نفحات الطريق  نفحات الطريق

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

المُعْزى في مناقب الشيخ أبي يَعْزى -27

المُعْزى في مناقب الشيخ أبي يَعْزى -27

الباب الرابـع
في ذكـر بعـض من أخذ
عنه من الشـيوخ وظـهرت عليه بركـاته


مازالت مادته بقدرِ الصدق فيه إلى يوم القيامة حتى قيل أن مادته لا تنقطع إلى يوم القيامة، يعني: حتى تنقطع الولاية في الأرض، وذلك حين لا يبقى من يقول: لا إله إلا الله؛ كما أشار إلى ذلك صاحب روض الرياحين.

وقد حدثني رجل من الصديقين في عام اثنين وستين من هذا القرن قال لي: قال الشيخ أبو يعزى: العروسة التي ما ركبت من عندنا في المغرب؛ عُرْسُها فاسدٌ؛ يعني: من لم تظهر عليه مادته، والله أعلم.

واعلم أن هذا الإمام الذين أخذوا عنه، وظهرت عليهم عنايته، وأشرقت لهم أسراره فانتفعوا به أكثر من أن يحصى عددهم.

والمشهور منهم جماعة فأكبرهم قدرًا وأفخمهم أمرًا:

الشيخ العارف الصدّيق الأكبر أبو مدين شعيب بن الحسين الأنصاري؛ أصله من حصن قطنيانة من عمل أشبيلية، ثم نزل بيجاية، وأقام بها إلى أن أمر بأشخاصه إلى حضرة مراكش، فمات وهو متوجِّهٌ إليها بموضعِ يُسر.

قلت: وهو وادٍ قريبٍ من تلمسان عام أربع وتسعين وخمسمائة.
وقيل: عام ثمانية وثمانين، والأول أشهر ودفن بالعباد خارج تلمسان, كذا قاله التادلي.
وقال أبو الصبر أيوب بن عبد الله الفهري في التعريف به: كان زاهدًا فاضلاً عارفًا بالله.
وقال أيضًا: كان مقبوضًا بالزهد والورع؛ مبسوطًا بالعلم، قد خاض من الأحوال بحارًا، ونال من المعارف أسرارًا، وخصوصًا مقام التوكُّل لا يشق عليه غباره، ولا تجهل آثاره.
وقال أيضًا: كان مبسوطًا بالعلم، مقبوضًا بالمراقبة، كثير الالتفات إلى الله تعالى بقلبه حتى ختم الله له بذلك.
وقال أبو العباس زروق: كان يدخل خلوته بـ (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير).

ولها خاصية في مقام التوكُّل، ولذلك كان أبو مدين لا يشق له فيه غباره، ولا يلحقه من السباق المضمار.

وقال صاحب النجم في التعريف به: سيدي أبو مدين سيد العارفين وقدوة السالكين، كان فردًا من أفراد الرجال وصدرًا من صدور أولياء الله الأبدال، جمع الله له علم الشريعة والحقيقة، وأنار به معالم هذه الطريقة، وأقامه ركنًا من أركان الوجود، وأظهره بالبلاد المغربية هاديًا وداعيًا للخلق للملك المعبود، فقُصد بالزيارة من جميع الآفاق والأقطار، واشتهر بـ «شيخ الشيوخ في الأمصار».

وقال ابن بادس وابن الخطيب وابن الزيّات وغيرهم من المعنيين بأخباره: إنه خَرج على يده ألفُ شيخٍ من أولياء الله تعالى؛ كلهم ظهرت له كرامةٌ أو كراماتٌ، وعُرفوا بإجابة الدعوة.
ونحن نذكر إن شاء الله طرفًا من أوصافهم فيما بعد؛ هذا على وجه التلميح والتبرُّك بآثارهم.
وكان شيخه سيدي أبي يعزى يقول فيه: إذا ذكر بين يديه أركان أندلسي؛ يعني: نِعْمَ الرجل الأندلسي شعيب.
فنال أبو مدين من بركاته وشاهد العُجب العجاب من كراماته، وكان يتكرَّر إلى مجالس العلماء.
قال التادلي: سمعت محمد بن إبراهيم بن محمد الأنصاري قال: سمعت أبا مدين يُحدِّث ببدء أمره.

