نفحات الطريق  نفحات الطريق

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

إيقاظ الهمم في شرح الحكم -55

وقد تكون وبالا في حق المريد كما أبان ذلك بقوله :

(مَنْ اطَّلَعَ عَلى أسْرارِ العِبادِ وَلَمْ يَتَخَلَّقْ بالرَّحْمَةِ الإلهِيَّةِ كانَ اطِّلاعُهُ فِتْنَةً عَلَيْهِ وَسَبَباً لِجَرِّ الوَبال إِلَيْهِ)


قلت : الاطلاع على أسرار العباد قبل التمكين في الشهود والتخلق بأخلاق الملك المعبود فتنة عظيمة وبلية ومصيبة ، وذلك لأنه قبل التمكين في المعرفة قد يشتغل بذلك قلبه ويتشوش خاطره ولبه فيفتره عن الرسوخ في معرفة الملك الودود. وأيضا مادامت النفس حية ولم يقع الفناء عنها قد يعتقد بذلك المزية على الناس فيدخله الكبر والعجب وهما أصل المعاصي ، فكان إطلاعه حينئذ على أسرار العباد سببا في جر هذا الوبال أي العقوبة إليه وهو التكبُّر على الناس واعتقاد المزية عليهم وهو سبب البعد عن الله بخلاف مااذا تمكن في معرفة الحق وتخلق بأخلاقه وتحقق بمعاني صفاته وأسمائه، فانه يكون على خلق الرحمن، فإذا اطلع على معاصي العباد ومساويهم رحمهم وسترهم وحلم عليهم ، وقد قال عليه السلام : (الْخَلْقُ عِيَالُ اللَّهِ وَأَقْرَبُكُمْ إِلَى اللهِ أَرْحَمُكُمْ بِعِيَاِلِه) ، وقال صلى الله عليه وسلم : (الرَّاحمونَ يرحمُهُمُ اللَّهُ ، ارحَموا أَهْلَ الأرضِ يرحمُكُم مَن في السَّماءِ)

( وفي الإشارات) عن الله سبحانه : "عبدي إن استخلفتك شققت لك من الرحمانية شقا فكنت أرحم من المرء بنفسه".

وروي أن إبراهيم عليه السلام حدَّث نفسه أنه أرحم الخلق فرفعه الله حتى أشرف على أهل الأرض فأبصر أعمالهم وما يفعلون فقال : " يارب دمِّر عليهم ، فقال له الله تعالى : "أنا أرحم بعبادي منك يا إبراهيم فلعلهم يتوبون ويرجعون".

وفي بعض التفاسير : أنه كان يعرج كل ليلة الى السماء، وهو قوله تعالى : {وَكَذَٰلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}[الأنعام:75] فعرج به ذات ليلة فاطلع على مذنب على فاحشة ، فقال : اللهم أهلكه يأكل رزقك ويمشي على أرضك ويخالف أمرك ، فأهلكه الله تعالى ، فاطلع على آخر فقال : اللهم أهلكه ، فنودي : كف عن عبادي رويدا رويدا فإني طالما رأيتهم عاصين .

وفي رواية أخرى فأوحى الله اليه : يا إبراهيم أين رحمتك للخلق أنا أرحم بعبادي منك ، إما يتوبون فأتوب عليهم، وإما أن أخرج من أصلابهم من يسبحني ويقدسني، وإما أن يبعثوا في مشيئتي فأعفوا وأعاقب ، ياإبراهيم كفر ذنبك في دعوتك بدم قربان، فنحر إبلا فنودي في الليلة الثانية : كفر ذنبك بدم فذبح بقرا، فقيل له في الثالثة فذبح غنما، فقيل له في الرابعة كذلك فقرب من الأنعام الى الله ما بقي عنده، فقيل له في الخامسة، فقال : يارب لم يبق لي شيء، فقيل له : إنما تكفر ذنبك بذبح ولدك لأنك دعوت على العصاة فهلكوا، فلما شمر لذلك وأخذ السكين بيده قال : اللهم هذا ولدي وثمرة فؤادي وأحب الناس إلي، فسمع هاتفا يقول : أما تذكر الليلة التي سالت إهلاك عبادي، أو ما تعلم أني رحيم بعبادي كما أنت شفيق بولدك، فاذا سألتني إهلاك عبادي سألتك ذبح ولدك واحدا بواحد والبادي أظلم .

