نفحات الطريق  نفحات الطريق

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

التربية النبويّة -12


الهمة العالية وقوة الروح


ونقصد بذلك أن الله تعالى قد خصّ نبيه المصطفى صلى الله عليه وسلم بأن جعل الهداية على يديه، فمنحه قوة روحية وهمّة عالية وباطناً نافذاً، وسلطاناً على النفوس والقلوب، وشاهد ذلك من سيرته صلى الله عليه وسلم، إذ كلّما توجّه إلى أمر وجمع همّته عليه إلا وتحقّق بإذن الله تعالى، ولقد ظهر ذلك في أمر تحويل القبلة إذ كان صلى الله عليه وسلم يريد ذلك واكتفى بجمع همّته عليه، وعبّر عن هذا الحال (بتقلُّبِ الوَجه)، قال تعالى {قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا}.[البقرة:144]

ولقد اتخد هذا الأمرعند رسول الله صلى الله عليه وسلم مظاهر عدّة منها :

- الدعاء : كقوله صلى الله عليه وسلم : "للَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ خَاصَّةً"1، فتحقّق ذلك، وكدعائه لعبد الله بن عباس : "اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الكِتَابَ"2، "اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ"3، فكان حبر الأمة وترجمان القرآن، ودعا لأنس بن مالك فقال صلى الله عليه وسلم : "اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ وَوَلَدَهُ، وَبَارِكْ لَهُ فِيمَا أَعْطَيْتَهُ".4

وكتب الحديث والسير والتراجم مليئة بأدعيته صلى الله عليه وسلم لصحابته رضي الله عنهم.

فعن أبي هريرة قال : كُنْتُ أَدْعُو أُمِّي إلى الإسْلَامِ وَهي مُشْرِكَةٌ، فَدَعَوْتُهَا يَوْمًا فأسْمعتْنِي في رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ ما أَكْرَهُ، فأتَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ وَأَنَا أَبْكِي، قُلتُ يا رَسُولَ اللهِ، إنِّي كُنْتُ أَدْعُو أُمِّي إلى الإسْلَامِ فَتَأْبَى عَلَيَّ، فَدَعَوْتُهَا اليومَ فأسْمعتْنِي فِيكَ ما أَكْرَهُ، فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَهْدِيَ أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ فَقالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ: اللَّهُمَّ اهْدِ أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَخَرَجْتُ مُسْتَبْشِرًا بدَعْوَةِ نَبِيِّ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، فَلَمَّا جِئْتُ فَصِرْتُ إلى البَابِ، فَإِذَا هو مُجَافٌ، فَسَمِعَتْ أُمِّي خَشْفَ قَدَمَيَّ، فَقالَتْ: مَكَانَكَ يا أَبَا هُرَيْرَةَ، وَسَمِعْتُ خَضْخَضَةَ المَاءِ، قالَ: فَاغْتَسَلَتْ وَلَبِسَتْ دِرْعَهَا، وَعَجِلَتْ عن خِمَارِهَا، فَفَتَحَتِ البَابَ، ثُمَّ قالَتْ: يا أَبَا هُرَيْرَةَ أَشْهَدُ أَنْ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، قالَ: فَرَجَعْتُ إلى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، فأتَيْتُهُ وَأَنَا أَبْكِي مِنَ الفَرَحِ. قالَ: قُلتُ: يا رَسُولَ اللهِ، أَبْشِرْ قَدِ اسْتَجَابَ اللَّهُ دَعْوَتَكَ وَهَدَى أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عليه وَقالَ خَيْرًا، قالَ قُلتُ: يا رَسُولَ اللهِ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ يُحَبِّبَنِي أَنَا وَأُمِّي إلى عِبَادِهِ المُؤْمِنِينَ، وَيُحَبِّبَهُمْ إلَيْنَا، قالَ: فَقالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ: اللَّهُمَّ حَبِّبْ عُبَيْدَكَ هذا، يَعْنِي أَبَا هُرَيْرَةَ، وَأُمَّهُ إلى عِبَادِكَ المُؤْمِنِينَ، وَحَبِّبْ إلَيْهِمِ المُؤْمِنِينَ، فَما خُلِقَ مُؤْمِنٌ يَسْمَعُ بي وَلَا يَرَانِي إلَّا أَحَبَّنِي.5

وضع يده الشريفة على المزكى : ذلك أنه صلى الله عليه وسلم في كثير من المشاهد التي لا تحصى ولا تعد كان يضع يده على وجه أو صدر أو رأس الصحابي فيدعو له، أو يبشره، وهي صورة تبين لنا نفاد قوته الباطنية، وبركة يده الشريفة صلى الله عليه وسلم.

