-->
نفحات الطريق  نفحات الطريق
recent

آخر المشاركات

recent
random
جاري التحميل ...
random

إيقاظ الهمم في شرح الحكم -50


وقد أشار إلى القسم الثاني والثالث بقوله :

(الزُّهَّادُ إِذَا مُدِحُوا انْقَبَضُوا لِشُهُودِهِمُ الثنَاءَ مِنَ الخَلْقِ ، وَالْعَارِفُونَ إِذَا مُدِحُوا انْبَسَطُوا لِشُهُودِهِمْ ذَلِكَ مِنَ المَلِكِ الحَق)

أما العباد والزهاد فلأنهم محجبون برؤية الخلق عن شهود الحق، فإذا مدحوا شهدوا ذلك من الخلق، وحجبوا عن الجمع بالفرق فانقبضوا وخافوا على نفسوهم أن تغتر بذلك أو تقف هنالك وهم عاملون على ما تموت به نفوسهم وتحيى به قلوبهم، ولا شك أن المدح لها فيه حظ وافر، فربما تميل إلى ذلك فتعتقد المزية على الغير فيوجب لها التكبر والرضى وهما أصل كل معصية، واما الذم فلاحظ لها فيه إنما فيه موتها وفي موتها حياتها فلذلك إذا مدحوا انقبضوا، وإذا ذموا انبسطوا.

وأما العارفون الواصلون، فلأنهم فانون عن أنفسهم، باقون بربهم، غائبون عن الخلق بشهود الملك الحق، فإذا أثنى عليهم رأوا ألسنة الخلق أقلام الحق، وشهدوا الجمع في عين الفرق، ففرحوا بمدح مولاهم وانبسطوا عند من تولاهم، فيزدادون له حباً وشوقاً ،ويفنون فيه شغفاً وعشقاً.

وفي تعبير آخر : الناس في المدح والذم على أربعة أقسام :عوام جهال، وعباد زهاد ومريدون سالكون ، وعارفون واصلون.

فأما العوام : فنفوسهم غالبة عليهم،ودائرة الحس محيطة بهم محط نظرهم الخلق،غافلون عن طلب الحق إذا مدحوا وأقبل عليهم الخلق فرحوا وبطروا لنيل مرادهم وتحصيل أغراضهم،والنفس الأمارة مجبولة على حب الإمارة وإذا ذموا وأدبر عنهم الخلق انقبضوا وحزنوا لفوات ما أملوا فهؤلاء قلوبهم خربة من النور .
وأما العباد والزهاد : فهم مجتهدون في العبادة،فارون من الخلق،طالبون رضى الحق ،مستوحشون من الناس،تحققوامنهم الإياس،فإذا أقبلوا عليهم بالمدح والثناء انقبضوا وخافواأن يشغلوهم عما هم فيه، وإذا ذموا وأدبر عنهم الخلق فرحوا وانبسطوا لتفرغهم حينئذ للعبادة وإقبالهم على ما هم عليه من المجاهدة .
وما المريدون السالكون : فهم عالمون على قتل نفوسهم وحياةقلوبهم،فإذا ذموا وأدبر الخلق عنهم فرحوا لما في ذلك من موتنفوسهم وحياة قلوبهم،وإذا مدحوا انقبضوا خوفاً على قوة نفوسهم وضعف قلوبهم،إذ في موت النفس حياة القلوب وفي حياة القلوب موت النفوس .
وأما العارفون : فقد ظفروا بنفوسهم،ووصلوا إلى شهود معبودهم ،فهم يستأنسون لكل شئ، لمعرفتهم في كل شئ يأخذون النصيب من كل شيء ،ويفهمون عن الله في كل شئ فإذا مدحوا انبسطوا بالله لشهودهم المدح من الله وإلى الله ولا شئ في الكون سواه،وليس أحد أحب إليه المدح من اللهكما في الحديث وإذا ذموا انقبضوا تأدباً مع جلال الله أو شفقةعلى عباد الله :" من عادى إلى ولياً فقد آذنته بالحرب ".
فصار بسطهم بالله وقبضهم بالله واستغنوا به عما سواه وبهذا المعنى وهو الفناء على النفوس صح مدحهم لأنفسهم،تحدثاًبما أنعم الله عليهم،كالشيخ عبد القادر الجيلاني رضي الله عنه والشاذلي والمرسي والشيخ زروق وأشباهمهم رضي الله عنهم وذلك مشهور عنهم نظماً ونثراً، ومن أجل ذلك أيضاً أقروا من مدحهم وأظهروا الانبساط عند مدحهم.

ومدح الشيوخ من أعظم القربات وأقرب الوسائل إلي الوصول إذ هم باب الله الأعظم ،ويد الله الآخذة بيد الداخلين إلى الحضرة فمن مدحهم فقد مدح الله : {إن الذين يبايعونك إنما يباعيون الله} ومن ذمهم فقد ذم الله ، وكذلك مدح الرسول صلى الله عليه وسلم هو باب عظيم في الوصول إلى حضرة الكريم .
وكذلك مدح الرسول صلى الله عليه وسلم هو باب عظيمفي الوصول إلى حضرة الكريم، فإن قلت قوله عليه السلام : "احْثُوا التُّرَاب فِي أَوْجُهِ المَادِحِين" يقتضي العموم فيصدق بمدح العارفين وغيرهم، قلت : هو محمول على المدح بالكذب على وجه الطمع كما يقع للموك وأرباب الأموال طمعاً فيما عندهم، أو يحمل على من كان باقياً مع نفسه خائفاً عليها كالعباد والزهاد، فإذا مدحهم أحد فينبغي أن يزجروه ويحثوا في وجهه التراب. قيل : حقيقة، وقيل : كناية عن الخيبة والرد والنهي والزجر.

