نفحات الطريق  نفحات الطريق

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

الانتصار للأولياء الأخيار-4


الانتصار للأولياء الأخيار-4

الباب الثالث في نفع محبّتهم


قال ربُّنا تبارك وتعالى : {الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ}[الزخرف:67] أي بعض الذين يتحابُّون في معصيّة الله تعالى لبعض عدو إلاّ المتقين فإنّ خُلَّتهم لمّا كانت في الله تبقى نافعة لهم أبد الآباد، {يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ}[الزخرف:68] حكاية لمّا ينادِي ربّه المتقون المُتحابُّون في الله يومئذ "الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا" صفة للمنادي، "وَكَانُوا مُسْلِمِينَ" حال من الواو في "الذين آمنوا" مخلصين، غير أنّ هذه العبارة آكد، ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم، نساؤكم المؤمنات تُحبرون وتُسرّون سروراً يظهر حباره، أي أثره على وجوهكم، أو تزينون من الحبر وهو حسن الهيئة، أو تكرمون إكراماً يبالغ فيه، والحبرة المبالغة فيما وصف بجميل، يطاف عليهم بصحاف من ذهب، وأكواب الصحاف، جمع صحفة وهي القصعة الواسعة، والأكواب جمع كوب وهو كوز لا عروة له، وفيها أي الجنة ما تشتهيه الأنفس.

قرأنا نافع وابن عامر وحفص تشتهيه على الأصل والباقون بخلاف الهاء، وتَلَذُّ الأَعيُن بمشاهدته وذلك تعميم بعد تخصيص، والمراد ما يعد من الزوئد في التنعّم والتلذّذ، و"أنتم فيها خالدون" فإن كل نعيم زائل موجب لكلفة الحفظ وخوف الزوال، ومتعقب للتحسّر في ثاني الحال، {وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ 72 لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ}[الزخرف:72-73] بعضها تأكلون لكثرتها ودوام نوعها، ولعلّ تفضيل التنعم بالمطاعم والملابس، وتكريره في القرآن وهو حقير، بالإضافة إلى سائر نعائم الجنة لِما كان بهم من الشدّة والفاقة، كذا ذكره البيضاوي.وقال نبينا صلى الله عليه وسلّم :(الأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ)1. وقال الإمام محي السنّة في هذا الحديث الشريف : بيان أنّ الأرواح خلقت قبل الأجساد، وأنها مخلوقة على الائتلاف والاختلاف، كالجنود المجنّدة إذا تقابلت، وذلك على حسب ما جُعلت عليه من التشاكل والتنافر في بدء الخَلق، فيرى البرّ الخير يحبُّ مثله، والفاجر يألف من شاكله، وينفر كل واحد من ضدِّه. 

قلتُ وفيه حثٌّ على محبَّة الصّالحين وزجرٌ عظيم من محبّة الفاسقين، فإنّ ذلك يدلُّ على علامة السّوء والعياذ بالله رب العالمين.عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضيَ اللهُ عَنْهُ ؛أَنَّ رَجُلاً قََالَ :(يَا رَسُولَ اللهِ ، مَتَى السَّاعَةُ ؟ قَالَ : وَمَاذَا أَعْدَدْتَ لَهَا ؟ قَالَ : لاَ ، إِلاَّ أَنِّي أُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ ، قَالَ : فَإِنَّكَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ.قَالَ أَنَسٌ : فَمَا رَأَيتُ المُسْلِمين فَرِحُوا بِشَيْءٍ ، بَعْدَ الإِسْلاَمِ ، فَرَحَهُم بِهَا).2، وفي رواية أنس رضي الله عنه : "فَأَنَا أُحِبُّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، وَأَبَا بَكْرٍ ، وَعُمَرَ ، وَأَنَا أَرْجُو أَنْ أَكُونَ مَعَهُمْ ، لِحُبِّي إِيَّاهُمْ ، وَإِنْ كُنْتُ لاَ أَعْمَلْ بِعَمَلِهِمْ". وقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم :(إنَّ اللَّهَ يقولُ يَومَ القِيامَةِ: أيْنَ المُتَحابُّونَ بجَلالِي، اليومَ أُظِلُّهُمْ في ظِلِّي يَومَ لا ظِلَّ إلَّا ظِلِّي).3

وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : (يَا رَسُولَ اللَّهِ ، كَيْفَ تَقُولُ فِي رَجُلٍ أَحَبَّ قَوْمًا وَلَمْ يَلْحَقْ بِهِمْ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (المَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ) "4، أي يُحشرُ معهم .

قال الإمام النووي في شرح مسلم : لا يشترط الانتفاع بمحبّة الصّالحين أن يعمل عملهم، إذ لو عَمِلَهُ لكان مثلُهُم، ولا يلزم من كونه معهم أن يكون منزلته وجزاءه مثلهم من كل وجه. انتهى. وفي شرح الجامع الصغير للمناوي قوله صلى الله عليه وسلم : (مَنْ أَحَبَّ قَوْماً حَشَرَهُ الله فِي زُمْرَتِهِمْ)5،  قال : من أحبَّ أولِياء الله فهو معهم في الجِنان، ومن أحبَّ حزب الشيطان فهو معهم في النّيران. وفيه بشارة عظيمة لمن أحبّ الصوفيّة أو تشبَّه بهم فإنّه يكون معهم مع تفريطه في القيام بما هو عليه في الجنّة، ومن تشبّه بهم إنّما فعل ذلك لمحبّته إيّاهم، ومحبّته لهم لا تكون إلبّا لتنبِّه روحه لما تنبّهت له أرواحهم، لأنّ محبّة الله تعالى محبّة أمره وما يُقرِّبُ إليه، ومن تقرَّب منهم يكون بجاذب الرّوح، لكن المتشبّه تفوّق بظلمة النفس، والصّوفي خلُص من ذلك. انتهى. وعن سفيان بن عينية رحمه الله تعالى أنّه قال : "عند ذكر الصالحين تنزل الرّحمة".

اللهم إنّا نتوسّل إليك بحبِّهم، فإنّهم أحبُّوك، ولم يحبُّوك حتّى أحببتهم، فبحبِّك إيّاهم وصلوا إلى حبِّك، ونحن لم نصل إلى حبِّهم فيك إلّا بحظِّنا منك، فتمِّم لنا ذلك حتى نلقاك يا أرحم الراحمين.

الهوامش

1 - صحيح البخاري : كتاب أحاديث الأنبياء : باب الأرواح جنود مجندة .
2 - الراوي : أنس بن مالك | المحدث : البخاري | المصدر : صحيح البخاري
3 - الراوي : أبو هريرة | المحدث : مسلم | المصدر : صحيح مسلم
4 - رواه البخاري (6169) ، ومسلم (2640)
5 - الراوي : الضياء أبو قرصافة | المحدث : السيوطي | المصدر : الجامع الصغير،الصفحة أو الرقم: 8298 | خلاصة حكم المحدث : حسن.

عن الكاتب

حسن بن أحمد

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

نفحات الطريق