نفحات الطريق  نفحات الطريق

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

شرح حزب البحر للشيخ أبي الحسن الشاذلي/أحمد زروق-14


ثم قال الشيخ رضي الله عنه : (سَتْرُ العَرْشُ مَسْبُولٌ عَلينا وَعَينُ اللـه نَاظِرةٌ إلينا بَحَوْلِ اللـه لاَ يُقْدَرُ عَلينا. * وَاللـه مِن وَرَائِهِم مُّحِيطٌ بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ).

قلت :هذه الجملة تعوذ وتحصن، واستناد إلى الله في طلب الستر والحفظ، فستر العرش هو الستر الشامل الكامل، الذي عم الخلائق، لانه سقف الجنة، وجوامع العوالم، وعين الله رحمته وافضاله،وقد كتب عبد الملك بن مروان للحجاج يهدده , ويتوعده، فكتب الحجاج لابن الحنفية بذلك، فأجابه، بأن لله في عباده كل يوم ثلاثمائة وستين نظرة، ولعلها أن تصادفني نظرة منها، فينجيني، أو قال : فينقدني منك، فكتب بها إلى عبدا لملك، فقال عبد الملك : مثل هذا الجواب لا يخرج إلا من بيت النبوة، أو كما قال .

وقول الشيخ : ( بحول الله لا يقدر علينا ) يعني بعزة الله – لا يحول بها عباده، أي يقلبهم ويصرفهم على مراده – أي : لا يقدر علينا في الوجود بيد عادية ولا غيرها .

وقوله تعالى : (بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ) يعني عظيم، رفيع القدر، في لوح محفوظ من التبديل والتغير، أي فكما حفظ يكون الحفظ به، تم تلى آية الحفظ، وهي قوله تعالى : (فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا) ويعني حفظه خير من حفظ الأسباب وغيرها، لأنه أرحم الراحمين، بل لا رحمة إلا منه سبحانه وتعالى ، فالرحمة بساط الحفظ، وكمال الحفظ بكمال الرحمة، والراحمون الذين جرت عليهم أسباب الرحمة، وهو الذي رحمهم بذلك (لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَـنُ الرَّحِيمُ) وإثبات وصف الرحمة للخلق على حكمهم من النقص والحدوث، ولولا إثبات هذه الصيغة في كتاب الله، وجريانها من أنبياء الله، ما صح إطلاقها منا .

نعم، وقال صلى الله عليه وسلم : ( الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمْ الرَّحْمَنُ يَوْمَ القِيَامَةِ ). وقال : (ارْحَمُوا مَنْ فِي الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ).

وقد نهت الآية على الرجوع من الأسباب للتوكل عند غلبة الأحوال، وهو الأصل . قال في التنوير : والقول الفصل في ذلك لا بد من الأسباب وجودا، ومن الغيبة عنها شهودا، فاثبتها من حيث أتثبتها بحكمته، ولا تستند إليها لعلمك بأحديته. انتهى فافهم يرحمك الله فهو غاية الآمر وجملته. وبالله التوفيق .

ثم قال الشيخ رضي الله عنه : (إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ ) ثلاثا. (حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ) ثلاثا . ( وَلَا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ) ثلاثا.

قلت : لما ذكر في الجملة التي قبل هذه استناده إلى الله وأن ما سواه تعالى لا يساوي شيئا، ذكر في هذه الجملة انقطاعه مما سوى الله بالرجوع إلى ولايته، لأنه هو الذي يتولى الصالحين، أي المنقطعين إليه، الذين لا يلوون على غيره، فلم يدعهم لسواه، إذ لم يبق فيهم بقية لغيره .

وقد قال الشيخ أبو العباس المرسي رضي الله عنه : مثل الولي مع الله كمثل ولد اللبوة مع أمه أتراها تاركته لمن يريد أن يغتاله .

قال الله تعالى : (وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ). وقال عز من قائل : (وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ) أي : كافيه، وواقيه، وناصره . والصالحون هم الذين صلحت أحوالهم، وأعمالهم، فلم تصلح قلوبهم لغيره، ولا جوارحهم لغير اتباع أمره، فيدخل فيهم الأعلى والأدنى ومن خاصته وأهله، وهم الذين تحققوا وتخلقوا بمقتضى قوله تعالى : ( حَسْبِيَ الله ) أي اكتفيت به، فلا أطلب غيره، ولا أطلب من غيره، لأنه لا إله إلا هو، لا مستحق للكمالات مع اتصافه بها سواه، عليه توكلت فيما أريد، وهو رب العرش العظيم، فلا أحب سواه، كما قال الصديق يوسف عليه السلام : "لا أخرج من السجن" إذ قال : حسبي من دنياكم ديني , وحسبي من ديني ربي .

وقوله : ( لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا باللَّهِ العَلِيِّ العَظِيمِ ) يعني لا حركة ولا ثبات إلا بالله وبإذنه وتقديره .وفي حديث : ( لَاَ حَوْلَ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ إِلاَّ بِعِصْمَةِ اللَّهِ ، وَلاَ قُوَّةَ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ إِلاَّ بِإعَانَةِ اللَّهِ) . وجاء في الحديث : ( إنَّهَا كَنْزٌ مِنْ كُنُوزِ الجَنَّةِ، وَأَنَّهَا تَدْفَعُ سَبْعِينَ بَابًا مِنَ البَلَاءِ أَدْنَاهُمْ الهَمّ).
قيل : ومعنى كنز من كنوز الجنة إنها بساط الرضا والتسليم الذي هو جنة الدنيا .
قال عبد الواحد بن زيد رحمه الله : الرضا باب الله الأعظم، ومستريح العابدين، وجنة النعيم .
وقال الله تعالى : (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً) وقيل : القناعة .
وإنما وصف الأولياء بأنهم لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، لأنهم قد استسلموا إلى الله، ورضوا عنه، فلا يختارون غير مختاره، وذلك أمر لا يصح معه حزن ولا خوف .والله أعلم.
وقد تقدم معنى ( العلي العظيم ) أول الكتاب فانظره هناك .

وإنما ذكر الأوراد ثلاثا ثلاثا لما ذكرناه من أن سنة الدعاء والتعوذ والرقي، ونحوه أن يكون ثلاثا، والله أعلم .
وقد جاء في الحديث : (من قال : "فَإِن تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ" بعد صلاة الصبح سبع مرات كفاه الله يومه ذاك، وإن لم يكن صادقا، وإن قال مساء كذلك حتى يصبح) .

وروي عبد الملك بن حبيب أن من قالها عشرا صباحا كفاه الله شر ما خلق، وذكر مثله في المساء، والأول صحيح أو قريب من الصحة بخلاف الثاني .وبالله التوفيق

انتهى شرح حزب البحر للشيخ احمد الزروق رضي الله عنه .

عن الكاتب

حسن بن أحمد

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد الموقع أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

نفحات الطريق