فعن علي بن أبي طالي رضي الله عنه قال : "بعَثني النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إلى اليَمَنِ قاضيًا. فقُلتُ: تَبعَثُني إلى قومٍ وأنا حدَثُ السِّنِّ، ولا عِلمَ لي بالقَضاءِ؟ فوضَع يَدَه على صَدْري، فقال: ثبَّتكَ اللهُ وسدَّدكَ، إذا جاءكَ الخَصْمانِ فلا تَقْضِ للأَوَّلِ حتى تسمَعَ منَ الآخَرِ؛ فإنَّه أجدَرُ أنْ يَبينَ لكَ القَضاءُ، قال: فما زِلْتُ قاضيًا".6

وعن عثمان بن أبي العاص الثقفي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له : أُمَّ قَوْمَكَ قالَ: قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، إنِّي أجِدُ في نَفْسِي شيئًا قالَ: ادْنُهْ فَجَلَّسَنِي بيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ وضَعَ كَفَّهُ في صَدْرِي بيْنَ ثَدْيَيَّ، ثُمَّ قالَ: تَحَوَّلْ فَوَضَعَها في ظَهْرِي بيْنَ كَتِفَيَّ، ثُمَّ قالَ: أُمَّ قَوْمَكَ. فمَن أمَّ قَوْمًا فَلْيُخَفِّفْ، فإنَّ فِيهِمُ الكَبِيرَ، وإنَّ فِيهِمُ المَرِيضَ، وإنَّ فِيهِمُ الضَّعِيفَ، وإنَّ فيهم ذا الحاجَةِ، وإذا صَلَّى أحَدُكُمْ وحْدَهُ، فَلْيُصَلِّ كيفَ شاءَ.7

ولما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلممكة، ودخل المسجد أتاه أبة بكر بأبيه يعوده، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "هلا تركت الشيخ في بيته حتى أكون أنا آتيه"، قال أبو بكر : "هو أحق أن يمشي إليك من أن تمشي إليه"، قال : فأجلسه بين يديه، ثم مسح صدره، ثم قال له : "أسلم"، فأسلم.8

وجاء شاب إلى النلي صلى الله عليه وسلم : "يا نبيَّ اللهِ أتأذنُ لي في الزنا ؟ فصاح الناسُ به , فقال النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم قَرِّبوهُ , ادْنُ فدنا حتى جلس بين يديْهِ , فقال النبيُّ عليه الصلاةُ والسلامُ : أتحبُّه لأُمِّكَ فقال : لا , جعلني اللهُ فداك , قال : كذلك الناسُ لا يُحبُّونَه لِأمَّهاتِهم , أتحبُّه لابنتِك ؟ قال : لا ، جعلني اللهُ فداك قال : كذلك الناسُ لا يُحبُّونَه لبناتِهم... ثم وضع رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم يدَه على صدرِه وقال : اللهمَّ طهِّرْ قلبَه واغفر ذنبَه وحصِّنْ فَرْجَه فلم يكن شيءٌ أبغضَ إليه من الزنا" .9

والدليل على أن للرسول صلى الله عليه وسلم سلطانا باطنيا على القلوب والنفوس إحساس الصحابة بهذا الأمر وشعورهم به، فعن أنس بن مالك قال : " لمَّا كانَ اليومُ الَّذي دخلَ فيهِ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ المدينةَ أضاءَ منْها كلُّ شيءٍ، فلمَّا كانَ اليومُ الَّذي ماتَ فيهِ أظلمَ منْها كلُّ شيءٍ، وما نفَضنا عنِ النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ الأيديَ حتَّى أنْكَرنا قلوبَنا"10

إن أنس بن مالك رضي الله عنه يتكلم بصيغة الجمع، نائباً عن الصحابة رضي الله عنهم الذين أحسوا بمثل ما أحس به أنس رضي الله عنه، فوجود الرسول صلى الله عليه وسلم لم تكن إلا لإحياء القلوب، وتطهير النفوس، قال تعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ}[الأنفال:24]

