-->
recent

آخر المشاركات

recent
random
جاري التحميل ...
random

القولُ المعروفُ في الرَّدِّ على مَنْ أَنكَرَ التَّصَوُّفَ -4


الجهر والإسرار في الذكر


ومهما صحَّ أنه مشروع - كما تقدّم - فهل قيّد تعالى مشروعيته بكونه سرًّا أو جهراً ؟ فإن قلت : جاء في الدين ما يقوِّي جانب الإسرار فيه فأقول : وكذلك جاء ما يُقوِّي جانب الجهر به ليكون الإنسان ذاكراً في جميع الأحوال، ومن ذلك التكبير يوم العيد والآذان، والإقامة، والجهر بالصلاة الليلية.

ومن الترغيب في الجهر بالذكر ما أخرجه أبو شجاع الديلمي في مسند الفردوس، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: "قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : (من قال لا إله إلاّ الله ومدَّ بها صوته، أسكنه الله دار الجلال، ورزقه النظر إلى وجهه)[1] ومثله ما أخرجه البيهقي عن يزيد بن أبي أسلم قال : قال ابن الأدرع : انطلقت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمرَّ بي بي برجل[2] في المسجد يرفع صوته بالذكر، فقلتُ : يا رسول الله، عسى أن يكون هذا مُرائياً ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : "لا ولكنه أوَّاه"[3]) وفي بستان القرَّاء أنّ النبّي صلّى الله عليه وسلّم كان يجهر مع أصحابه بالأذكار بعد الصلاة.

وبالجملة إنّ الجهر بالذكر ليس بأضعف دليل من الإسرار به، ويزيد عليه الجهر بانتفاع السامع به، ويكفينا في فضيلة الجهر؛ أن إسلام الجن كان من أجله، قال تعالى فيما أنزله على عبده حكاية عن الجن وما هو سبب إسلامه {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ}[الجن: آية 1-2] والذي يحقق الفضيلة، ويزيدنا في العلم تفضيلا هو قوله عليه الصلاة والسلام : (السرّ أفضل من العلانية، والعلانية أفضل لمن أراد الاقتداء به) وإنّي أخشى على من إذا سمع الجهر بالذكر تشمئز نفسه أن يكون داخلا في جملة من وصفهم الله تعالى بقوله : {وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ ۖ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ}[الزمر آيـة: 45] ولا يخفى أن الاشمئزاز المشار إليه لا يتصور إلا مع الجهر بالذكر، وقد تقدّم ما في معنى هذا، ثم أقول : أنه إذا ثبت كون الجهر بالذكر من أفعال البر فلا مانع حينئذ من جواز الاجتماع عليه لقوله تعالى : {تَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}[المائدة - الآية 2]، وهذا بقطع النظر عمّا ورد من الترغيب في حضور مجلس الذكر حسبما تقدّم في غير ما حديث.

وعلى ما تقرّر يتعيّن عليك الاعتراف بجواز الذكر جماعة، وحينئذ فلم يبق لك إلاّ أن تبين لنا كيفيّة الاجتماع على ذكر الله لأنّ الهيئة التي بلغتك عن السلف من أنّهم يجتمعون في بيت أحدهم على قراءة القرآن والصلاة على النبيّ والدعاء لأنفسهم وللمسلمين، لم تقم عندك الحُجّة بها بل شددت عليهم النكير، وكان الحق أن تجعلها على الأقل من البدع المستحسنة.

الهوامش

1 - ذكره ابن حبان في المجروحين وأورده الذهبي في ميزان الاعتدال، وهو حديث موضوع.
2 - عبد الله ذو البجادين رضي الله عنه.
3 - رواه البيهقي في شعب الإيمان. 

عن الكاتب

حسن بن أحمد

التعليقات



إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد الموقع أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة

نفحات الطريق

2016