظهور الأشياءحسًّا ليكون باطنًا بسبب ظهور حسها لأن الحس رداء أسرار المعاني، واسمه الظاهر يقتضي بطون الأشياء، أي هلاكهاواضمحلالها، ليكون ظاهراً بما ظهر منها. هذا معنى قوله : أظهر كل شيء بأنه الباطن أي بسبب أنه الباطن ليتحقق بطونه بها وطوى وجود كل شيء بسبب أنه الظاهر ليتحقق انفراده بالظهور فيها

والحاصل أن الحصر في قوله تعالى : (هُوَ الظَّاهِر) يدل على أنه لا ظاهر معه، فانطويى وجود الأشياء واضمحل لها. وقوله هو (الباطن) يدل على أنه لا باطن سواه فبطنت الأشياء كلها بعد ظهورها، فدل كلامه سبحانه أن ما ظهر به هو الذي بطن فيه والذي بطن به هو الذي ظهر فيه، وإلّا لم لم يصح الحصر. فإن قلت : المتقابلان لا يجتمعان كالضدّين وكيف جمعتهما في ذات واحدة ،قلت : لم يتواردا على محل واحد بل ذلك باعتبارين فاسمه الظاهر باعتبار الحس في عالم الحكمة، واسمه الباطن باعتبار المعنى في عالم القدرة، فالحكمة ظاهرة والقدرة باطنة. أو تقول : ظاهر باعتبار مظاهر الربوبية، باطن باعتبار قوالب العبودية. أو تقول : ظاهر باعتبار التعريف باطن باعتبار التكييف. فالذات واحدة والاعتبارات مختلفة وذلك كثير.

فتحصل : أن الحق سبحانه ظاهر في بطونه باطن في ظهوره، ما ظهر به هو الذي بطن فيه، وما بطن به هو الذي ظهر فيه، أي ما ظهر فيه بحكمته هو الذي بطن فيه بقدرته وما بطن فيد بقدرته هو الذي ظهر فيه بحكمته، هو الذي قصده الشاعر بقوله :

لقد ظهرتَ فَلا تخفى على أحدٍ ... إلا على أكمَهٍ لا يبصرُ القمرا
لكن بطنتَ بما أظهرتَ محتجباً ... وكيفَ يعرفُ من بالعزَّةِ استترَا

والله تعالى أعلم.

تنبيه : قد كنت سألت الشيخين، أعني شيخنا وشيخه ،عن الخمرة الأزلية قبل تجلّيها، هل تسمى ظاهرة باطنة، وإنما تسمى باطنة فقط للطافتها حينئذ، فأجابني : بأن ما كان هو الذي ظهر وليس الذي ظهر غير ما كان في الأزل "كان الله ولا شئ معه وهو الآن على ما عليه كان" يعني أن الذات العلية كما كانت متصفة بصفاتها وأسمائها في الأزل بقيت كذلك فيما لا يزال فكان في الأزل ظاهراً باطناً وبقي بعد التجلِّي كذلك ظاهراً لنفسه باطناً عن خلقه ما تجلّى به ظاهراً هو فيه أيضاً باطن.

وقال القاشاني في شرح تائبه ابن الفارض ما نصه بعد كلام : وأظهر الحق تعالى سرد ذاته وصفاته في مظاهر أفعاله، وما كان لخفائه عليه قبل ذلك، كما حكاه عن المحبوبة بلسان الجمع في قوله :
مظاهرُ لي فيها بَدَوْتُ ولم أكنْ ... عليَّ بخافٍ قبلَ موطن برزة
ولكن ليتجلّى باسمه الظاهر آخراً كما كان متجلياً باسمه الباطن أولاً، والعجب كل العجب أنه تعالى ما ظهر بشئ من مظاهر أفعاله إلا وقد احتجب به كما قال :
بدَتْ باحتِجابٍ، واخْتَفَتْ بمظاهِرٍ.... على صِبَغِ التّلوينِ في كُلِّ بَرزَة
انتهى كلامه رضي الله عنه.

والتحقيق أن يقال : الحق تعالى لم يزل متصفاً بأسمائه وصفاته في الأزل وفيما لا يزال لكن ظهور آثارها وقع فيما لا يزال، فكان متصفاً باسمه الظاهر والباطن في الأزل، وظهر بعد ذلك آثارهما فيما لا يزال والله تعالى اعلم.