وما أبدع ما عبّر به رسول الله صلى الله عليه وسلم في تأكيد هذا المعنى، إذ شبّه ما تحمله ذاته الشريفة من الهدى والعلم بالغيث والمطر العظيم الذي لا حدّ له، وكما أنّ المطر يحيي الأرض بعد موتها، كذلك صلى الله عليه وسلم : "إِنَّ مَثَل مَا بعَثني اللَّه بِهِ منَ الْهُدَى والْعلْمِ كَمَثَلَ غَيْثٍ أَصَاب أَرْضاً فكَانَتْ طَائِفَةٌ طَيبَةٌ، قبِلَتِ الْمَاءَ فأَنْبَتتِ الْكلأَ والْعُشْبَ الْكَثِيرَ، وَكَانَ مِنْهَا أَجَادِبُ أَمسكَتِ الماءَ، فَنَفَعَ اللَّه بِهَا النَّاس فَشَربُوا مِنْهَا وسَقَوْا وَزَرَعَوا. وأَصَابَ طَائِفَةٌ مِنْهَا أُخْرَى، إِنَّمَا هِيَ قِيعانٌ لا تُمْسِكُ مَاءً وَلا تُنْبِتُ كَلأ فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينَ اللَّه، وَنَفَعَه بمَا بعَثَنِي اللَّه بِهِ، فَعَلِمَ وعَلَّمَ، وَمثلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذلِكَ رَأْساً وِلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ".11

وعن أبي المدلة مولى أم المؤمنين أنه سمع أبا هريرة يقول "قلنا : يا رسولَ اللَّهِ ، إنا إذا رأيناكَ رقَّت قلوبُنا ، وَكُنَّا من أَهْلِ الآخرةِ ، وإذا فارقناكَ أعجبَتنا الدُّنيا وشمَمنا النِّساءَ والأولادَ ، فقالَ لَو أنَّكم تَكونونَ علَى كلِّ حالٍ ، علَى الحالِ الَّتي أنتُمْ علَيها عندي ، لصافحتْكُم الملائِكَةُ بأَكُفِّهم ، ولزارتْكُم في بيوتِكُم ، ولَو لم تذنِبوا لجاءَ اللَّهُ بقَومٍ يذنِبونَ كَي يغفرَ لَهُم .".12

لقد أثبت هذا الحديث معنى عظيماً من معاني أثر وجود هيكله الشريف صلى الله عليه وسلم، إذ أن مجرد رؤيته صلى الله عليه وسلم ترقق القلب، وترجع صاحبها من أهل الآخرة، إذ يتدبرويتفكر في لقاء الله، والاستعداد للآخرة، وهذا يدخل في ما يصطلح عليه بالتزكية بالحال، فحاله صلى الله عليه وسلممع ربه جعلت الصحابة يرقون ويستشرفون هذا المقام وذلك بفعل الأرواح التي اتحدت بالمحبّة والاقتداء، وإلى هذا يشير صلى الله عليه وسلم : "الأرواحُ جنودٌ مجندةٌ فما تعارفَ منها ائتلفَ وما تناكرَ منها اختلفَ".13

فأرواح الصحابة لما تعارفت مع روحه صلى الله عليه وسلم تمّ الاتلاف والامتزاج، فأصبحت تشعر بما يشعر به صاحب الروح الطاهرة النقية الزكية، وتعرج إلى ملكوت الله، وهذه تجربة ذاتية لا يعرفها إلا من ذاقها وعرف أسرارها، وهو من العلم الخاص الذي لا يُدوَّن، وما وصلت إليه أيدينا من أحاديث في هذا الأمر فهو مما يؤصل هذه المسألة.

الهوامش

1 - سنن ابن ماجة عن عائشة - فضائل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
2 -صحيح البخاري عن ابن عباس، كتاب : العلم، باب : قول النبي صلى الله عليه وسلم (اللهم علمه الكتاب).
3 - المرجع نفسه عن ابن عباس، كتاب : الوضوء، باب : وضع الماء من الخلاء.
4 - المرجع نفسه عن أنس كتاب : الدعوات، باب : قول الله تعالى :(وصلِّ عليهم)[التوبة/103] ومن خص أخاه بالدعاء دون نفسه.
5 - صحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة.
6 - مسند الإمام أحمد. ج1.ص/149
7 - صحيح مسلم ، كتاب الصلاة.
8 - مسند الإمام أحمد. عن أسماء بنت أبي بكر الصديق.
9 - مسند الإمام أحمد، عن أبي أمامة. ج5.ص/256-257.
10 - سنن ابن ماجة، كتاب : الجنائز، باب ذكر وفاته ودفنه صلى الله عليه وسلم.
11 - متفق عليه.
12 - مسند الإمام أحمد ج2.ص/304-305.
13 - صحيح البخاري عن عائشة: كتاب : الأنبياء، باب : الأرواح جنود مجندة.

عن الكاتب

حسن بن أحمد

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

نفحات الطريق