ويقول: كنت يتيمًا بالأندلس، فجعلني إخوتي راعيًا لهم لمواشيهم، فإذا رأيت من يصلي، أو يقرأ أعجبني، ودنوت منه وأجد في نفسي غمًّا؛ لأنني لا أحفظ شيئًا من القرآن، ولا أعرف كيف أصلي، فقويت عزيمتي على الفرار لأتعلم القرآن والصلاة، ففرت فلحقني أخي، وبيده حربة، فقال لي: والله لئن لم ترجع لأقتلنك! فرجعت ثم أقمت قليلاً، فقويت عزيمتي على الفرار، فأسريت ليلةً، وأخذت في طريقٍ آخر، فأدركني أخي بعد طلوع الفجر، أو قال طلوع الشمس، فقال لي: والله لأقتلنّك وأستريح منك, فعلاَّني بسيفه ليضربني، فتلقيته بعودٍ كان في يدي، فانكسر سيفه وتطاير قطعًا.. قطعًا. فلما رأى ذلك بكى، وقال لي: يا أخي، اذهب حيث شئت، فذهبت إلى البحر وعبرت إلى طنجة، ثم ذهبت إلى سبته، فكنت أجيرًا للصيادين، ثم ذهبت إلى مراكش.

وقال أيضًا: أتيت إلى ساحل البحر، فإذا بخيمةٍ وإذا برجل خرج إليّ منها، وظنّ أني هربت من النصارى، فرمى بمسمارٍ في رأس قصبةٍ في البحر، فأخرج لي حوتًا، وشواه لي فأكلته، فكان كلما جُعْت فعل معي كذلك، ثم قال لى: يا هذا، أراك تروم أمرًا، وإن الله لا يُعبد بالجهل، اذهب إلى الحاضرة لتتعلم دينك.

قال: دخلت مدينة سلا، ثم مراكش، فأدخلني الأندلس الذين كانوا بها في جملة الأجناد، وكتبوني في ديوانهم، فكانوا يأكلون الطعام ولا يعطوني منه إلا القليل، أو قال: اليسير.

فقال لي بعضُ النصحاء: إن أردت أن تتفرَّغ لدِينك فعليك بمدينة فاس، فتوجَّهت إليها، ولزمت جامعها: يعني جامع القرويين، وتعلَّمت الوضوء والصلاة، وكنت أجلس على حلق الفقهاء والمذكرين، فلا أثبت على شيءٍ من كلامهم إلى أن جلست إلى شيخٍ ثبت كلامه في قلبي، فسألت: من هو؟ فقيل لي: أبو الحسن بن حرزهم، فأخبرته أني لا أحفظ إلا ماسمعته منه خاصةً، فقال لي: هؤلاء يتكلَّمون بأطرافِ ألسنتهم فلا يجاوز كلامهم الآذان، وأنا قصدت الله بكلامي فيخرج من القلب ويدخل القلب، ثم ذكر ماقدَّمناه من زيارته لأبي يعزى إلى آخره في الباب الذى قبل.

وقال أبو عليّ حسن بن محمد الغافقي الصوَّاف: وكان قد صحب أبا مدين نحوًا من ثلاثين سنة ما فارقه إلى أن مات بـ «يسير»؛كذا ذكره ابن الزيات قال: سمعت الشيخ أبا مدين يقول: كنت بقطنيانة فأردت التخلّي عن الدنيا، فسرت قاصدًا نحو بحر المغرب ثلاثة أيام أو أربعة أيامٍ، فلاحت كدية على البحر عليها خيمةٌ، فخرج إليّ منها شيخٌ وليس عليه إلا ما يواري به. أو قال: ما يستر عورته، فنظر إليّ، وظن أني أسيرٌ فَرَرْتُ من أرض الروم، فسألني عن شأني فأخبرته، فأخذ حبلاً وربط في طرفه مسمارًا، فرمى به في البحر فأخرج حوتًا شواه لي، فأكلته فأقمت عنده ثلاثة أيام كلما جُعت، رمى بالحبل والمسمار في البحر، فيخرج الحوت ويشويه، وآكُلَه، ثم بعد ذلك قال لي: أراك تروم أمرًا فارجع إلى الحاضرة، فإن الله لا يُعبد إلا بالعلم، فرجعت إلى أشبيلية، ثم ذهبت إلى شريش ومن شريش إلى الجزيرة الخضراء، فجزت البحر إلى سبته، وذهبت إلى فاس فلقيت بها الأشياخ، فسمعت رعاية المحاسبي على الشيخ أبي الحسن بن حرزهم، وإحياء علوم الدين، وسمعت كتاب السنن لأبي عيسى الترمذي على أبي الحسن على بن غالب.

