نفحات الطريق  نفحات الطريق

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

المعرفة في التصوف

المعرفة في التصوف

إن الحديث عن نظرية المعرفة، يعتبر من الأهداف التي يسعى إليها الفكر الإنساني عبر مختلف العصور فهي أداة من أدوات رقيّه وتقدّمه، وبدونها لا يستطيع الإنسان ولا أي مجتمع بناء ذاته وتكوينها تكوينًا يليق بمقتضيات التقدم الحضاري، فهي المنطلق الذي يحدد قيمة ذلك المجتمع أو المذهب ويفرق بينهما.

والمعرفة بمعناها الشمولي يمكن تقسيمها إلى معارف مختلفة منها معرفة حسية وتجريبية، ومعرفة عقلية وحدسية، وأخرى وجدانية وذوقية، وعلى رغم هذا الاختلاف بينهم إلّا أن الهدف منها جميعًا هو معرفة الله والإقرار بوجوده ووحدانيته كما أنّ الخاصية المشتركة بينهم هو اليقين والوضوح.

ولعل أقوى الضربات التي أصابت العقلانية جاءت من جهة الصوفيّة، باعتبار أنّ العقل لم يفسر ويشرح جوهر الوجود، فكان أول مصدر للمعرفة (المعرفة الإلهية) لا يكون عن طريق العقل، بل عن طريق القلب والوجدان، حيث تكتمل درجات المعرفة الربانية ويصل الإيمان إلى حدود الحقيقة واليقين والذي لا سبيل لتوغر الشك فيه، ولا يعني هذا أبدًا أن الصوفية ينكرون دور العقل والحس بل يعتبرون أن العقل غالبًا ما يخطئ في إصدار الحكم المعرفي ولهذا فإن البصيرة هي أرقى مصدر للمعرفة.

لقد سار الصوفية جميعًا في طريق روحي يهذب النفس ويرقيها إلى أسمى معاني الربوبية فراح كل واحد منهم يخوض تجربته الذوقية منفردا عن غيره، محددا هذا المصطلح انطلاقا ممّا عاشه في تجربته، ممّا صعب الأمر على الباحثين في هذا المجال حول إعطاء مفهوم محدد للتصوف، وقبل التكلم عن هذه التعريفات، لا بد من الإشارة إلى أصل التسمية.

نجد الكلاباذي أرجع هذا المصطلح إلى الصُّفَّة أو الصوف، لأنه يعبر عن ظاهر أحوالهم فهم قوم هجروا بلادهم وأجاعوا أكبادهم، وأعرو أجسادهم.

وقال بشير بن الحارث : (الصوفي مَن صفا قلبه لله).

وهناك من نسبهم إلى الصُّفَّة والصف الأول، فإنه عبر عن أسرارهم وبواطنهم، وذلك أن من ترك الدنيا وزهد فيها وأعرض عنها صفّى الله سره ونور قلبه، غير أن القشيري لا يوافق على هذه النسبة، فمن قال : إنهم منسوبون إلى صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالنسبة إلى الصفة لا تجيء على نحو الصوفي.

ومن قال : إننه مشتق من الصفاء، فاشتقاق الصوفي من الصفاء بعيد عن مقتضى اللغة، وقول من قال : (إنه مشتق من الصف، فكأنهم في الصف الأول بقلوبهم فالمعنى صحيح ولكن اللغة لا تقتضي هذه النسبة إلى الصف).

وقد سئل أبو محمد الجريري عن التصوف فقال : (الدخول في كل خُلق سَنيٍّ والخروج من كل خُلق دنيءٍ)،أما ابن عربي فقد قال في فصوص الحكم : (اعلم أن القلب أعني قلب العارف بالله هو من رحمة الله، وهو أوسع منها فإنه وسع الحق جل جلاله ورحمته لا تسعه).

انطلاقا من هذه التعريفات التي أعطيت للتصوف، نجد أن التصوف يقوم على مجاهدة النفس وتطهيرها من كل الشوائب، والابتعاد عن كل ملذات الدنيا وما يحتويه هذا العالم المادي من شهوات، لترتقي الروح إلى عالم علوي يفارق هذا العالم الحسي.

