نفحات الطريق  نفحات الطريق

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

مشارق أنوار القلوب و مفاتح أسرار الغيوب-2

مشارق أنوار القلوب و مفاتح أسرار الغيوب-2

اعلم أن كمال النفس هو عين سعادتها كما أن عدم كمالها البتة هو نفس شقاوتها، وإنما يكون كمالها ونقصانها في هذه الدار ما دامت مصاحبة لبدنها، فكمالها أن تصير بالرياضة بحيث تدرك المعارف الربانيّة بغير واسطة من العالم العلوين لا من خارج بطريق الحواسّ، وتنطبع بالفضائل من محبّة الحقّ ومعرفته، والشوق إلى جمال حضرته، فيصير لها ذلك خُلقا وعادة ونقصُها بضدّ ذلك، وذلك بأن لا تعرف الحقّ ولا تحبّه ولا تشتاق إليه وتصير لها الرذائل خُلُقا ثابتا، إذ خُلقَتْ مستعدّة للأمرين جميعا والبارئ تعالى ييسّر كلاًّ لما يريده منه من خيرٍ أو شرٍّ. ولا تتوهم أن النفس تستفيد بعد فراق الجسد كمالا ولا تقدر على تحصيله، وليس أيضا بين إدراكها للحقائق في الدنيا وإدراكها لذلك في الآخرة فرق، بل هذا هو عين هذا إلا زيادة كشف ووضوح كما بين تصور ذات الشيء في الخيال وبين رؤيته بالبصر، وكما أنّا قدّرنا إنسانًا وُلِدَ أعمى إلا أنه تامّ الفطرة جيِّد الحدس وقد وُصفت له مدينته التي نشأ فيها وصفاً كاملاً شافياً، وتواتر وصفُها له عنده حتى كأنه يشاهدها وحتى يصفها لغيره من العميان ويتصرف في سائر نواحيها وطرقها بلا قائد، فإن هذا إذا رُزقَ البصر دفعةً واحدةً وشاهد تلك المدينة رآها على وفق ما كان منطبعاً في خياله منها قبل مشاهدتها إلا أن الرؤية أكثر وضوحاً وأكثر جلاءً، وكذلك رؤية الشيء في غيم رقيق لا يمنع الرؤية على وجه مّا ثم رؤيته بعد انقشاع ذلك الغيم، ولذلك نجد كثيرًا من الناس يعشق الصورة الحسية الإنسانية بالسماع حتى يهيم بها ثم يهواها بعد ذلك فتكون عنده على وفق الصورة المنطبعة في نفسه منها بالسماع. فهذا هو الفرق بين إدراك العارف في الدنيا وإدراكه في الاخرة، إذ لا عَائِقَ عَنْ كَمَالِ الإدْرَاك واللذَّةِ بِهِ في الدُّنيَا إلا حُجُبُ الأجْسَامِ وتَدْبِيرُ ضَرُوْرَاتِها، فَإذا ذهَبَتْ عَلائقُهَا مِنَ النَّفْسِ وانْصَرَفت عَنْ تَدْبِيرِهَا بالمَوْتِ، كانَت لَذَّةُ المَعْرِفة أَكْمَلَ وأتَمَّ.

وقد تَتَّفِقُ لِمَن تَجَرَّد في هذه الدَّار عَن حُبِّ المَحْسُوْسَات وَعَلائقِهَا هَذه المَعْرِفَةُ الكَامِلَةُ، ولهَذَا قَالَ بَعْضُ العَارِفِين:" لَوْ كُشِفَ الغِطَاءُ مَا ازْدَدْتُ إلا يَقِيْناً". 

وإذا كانت المعرفة التي تحصل للعارف في الدنيا هي بعينها التي توصلُه في الآخرة إلىرؤية الحق فمن لم يعرف الحق تعالى في الدنيا ويلتذُّ بمعرفته ومحبّته لا يراه في الآخرة ولا يلتذّ بمشاهدته إذ يموت المرء على ما عاش عليه، ويُبعَث على ما مات عليه {وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً} [الإسراء:72].

عن الكاتب

حسن بن أحمد

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

نفحات الطريق