ثم بيَّن كيفية النظر والاعتبار في المكونات لتعرف ظهوره تعالى فيها، فقال :

(أَبَاحَ لَكَ أَنْ تَنْظُرَ مَا فِى الْمُكَوَّنَاتِ وَمَا أَذِنَ لَكَ أَنْ تَقِفَ مَعَ ذَوَاتِ الْمُكَوَّنَاتِ : {قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} فَتَحَ لَكَ بَابَ الأَفْهَامِ وَلَمْ يَقُلْ : انْظُرُوا السَّمَوَاتِ لَئِلَّا يَدُلَّكَ عَلَى وُجُودِ الأَجْرَامِ)

قلت : إنما أبرز الله هذه المكونات وأظهر هذه العوالم ليعرف بها ويظهر نوره فيها، قال تعالى : {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَا بَيْنهمَا لَاعِبِينَ}[الدخان:38]، {مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ}[الدخان:39] {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا}[المؤمنون:115]. قال في لطائف المنن: فما نصبت الكائنات لتراها ولكن لترى فيها مولاها، فمراد الحق منك أن تراها بعين من لا يراها، تراها من حيث ظهوره فيها ولا تراها من حيث كونيتها. قال : ولنا في هذا المعني :

ما أثبت لك العوالمَ إلَّا ... لتراها بعينِ مَنْ لا يراها
فَارْقَ عنها رقيّ من ليس يرضى ... حالةً دون أن يرى مولاها

فأباح لك أيها الإنسان أن تنظر ماذا في السموات والأرض من النور الذي قامت به الأشياء، وما أباح لك أن تقف مع ذوات المكوَّنات، تقف مع القشر وتحجب عن اللبّ. وقد تقدم قوله( الأَكْوَانُ ظَاهِرُهَا غِرَّةٌ ، وَبَاطِنُهَا عِبْرةٌ ) فمن وقف مع ظاهرها كان محجوباً ومن نفذ إلى باطنها كان عارفاً محبوباً، ولأجل هذا السر قال تعالى :{قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ}[يونس:101] أي ما فيها من عظمته، ومعاني أسرار ذاته، وكمال قدرته وإرادته، وسائر صفاته.

فقد فتح لك باب الأفهام، جمع فهم، أي قتح لك باب الفهم لتدخل بها من ظاهر القشر إلى باطن اللب حتى تعرفه في كل شيء وتفهم عنه في كل شيء، ولو قال الحق تعالى : " قل انظروا السموات " لدلَّكَ على الأجرام وسَدَّ لك باب الأفهام، وكيف يدلّك على الأجرام وهي أغيار، والأغيار مانعة من الدخول إلى شهود الأنوار. ومثال ذلك في التقريب : لو قال لك قائل : انظر هذه الثلجة لدلَّكَ على ظاهر جرمها، ولو قال لك : انظر ما في هذه الثلجة، لفتح لك باب الفهم إلى نظر ما في باطنها من الماء ون الوقوف مع ظاهر جرمها .

واعلم أن الحق سبحانه ندب عباده إلي معرفة ذاته، ودرجهم إليها شيئاً فشيئاً، فمنهم من قصر ومنهم من وصل، فدرّجهم أولاً إلى توحيد الأفعال، وأنه لا فاعل سواه، فقال تعالى : {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ}[القصص:68] {إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ}[هود:107] {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ}[الصّافات:96] {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ}[البقرة:253] وقال في فعل غير الآدمي:  {مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا}[هود:56]، وفي شأن الطير : {مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ}[المُلك:19] وقال تعالى : {وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم}[الأنعام:38] أي في قهر قبضتنا مقدرة آجالها، مقسومة أرزاقها، معدودة أنفاسها، محفوظة أجسامها، معلومة أماكنها، ظاهرة أشباحها، باطنة أنوارها.

وقال في توحيد الصفات : وإنه لا سميع ولا بصير ولا قدير ولا متكلِّم إلا الله {إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}[الإسراء:1] أي دونت غيره، فلا سمع ولا بصر إلا به سبحانه. وقال تعالى : {إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ}[الذاريات:30] وقال تعالى : {وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ}[الإنسان:30] إلى غير ذلك من الآيات.

وقال تعالى في توحيد الذات : {وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ}[الأنعام:3] {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ}[النُّور:35] على تفسير أهل الإشارة، وهم أهل الباطن. وقال : {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ}[البقرة:115] {وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ}[الإسراء:60] {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّه}[الفتح:10].

وقال في محو الواسطة : {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ}[القيامة:18] {أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاء صَبًّا. ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا}[عبس:25-26] أي بالحرث شقاً ويحتمل أن تكون منها أو من توحيد الأفعال : {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى}[الأنفال:17] {وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ}[الأنفال:63].

وقد يجمع الحق تعالى في آية واحدة توحيد الصفات ويرقى إلى توحيد الذات كقوله تعالى : {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ}[فُصلت:53].

ثم رقَّاهم إلى الشهود بقوله : {أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ }[فصلت53-54]. وقال تعالى : {إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ}[الملك:12].

ثم رقاهم من الغيب إلى الشهادة بقوله : {وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ}[الملك:13] {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}[الملك:14].

فتحصل أن الأشياء كلها قائمة بالله، أثبتها ليُعرف بها، ثم محاها بوحدانيته.


عن الكاتب

حسن بن أحمد

التعليقات



إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد الموقع أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة

نفحات الطريق

2016