نفحات الطريق  نفحات الطريق

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

مشارق أنوار القلوب و مفاتح أسرار الغيوب-3


مشارق أنوار القلوب و مفاتح أسرار الغيوب-3
إشارة : واعلم أن جوهر النفوس القدسية الإلهية كلها واحد، وإنما أوجب لها الكثرة اختلاف استعداد القوة الحيوانية التي في الجسم وتتفاوت لتفاوت مزاج الجسم في الاعتدال، إذ يوجد مزاجٌ أتمّ اعتدالا من آخر، فأعطى الحق تعالى كل جسم نفسا تليق باستعداده الذي خلقه فيه من الكمال والنقص والقوة والضعف على ما جرت به سنة الله تعالى، كما أن جنس النور واحد بالجملة واحد فإنما يختلف بالشدة والضعف، فنور الشمس أقوى من نور القمر ونور القمر أقوى من نور الكواكب، وكذلك المياه جنسها واحد وإنما يتنوع بأمور عرضت لها زائدة على جوهر الماء من الحرارة والبرودة والعذوبة والملوحة والغلظ والرقة، فهذا هو سبب الخلاف العارض للنفوس في هذا العالم ولأجل هذا الاختلاف اختلفت العلوم والمعارف والإدراكات والأذواق ومنازل العارفين.

ومما يزيدك وضوحا أنّا لو فرضنا شخصاً واحداً قد قابلت وجهه مختلفة الأشكال بالصغر والكبروالصفاء والكُدرَة وسائر الاختلافات فإنّا نجد كل مرآة منها تنطبع فيها منه صورة مخالفة للأخرى وذلك لاختلاف المرايا لا لاختلاف صورة ذلك الشخص الواحد في نفسه، فلو فرضنا مرآتين متساويتين في جميع الصفات الذاتية والعرضية حتى لا يوجد بينهما فرق لكانت الصورة الحاصلة فيهما من ذلك الشخص واحدة، وهذا الفرض باطل لعدم التساوي بالكلية، لكن لما تقاربت المرايا في المناسبة تقاربت الصور في المماثلة،فلو وُجد إنسانان متساويان في صورة الاستعداد الإنساني وخُلقت لهما على هذا التقدير نفس واحدة لكان معلومُ كل واحد منهما نفسَ معلوم الثاني وبطلت الاثنينية وحصل الاتحاد وهذا متعذر، وإنما يتقارب المناسب مقاربةَ شديدةً وهذه المناسبى هي الموجبة للمحبّة، وتقوى المحبّة بحسب قوّتها حتى لا يفهم المحبّ أنّ بينه وبين محبوبه فرقاً أصلاً، كما قيل (من المجتث) :

أفنيتني بك عنّي         يا غاية المتمنّي
أدنيتني منك حت     ظننتُ أنّك أنّي

وبقدر هذه المناسبة يكون عشق إحدى النفسين للأخرى إذ تتصور نفسُ العاشق أنها هي ذات المحبوب وأنّ إدراكها لمحبوبها هو نفس إدراكها لذاتها وهذا معنى الاتحاد، كما حُكي أنّ شخصين متحابّين ركبا سفينة فزلّت قدم أحدهما من أعلى السفينة فسقط في البحر فلما رآه صاحبه لم يتمالك أن سقط معه، فلمّا رُفعا إلى السفينة قال الأول منهما لصاحبه : أنا سقطتُ دون قصد وأنت لماذا سقطتَ ؟ فقال له : ظننت أني أنت وغبتُ عن نفسي فسقطت. فكان انفعال الجسم عن تصوّر النفس حقيقة الاتحاد، وهذا كثير في العُشّاق. (من الرمل) :

كلّما مسَّك شيءٌ مسّني      فإذا أنت أنا في كلِّ حال

عن الكاتب

حسن بن أحمد

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

نفحات الطريق