-->
recent

آخر المشاركات

recent
random
جاري التحميل ...
random

إيقاظ الهمم في شرح الحكم -49

ثم أنَّ ذمك لنفسك إذا توجه الخلق إليك بالمدح إنما هو حياء من ربك حيث ستر عيوبك وأظهر محاسنك، وهو الذي نبَّه عليه بقوله :

(المؤمِنُ إذا مُدِحَ اسْتَحَى مِنَ اللهِ تَعالى أنْ يُثْنى عَلَيْهِ بِوَصْفٍ لا يَشْهَدُهُ مِنْ نَفْسِهِ)


قلت : قد تقرر أنَّ التحقيق ما ثم إلا سابقة التوفيق. ومن تمام نعمته عليك أن خلق فيك ونسب إليك، فإذا أطلق الثناء عليك بشيء لا نسبة لك فيه، وإنما أنت محل لظهوره فاستحي منه تعالى أن يثني عليك بشيء تعلمه أنه من فعل غيرك، أو لم يظهر عليك شيء منه أصلاً، فإن مدحت بشيء زائد على ما ظهر فيك فاطلب منه القوة على المزيد فإن ربك فعّال لما يريد، ولا يضرك مدحك بما تفعل إن لم تقصد التعرض للمدح، ففي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : «أتدرون من المؤمن؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «الذي لا يموت حتى يملأ الله مسامعه مما يحب، ولو أن رجلاً عمل بطاعة الله تعالى في جوف بيت إلى سبعين بيتاً على كل بيت باب من حديد لألبسه الله رداء عمله حتى يتحدث الناس بذلك ويزيدون، قيل يا رسول الله كيف يزيدون ؟ قال : المؤمن يحب ما زاد في عمله».الحديث.

وفي حديث آخر : قيل: يا رسول الله الرجل يعمل العمل خفية ثم يتحدث الناس به فيفرح، فقال عليه السلام: «له الأجر مرتين، أجر العمل وأجر الفرح، فإن مدح بما ليس فيه، واغتر بذلك فهو جاهل بربه».

كما أشار إليه بقوله :

(أجْهَلُ النّاسِ مَنْ تَرَكَ يَقينَ ما عِنْدَهُ لِظَنِّ ما عِنْدَ النّاسِ)


قلت : اليقين الذي عنده : هو عمله بمساويه وخفايا عيوبه، وما انظوت عليه سرائره من النقائص والتقصير. وظن ما عند الناس : هو ما يرون على ظاهره من الكملات وأنوار الطاعات التي تصحبها العلل الباطنية والحظوظ النفسانية، فيتوجهون إليه بالمدح والثناء، فإذا قنع بذلك وفرح بما هنالك، فهو أجهل الناس وأحمق الناس، إذ قد قنع بعلم الخلق ولم يخف من مقت الحق، والمطلوب من الفقير عكس هذا، وهو أن ينقبض عند المدح وينبسط عند الذم حتى يستويا عنده، هذا إن كان المادح من أهل الدين والخير، وأما أن كان جاهلاً أو فاسقاً فلا غباوة أعظم من الرضى بمدحهم والفرح به.

فقد روى عن بعض الحكماء أنه مدحه بعض العوام فبكى، فقال له تلميذه: "أتبكي وقد مدحك ؟ فقال له : إنه لم يمدحني حتى وافق بعض خُلقي خُلقه فلذلك بكيت". وقال يحيى بن معاذ رضي الله عنه : "تزكية الأشرار لك هجنة، وحبهم لك عيب عليك".
وقيل لبعض الحكماء : إن العامة يثنون عليك، فأظهر الوحشة من ذلك وقال : لعلهم رأوا مني شيئاً أعجبهم، ولا خير في شيء يعجبهم ويسؤني". 

فينبغي للفقير أن يخفي محاسنه وأعماله التي يُمدح عليها ويظهر ما يسقط به من أعينهم مما هو مباح كما تقدم في الخمول.

وكان شيخ شيخنا مولاي العربي رضي الله عنه يقول : "فينبغي للفقير ألا يكون صيته أكبر من قدمه، بل يكون قدمه أكبر من صيته، وقدره أكبر من دعواه" فيكون جلالي الظاهر جمالي الباطن، فكل ما تظهر على ظاهرك من الجلال يدخل في باطنك قدره من الجمال، وكل ما تظهره من الجمال يدخل قدره في باطنك من الجلال، فتزيين الظواهر يخرب البواطن، فبقدر ما تخرب في الظاهر يكون عمارة في الباطن، وبقدر ما تعمر في الظاهر يكون خراباً في الباطن، ولله در الشيخ المجذوب رضي الله عنه حيث قال في شأن الجهال : 
اتفقوا على الدين تركوه ... تعاندوا في المال الكساوى
الثوب من فوق غسلوه ... وخلوا القلب خاوي

فإذا أظهرت الجلال وأخفيت الجمال ثم أطلق الثناء عليك الكبير المتعال بما لست له أهلاً فأثن عليه بما هو أهله كما أبان ذلك بقوله : 

(إِذَا أَطْلَقَ الثَّنَاءَ عَلَيْكَ وَلَسْتَ بِأَهْلٍ فَأَثْنِ عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ)


قلت : إذا أطلق الله تعالى الثناء عليك على ألسنة خلقه بما لا تعلمه من نفسك ولست بأهل له، فاثن على الله بما هو أهله، أي بما يستحقه من التعظيم، ليكون ذلك شكراً لنعمة إطلاق الألسنة بالثناء عليك، وأيضاً فإنه هو الذي ستر عنهم مساويك وأظهر لهم محاسنك، ولو أظهر لهم ذرة من مساويك لمقتوك وأبغضوك، فإن العبد محل النقائص والحق تعالى محل الكمالات، فكل ما ظهر عليك من الكمالات فإنما هي رشحة من كمالاته تعالى. فالثناء في الحقيقة إنما هو لله، فإذا وقع عليك فرده أنت إلى أصله، وفي الحقيقة ما وقع إلاَّ في أصله، ولكن لمَّا اختلف القصد اختلف الحكم.

أُثني على بعض السادات وهو ساكت، فقيل له فى ذلك فقال: "وما علي من ذلك ولست أغلط في نفسي بل لست في البين، والمجرى والمنشىء هو الله تعالى". هذه حالة أهل الجمع. 

فالناس في حالة المدح والذم على ثلاثة أقسام :

قسم يفرحون بالمدح ويكرهون الذم لأن نفوسهم غالبة عليهم، ولا شك أنها تفرح بالعز والرفعة وتنقبض بالذم والضعة وهم العوام الغافلون. 

وقسم يكرهون المدح ويحبون الذم لأنهم في مجاهدة نفوسهم فكل ما يؤلمها ويقتلها أقبلوا عليه وكل ما يحييها ويقويها فروا منه وهم العباد والزهاد والسائرون من المريدين.

وقسم يفرحون بالمدح لشهوده من مولاهم وينقبضون من الذم لشهودهم جلال من به تولاهم وهم العارفون.

عن الكاتب

حسن بن أحمد

التعليقات



إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد الموقع أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة

نفحات الطريق

2016