ولما كان الاطلاع على أسرار العباد قد يدرك بكثرة الطاعات والاجتهاد فقد تقصد النفس بالطاعة هذا الحظ الدنيء وهو مرض خفي. نبه عليه الشيخ بقوله :

(حَظُّ النَّفْسِ فِي المَعْصِيَةِ ظَاهِرٌ جَلِيٌّ ، وَحَظُّهَا فِي الطَّاعَةِ بَاطِنٌ خَفِيٌّ ، وَمُدَاوَاةُ مَا خَفِيَ صَعْبٌ عِلاَجُهُ)


قلت : حظ النفس في حظ النفس في المعصية هي المتعة البشرية الظاهرة كلذة الأكل والشرب والنكاح وسماع اللهو وغير ذلك مما هو أذواق الحس التي هي محرمة ، وحظها في الطاعة هي طلب الكرامات وخوارق العادات والاطلاع على المغيبات وكحب الخصوصية والمنزلة عند الناس ، ومداواة هذا المرض الخفي أصعب من مداواة الأول الجلي ، فكذلك المعنوي الباطني ما كان جليا متعلقا بالنفس أصعب مما كان خفيا متعلقا بالروح ، فالأول يمكن دواؤه بالعزلة والفرار من مواطن الأشرار وبصحبة الأخيار وبكثرة الطاعة والأذكار، بخلاف الثاني فلا تزيده الطاعة إلا كثرة وقوة إذ بها صارت تطلب حظها ، فلا يداويها من هذا إلا خوف مزعج أو شوق مقلق أو ولي عارف محقق يصحبه بالمحبة والتصديق .

قال بعضهم : من عسرت عليه نفسه فليسلمها إلى شيخ التربية ، قال تعالى : {وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَىٰ}[الطلاق:6] وإن عسرت عليكم أنفسكم فسترضع له نفسه نفس أخرى حتى يكمل فطامها فان لم يكن واحد من هذه مات وهو سقيم ولم يلق الله بقلب سليم، فالواجب على العبد اتهام نفسه ومراقبة قلبه فإذا استحلت النفس شيئا من الطاعات وألفته أخرجها إلى غيرها ولو كانت مفضولة في ظاهر أمرها وسيأتي للشيخ : "إذا التبس عليك أمران فانظر أثقلهما على النفس فانه لا يثقل عليها الا ما كان حقاّ.

قال أبو محمد المرتعش : "حججت كذا وكذا حجة عن التجريد، فبان لي أن جميع ذلك كان مشوبا، وذلك ان والدتي سألتني يوما أن أسقي لها جرة ماء، فثقل ذلك علي فعلمت أن مطاوعة نفسي في الحج كانت لحظ وشوب، إذ لو كانت نفسي فانية لم يصعب عليها ما هو حق في الشرع" ، وقال الشيخ احمد بن أرقم رضي الله عنه : "حدثتني نفسي بالخروج الى الغزو فقلت سبحان الله إن الله تعالى يقول : {إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ}[يوسف:53] وهذه تأمرني بالخير لا يكون هذا أبدا، ولكنها استوحشت تريد لقاء الناس فتستروح إليهم ويتسامع الناس بها فيستقبلونها بالتعظيم، فقلت لها : لا أسلك العمران ولا أنزل على معرفة، فأجابت، فأسأت ظني بها، وقلت : الله أصدق قولا، فقلت لها : أقاتل العدو حاسرا بالرأس من غير وقاية فتكوني أول قتيل، فأجابت، ثم عد أشياء كلها أجابت لها، فقلت :

"يا رب نبهني بها فإني لها متهم، ولقولك مصدق، فألهمت كأنها تقول : إنك تقتلني كل يوم مرات بمخالفتك إياي ومنع شهواتي ولا يشعر بي أحد، فان قاتلت وقتلت كانت قتلة واحدة فنجوت منك ويتسامع الناس فيقولوا استشهد أحمد فيكون شرفا وذكرا في الناس لي، فقعدت ولم أخرج ذلك العام" .

وقال الجنيد رضي الله عنه : "ضاقت علي نفسي ليلة حتى لم أطق الصبر، فخرجت ذاهبا على وجهي، فانتهيت الى رجل مطروح في المقابر مغطى الرأس، فلما أحس بي قال : أبو القاسم قلت : نعم ، قال : متى يصير داء النفس دواءها ؟ فقلت : إذا خالفت هواها صار داءها دواءها ، فقال لنفسه : اسمعي، فقد أجبتك بهذا مرارا، وأنت تقولين حتى أسمع ذلك من الجنيد، قال الجنيد : فانصرفت وما عرفته" .

عن الكاتب

حسن بن أحمد

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

نفحات الطريق