فالغاية التي يسعى إليها الصوفي هو الفناء الكلي في الذالت الإلهية، وهذا لا يكون إلا بالرياضات الروحيّة، حيث يهيء القلب لتلقي المعارف والأسرار الربانية، وعليه فإن المنهج المتبع في ذلك هو المنهج الذوقي أو الكشفي، ولا يعني بتاتا أن المتصوفة يهملون دور العقل، بالعكس من ذلك فالعقل هو نور الله الأعظم، إلا أن هذه الأسرار الربانية لا يدركها الصوفي إلّا بقلبه، فالقلب هو المصدر الوحيد للمعرفة، وسبيلها التجربة المباشرة، فهي ترتبط باللقاء المباشر بين العارف وموضوع معرفته، وهذا ما يؤكده الصوفية في نهاية المطاف، أنهم يتلقون بالله مباشرة.

يقول الصوفية لأهل الظاهر : "أخدتم علمكم ميِّتًا عن ميّت وأخدنا علمنا عن الحيّ الذي لا يموت"، فالمعرفة كما قال أبو الطيب السامري : (طلوع الحق على الأسرار بمواصلة الأنوار)، فالعارف تضيء له أنوار العلم فيبصر به عجائب الغيب، وبهذا يكون العلم عند الصوفية هو ظاهر الحقائق، أما المعرفة فهي باطنها، وقد زهرت هذه التفرقة في وقت متأخر فقط.

ومن هنا يقال : عرفت الله ولا يقال علمتُ الله، فالعارف غير العالم، لأن العلم يستخدم فيما يدرك بطريق الكسب والتحصيل والتعليم والتلقين، أما المعرفة فتكون عن طريق الوهب، فالعلم في نظر الصوفية علمان : علم كسبي وعلم وهبي، الأول يأتي عن طريق التحصيل أي عن طريق العقل، أما النوع الثاني فهو ما يقذفه الله في قلب المؤمن.

ويرى ابن عربي أن العلم الوهبي إما أن يكون وحيا ويختص به الأنبياء، أو يكون إلهاما ويختص به الأنبياء والأولياء التابعين الوارثين، أي العلم الحاصل عن الوحي ويسمّى علما نبويا، والذي يحصل عن الإلهام علما لدنيا، فكلاهما مصدر واحد.

فالمعرفة الصوفية هي معرفة لدنية أو إلهامية، ويعتبر ذوالنون المصري من الأوائل الذين تعرضوا للحديث عن المعرفة فقال : (مَن آنسه الله بقربه أعطاه العلم من غير تعب أو طلب)، وهو يرى أن المعرفة على ثلاثة وجوه : الأول معرفة التوحيد، وهي خاصة بعامة المؤمنين، والثاني معرفة الحجة والبيان وهي خاصة بالحكماء والعلماء، أما الثالث معرفة صفات الوحدانية، وتلك خاصة بأهل ولاية الله الذين يشاهدون الله بقلوبهم.

نستطيع أن نقول أن موضوع المعرفة نوعان : معرفة حق ومعرفة حقيقة، النوع البأول يراد به معرفة الواحد الحق بإثبات وحدانيته على ما أخبر من صفاته، أما النوع الثاني فيتعلق بمعرفة حقيقته، وما يشير إليه ذو النون المصري من خلال هذا التقسيم، هو معرفة صفات التوحيد، أي صفات الله دون حقيقته، لأن مثل هذه المعرفة لا سبيل إليها لقوله تعالى {وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا}[طه:110]. أي لا سبيل للتوغل في الذات الإلهية، لأن ذلك يعتبر جهل.


فالمعرفة الذوقية تستوجب النظر إلى الخالق، وهذه المرتبة لا يفقهها إلا خواص الخواص لأن معرفة العوام تظل معرفة العبودية، ومعرفة الخواص هي معرفة الإجلال والعظمة، أما معرفة خواص الخواص فهي معرفة الأنس والمناجاة أي معرفة القلب، كما يقول أبو يزيد البسطامي :(من عرف الله فإنه يزهد في كل شيءيشغله عنه) بمعنى أن لا يكون في قلبه سوى الله.

عن الكاتب

حسن بن أحمد

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد الموقع أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

نفحات الطريق