نفحات الطريق  نفحات الطريق

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

شرح منازل السائرين عبد الرزاق القاشاني -24

شرح منازل السائرين عبد الرزاق القاشاني -24

باب التذكر


قال الله تعالى : {وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَن يُنِيبُ}[غافر:13] الآية شاهدة بأن التذكُّر لا يكون إلا بعد الإنابة، وأنّ الإنابة بعد التوبة؛ لأن التوبة تقتضي المحاسبة التي هي اشتغال برفع الموانع، والإنابة لا تكون إلا بصفاء الفطرة الموجب للتذكُّر، والتذكر لا يكون إلّا لذي اللّب الخالص عن قشر غواشي النشأة، قال الله تعالى : {وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُو الأَلْبَابِ}[البقرة:269]، ولهذا قال الشيخ رضي الله عنه : "التذكر فوق التفكر، فإن التفكر طلب والتذكر وجود" يعني ان التفكر لا يكون الا عند فقدان المطلوب لاحتجاب القلب بصفات النفس فيتلمس البصيره مطلوبه، وأما التذكر فهو عند رفع الحجاب وخلوص الخلاصة الإنسانيه عن قشور صفات النفس والرجوع الى الفطرة الأولى فيتذكر ما انطبع فيها في الأزل من التوحيد والمعارف بعد النسيان بسبب التلبس بغواشي النشأه، كما قال تعالى : {وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ}[طه:115] . وقد يكون التذكر للمعاني التي حصلت بالتفكر بعد نسيانها.

أَبْنِيَةُ التَّذَكُّرِ ثَلَاثَةٌ: الِانْتِفَاعُ بِالْعِظَةِ، وَاسْتِبْصَارُ الْعِبْرَةِ، وَالظَّفَرُ بِثَمَرَةِ الْفِكْرَةِ.

الانتفاع بالعظة، هو أن تتأثر النفس بسماع الوعد والوعيد، فتنفعل من الوعد بالرجاء الباعث على الاجتهاد في العمل لتحصيل المرجو، ومن الوعيد الباعث على التقوى للحذر من المخوف، والاستبصار وطلب التبصّر بنور البصيرة والسّعي في تحقق جلية للأمر للاعتبار بكل ما يعتريه كحال النّجار صاحت"يس" ومُؤمن آل فرعون في طلب النجاة والبوار، وتحصيل السعادة والكمال. وحال بَلْعَام بن باعوراء وفرعون ولى هو وأضرابهم في الحذر عن الهلاك والعقاب، والخلاص من الشقاق والوبال.

وأمّا الظفر بثمرة الفكرة فهو على نوعين : أحدهما العمل بمقتضى العلم الحاصل بالفكر الصائب في الأعمال والأخلاق فإنه يوجب العمل الصالح "ومن عمل بما علِم ورّثه الله تعالى علم ما لم يعمل" بالتذكر لِما في الفطرة للتنوّر والصفاء الحاصل بالعمل الصالح.

والثاني : حصول المعارف والحقائق الكامنة في الاستعداد الفطري، فإنّ الفكر مُعدٌّ لقبول المعنى الفائض بحسب الاستعداد لا على سبيل التذكُّر، وليس بموجب لحصول المعنى المطلوب وإلّا لكان كلّ طالب بالفكر واجِداً، وليس كذلك، فإن غير المستعد لا يعود الفكر إليه بشيء، فالفكر إنما يُثمِرُ المعارف والحقائق للمستعد بالتذكر.

عن الكاتب

حسن بن أحمد

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد الموقع أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

نفحات الطريق