نفحات الطريق  نفحات الطريق

آخر الأخبار

random
جاري التحميل ...

الخطاب الرّوحي في الأدب الصوفي -43

الخطاب الرّوحي في الأدب الصوفي -41
من خلال ما سبق ذكره نلاحظ صعوبة الاتفاق على معنى موحد لماهية الجمال وذلك الشأن في كل ما يتعلق بأعمق مشاعر الإنسان كالحب والبغض وغيرها، فالجمال مرتبط بالجانب الذاتي بمعنى أن كل فرد يقوم بتحديد مقاييس الجمال الخاصة به وبالتالي فهو يستمتع بالجمال من وجهة نظره التي تختلف مع غيره، بمعنى أن الجمال ليس صفة مطلقة بل هو نسبي، وبالتالي فلا يمكن تحديده.

وعليه، فإن الجمال مرتبط بالجانب الذاتي عند الإنسان ولكل فنان أدواته التي يبرز بها تجربته الجمالية التي ما هي في الحقيقة إلا نشدان للكمال في عالم الفن، والتذوق الجمالي فعل منعكس، يصدر عن النفس التي تستجيب للمثيرات الجمالية بما فيها من جمالات فطر الله الناس عليها.

والخطاب الصوفي في علاقته بالخطاب القرآني؛ الذي يعهد " سلطة فنية من حيث تساميه الأدبي المباين للمألوف من الأجناس الأدبية وهو سلطة روحية أيضا بتصديه تقريرا وجدلا، لتخرصاتهم الاعتقادية والمعرفية الشركية، واحتوائه المجال الفكري، والروحي الذي تصدر عنه ذهنية الكفر، و هذا لاعتماده معطى الإيمان بالتوحيد، و بالغيب، واقعا فكريا ماثل للحس ممازجا للوجدان "، لذلك كان الخطاب القرآني المصدر الملهم لأقطاب التصوف، والركيزة التي يؤسسون عليها بنيتهم الخطابية التواصلية.

كما اقترن الخطاب الصوفي بالجمال في العمل الأدبي، وهذا التفاعل إما أن يخلق إحساسا بالمتعة والجمال والقبول، فيترك أثراً في النفس المتلقية حسب تفاعلها وفهمها لعالم رموز الصوفيهة، وإما أن يولد شعورا بالسأم والقبح والنفور، لكونهم لم يلجوا عالم فك شفرات رموز أرباب التصوف، وكثيرا ما ارتبط الخطاب الصوفي بالجمال كمؤشر أدبي تتجلى فيه البلاغة والقدرة على التأثير في المخاطبين وهناك ارتباط بين الخطاب الصوفي والخطابة، وتعد الخطابة عند أرسطو طاليس في حديثه عن مكوناتها ثلاثة: "إحداهن الأخبار من أي الأشياء تكون التصديقات والثانية ذكر التي تستعمل في الألفاظ، والثالثة هو أنه كيف ينبغي أن ننظم أو ننسق بين أجزاء القول".

وقد عهدها الجاحظ جنسا من البلاغة، فالخطابة تركز على عملية الإقناع التي يختص بها الباث إزاء المتلقي أو السامع قصد إثارة عواطفه، أما ما يستمد منه الخطاب في جانبه النظري في كونه اليوم يطرح كآلية فعالة في الفكر الإنساني أمام أي طرح أو نقاش وهو الآن الآلية والرهان الهذي بادر ويبادر النقد الأدبي الحديث والمعاصر في عرضه التحليلي أو هو نقطة تقاطع وتلقي بين تحليل النصوص و الإجراءات التطبيقية التي تهتم كثيرا بالمعني في شكله وبنائه، وفي تجاوز ما يقوم النص بطرحه إلى الكيفية التي يتبعها النص في المعنى الذي يطرحه.

أما في الدراسات اللغوية واللسانية في الغرب فقد عرف هذا النوع "الخطاب" تفاعلت لاسيما بعد ظهور كتاب فرديناند دوسوسير (Fredinand de saussire) محاضرات في اللسانيات العامة متضمنا المبادئ الأساسية التي جاء بها هذا الأخير وأهمها:

1 - التفريق بين الدال والمدلول.
2 - اللغة ظاهرة اجتماعية.
3 - الكلام ظاهرة فردية. وبلورته لمفهوم "النسق" أو "النظام" الذي تطور فيما بعد إلى بنية وثمة علاقة و طيدة بين الخطاب و الأدب الجمالي، و الخطاب له مقاييس تميزه أي هناك شروط وخصائص و مقاييس تجعل منه خطابا أدبيا، و هو ما جعل بعض الدارسين المحدثين يرون بأن هدف "علم الأدب ليس دراسة الأدب، بل دراسة أدبية الأدب".

وفي السياق نفسه يقول : " بوريس ايخمباوم " ( Bouriss Eikhenbaoum) لقد اعتبرنا ولا نزال نعتبر أن الشرط الأساسي لموضوع العلم الأدبي يجب أن يكون دراسة الخصائص النوعية للموضوعات الأدبية التي يميزها من كل مادة أخرى وهذا باستقلال تام عن كون هذه المادة تستطيع بوساطة بعض ملمحها الثانوية أن تعطي مبررا لاستعمالها في علوم أخرى كموضوع مساعد».

ويعرف "عبد السلام المسدي" الخطاب الأدبي بأنه: "خلق لغة من لغة" أي أن صانع الأدب ينطلق من لغة موجودة فيبعث فيها لغة وليدة، و هي لغة الخطاب الأدبي و يمكن أن نقول: «إن الخطاب الأدبي هو تحويل لغة عن لغة موجودة سلفا، و تخليصها من القيود التي يكبلها بها الاستعمال و الممارسة ، فالخطاب الأدبي بهذا المعنى : كيان عضوي يحدده انسجام نوعي، وعلاقة تناسب قائمة بين أجزائه»، و الخطاب الأدبي نظام إشاري معقد و مركب ، وليس بسيطا ، كما هو الحال في نظام إشارات المرور الضوئية مثلا، فالنظام الأدبي معقد بالنظر إلى تعقد تكوينه والعوامل المؤدية إليه معا ، " فمن حيث التكوين يتشكل النص الأدبي من مجموعة من الأنظمة الفرعية الداخلية المرتبطة تماما بمجموعة من الأنظمة الكلية والفرعية الخارجية هناك في التشكيل اللغوي للنص ، وهناك النظام الصوتي بفروعه وهناك النظام المعجمي ، وهناك النظام النحوي والنظام المجازي وهي كلها أنظمة تشكل رؤية الكاتب، ومنها جميعا تتشكل دلالة النص الكلية".

عن الكاتب

حسن بن أحمد

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد الموقع أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

نفحات الطريق