وأما العارفون المتحققون، فقد عرفوا الممدوح وغابوا عن شهود الواسطة في المادح والممدوح مفعنا الله بذكرهم وخرطنا في سلكهم آمين.

 ثم من علامة الكمال تحقيق الاعتدال واستواء الأحوال في ثمانية خصال : المدح والذم العو والذل والقبض والبسط والمنع والعطاء. وقد تقدم بعضها. وأشار إلى الأخيرتين بقوله :

(مَتَى كُنْتَ إِذَا أُعْطِيْتَ بَسَطَكَ الْعَطَاءُ، وَإِذَا مُنِعْتَ قَبَضَكَ الْمَنْعُ، فَاسْتَدِلَّ بِذَلِكَ عَلَىَ ثُبُوْتِ طُفُوُلِيَّتِكَ، وَعَدَمِ صِدْقِكَ فِيْ عُبُوْدِيَّتِكَ)

قلت : الطفولية والتطفل : هو الدخول في قوله ليس منهم ولم يستأذنهم، والطفيلي : هو الذي يأتي للوليمة من غير دعوة وهو منسوب إلى رجل من أهل الكوفة من بني عبد الله بن غطفان كان يقول له طفيل الأعراس، كان يأتي إلى الولائم من غير أن يدعى إليها. فشبه المؤلف به من دخل مع القوم ولم يتحقق بما تحققوا به من استواء الأحوال، فإذا كنت أيها الفقير إذا أعطيت حظوظك ومناك واتصلت بعوائدك وهواك من الغنى والعز والجاه والبسط والصحو والعافية وغير ذلك من الحظوظ والشهوات، انبسطت وفرحت، وإذا منعت من حظوظك وشهواتك وأبدلك الغنى بالفقر والعز بالذل والجاه بالخمول والبسط بالقبض والصحة بالمرض والعافية بالبلية انقبضت وجزعت. فاستدل بذلك على ثبوت تطفلك على كلامهم ولا نسبة لك من مقامهم، وإنما أنت طفيلي الأعراس مازلت في غفلة النعاس، واستدل بذلك أيضاً على عدم صدقك في عبوديتك إذا الصدق في العبودية يقتضي استواء النعمة والبلية، كما قال الشاعر :
أحبايَ أنتُمُ أحسَنَ الدهرُ أم أسَا ... فكونُوا كمَا شئتُم أنَا ذلِكَ الخِلُّ

قال أبو عثمان الحيري رضي الله عنه : "لا يكمل الرجل حتى يستوي قلبه في أربع أشياء : في المنع والعطاء والعز والذل". فإذا كان الفقير يتضعضع عند الجلال وينهزم عند حملة الأبطال، فاعلم أنه ضعيف الحال متطفل على مقامات الرجال.

قال في التنوير [في إسقاط التدبير] : وقد ابتلى الله بحكمته ووجود منته الفقراء الذين ليسوا بصادقين بإظهار ما كتموا من الرغبة وأسرُّوا من الشهوة، فابتذلوا أنفسهم لأبناء الدنيا مباسطين لهم ملايمين لهم موافقين لهم على ملذوذاتهم مدفوعين على أبوابهم، فترى الواحد منهم يتزين كما تتزين العروس معتنون بإصلاح ظواهرهم غافلون عن إصلاح سرائرهم، ولقد وسمهم الحق بسمة كشف بها عوارهم واظهر أخبارهم فبعد أن كانت نسبته أن لو صدق مع الله أن يقال فيه عبد الكبير، فخرج من هذه النسبة لعدم صدقه فصار يقال له : شيخ الأمير، أولئك الكاذبون على الله الصادون العباد عن صحبة أولياء الله، لأن ما يشهده العموم منهم يسحبونه على كل منتسب لهم صادق وغير صادق، فهم حجب أهل التحقيق وسحب شموس أهل التوفيق ضربوا طبولهم ونشورا أعلامهم ولبسوا دروعهم، فإذا وقعت الحملة ولُّوا على أعقابهم ناكصين، ألسنتهم منطلقة بالدعوى وقلوبهم خاوية من التقوى، ألم يسمعوا قوله تعالى : {لِّيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ}[الأحزاب:8] أترى إذا سأل الصادقين عن صدقهم أيترك المدعين من غير سؤال، ألم يسمعوا قوله سبحانه :{وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}[التوبة:105] فهم في إظهار زي الصادقين وعملهم عمل المعرضين، كما قال القائل :

أمّا الخِيَامُ فإنَّها كخيامِهِم ... وأرَى نساءَ الحيِّ غيرَ نسائِهَا
لا والذي حجتْ قريشُ بيتَهُ ... مستقبلينَ الركنَ من بطحائِها
ما أبصرتْ عيني خيامَ قبيلةٍ ... إلّا بكيتُ أحبتي بفنائِهَا

عن الكاتب

حسن بن أحمد

التعليقات



إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد الموقع أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة

نفحات الطريق

2016