وأخذت طريقة التصوُّف عن أبي عبد الله الدقّاق وأبي الحسن السلاوي، ورأيت في بعض التقاييد قال: ولبست الخرقة من أبي يعزى والله أعلم.

وإن أبي يعزى لبسها من شيخه أبو شعيب.
وإن أبي شعيب لبسها من أشياخه؛ مع أن الطريق عندهم على قسمين:
الأولى: صحبة واقتداء لا غير.
والأخرى: صحبة واقتداء ولبس الخرقة وتلقين الذكر والمُصافحة.
والكل معروف لا يُنكره إلا جاهلٍ غيرِ ممارسٍ للطريق وأهله.

قال الشيخ أبو مدين: فكنت أقيم بفاس آخذ آية من القرآن أو حديثًا، فأخرج إلى موضعٍٍ خالٍٍ متصلٍ بالساحل، فإذا فتح لي في العمل بالآية والحديث؛ عُدت إلى فاس فأخذت آيةً أو حديثًا؛ كذلك فأعمل عليهما، وكان الموضع الذي آوي إليه في الجبل عمرانًا طرأ عليه الخراب، فلم يبقَ من بنائه شيءٌ قائمٌ إلا مقصورة المسجد خاصة، فكنت إذا قعدت فيها تأوي إليَّ غزالةٌ، فلا أدري هل كانت تأوي إلى أهل ذلك المكان فرحلوا عليها وبقيت تأنس بالمكان؟ أم كانت تأوي إليّ؟ فكانت تأتيني متى جئت إلى ذلك المكان، فتشم من قرني إلى قدمي ثم تربض أمامي، فذهبت يوم الخميس إلى فاس، وبِتُّ بها ليلة الجمعة، فلقيت رجلاً من الأندلس أعرفه، فسألت أبا عبد الله بن أبي حاج عن ثوبٍ كان لي عنده فقال لي: وما تصنع به؟ فقلت له: أريد أن يباع ويدفع ثمنه إلى هذا الرجل، ويكون ذلك ضيافته فقال لي: خُذْ عشرة دراهم وادفعها له، فأخذتها وطلبت الرجل، فلم أجده فصررت الدراهم في صرة وجعلتها في مئزري.

وفي بعض التقاييد: فجعلتها في كرزتي، وخرجت إلى الجبل، فمررت بقريةٍ على طريقي فيها كلاب كثيرة كنت إذا مررت بها تبصبص إلى الكلاب، وتدور بي فلما قربت من تلك القرية أنكرتني كلابها ونبحتني، وما تخلصت إلى أن حال بينى وبينها أهل القرية، فلمّا وصلت مكاني من الجبل؛ جاءتني الغزالةُ فشمتني، ثم تنحت عني، ونظرتني نظرًا منكرًا، ونطحتني مرة ثانية وثالثة بقرونها، وأنا أتلقَّى قرنيها بيدي، فتفكّرت في سبب ذلك وفي إنكار كلاب القرية لي، فعلمت أنه من أجل الدراهم التي صررتها في مئزري، فنـزعتها ورميتها ناحية، فنظرت إليّ، وربضت أمامي على عادتها، فبت بذلك المكان فلما كان الصباح أخذت الصرة، وحملتها إلى فاس، فوجدت الرجل الذى أعددتها لضيافته فدفعتها إليه، ثم سرت إلى الجبل على عادتي فمررت بالقرية التي في طريقي، فبصبصت الكلاب على عادتها، ولم تنبحني فوصلت موضعي من الجبل، فجاءتني الغزالةُ على عادتها، فشمَّت السلهامة من قرني إلى قدمي، فربضت أمامي على عادتها.

وكانت له مجاهداتٌ ومكابداتٌ وخصوصًا في مقام التوكُّل، وله كراماتٌ كثيرة.

عن الكاتب

حسن بن أحمد

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد الموقع أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

نفحات الطريق