نفحات الطريق  نفحات الطريق

آخر الأخبار

random
جاري التحميل ...

إيقاظ الهمم في شرح الحكم -60

إيقاظ الهمم في شرح الحكم -60
ثم بين مستندهم في ترك الطلب فقال :

(اعْتِمَاداً عَلَى قِسْمَتِهِ وَاشْتِغَالاً بِذِكْرِهِ عَنْ مَسْئَلَتِهِ)


قلت : أما الاعتماد على القسمة الأزلية فقد تقدم الكلام عليها في الحكمة قبل هذه، وأما الاشتغال بالذكر عن المسئلة فقد تقدم قريباً في الحديث : "مَنْ شَغَلَهُ ذِكْرِي عَنْ مَسْئَلَتِي". وقال الواسطى رضي الله عنه : "ما جرى لك في الأزل خير من معارضة الوقت" يعني بالطلب للحظ. وقال القشيري : إذا وجد في قلبه إشارة إلى الدعاء دعا، كما إذا وجد نشاطاً أو انبساطاً للدعاء، فالدعاء أولى وإذا وجد في قلبه قبضاً فالسكوت أولى.

وقال بعضهم : ما سألت الله تعالى بلساني شيئاً منذ خمسين سنة، ولا أريد أن أدعو ولا أن يدعى لي.

وذلك لأن الله سبحانه ليس بغافل حتى يذكر بل هو عليم بخفيات أمورك فيأتيك منها ما قسم لك كما بين ذلك بقوله :

( إِنَّمَا يُذَكَّرُ مَنْ يَجُوزُ عَلَيْهِ الإِغْفَالُ)


وقد قال تعالى : {وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ}[البقرة:149]{أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ}[الزمر:36] ولا يحتاج إلى تنبيه لأنه لا يهملك فيما هو من قسمتك كما بينه بقوله :

(وَإِنَّمَا يُنَبَّهُ مَنْ يُمْكِنُ مِنْهُ الإِهْمَالُ)


والحق تعالى لا يجوز عليه الإهمال لكمال قدرته، وإحاطة علمه، ولكن حكمته اقتضت ارتباط الأسباب والعلل، وتقديم الأشياء وتأخيرها، قال تعالى : {وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ}[الرعد:8] فمن كمل يقينه اكتفى بتدبير الحق عن تدبيره، واستغنى بعلم الله عن استعجاله، ورضي بتصريف الحق فيما يفعل، فيكون إبراهيمياً حنيفياً ولا شك أن من كان على ملة إبراهيم عليه السلام اقتدى به، وقد كان بين السماء والأرض حين رمي به فاستغني بعلم الله عن سؤاله فكانت حالة إبراهيم عليه السلام في ذلك الوقت الاستغراق في الحقيقة، فلما رد للشرائع دعا فقال : {رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ }[إبراهيم:41] {رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ}.[الشعراء:83]

وكذلك الأنبياء عليهم السلام أكثروا من الدعاء للتشريع والتعليم وإظهار الفاقات التي هي مواسم وأعياد كما أبان ذلك بقوله :

(وُرُودُ الفَاقَاتِ أَعيَادُ المُرِيدِينَ)


قلت : الأعياد جمع عيد، وهو ما يعود على الناس بالأفراح والمسرة، فالعوام فرحهم ومسرتهم بالحظوظ والعوائد الجسمانية، والخواص فرحهم بإقبال الملك عليهم ووجود قلوبهم وصفاء وقتهم من كدرات الأغيار، والغالب أن هذه المعاني إنما توجد عند الفاقة والحيرة والاضطرار حيث ينقطع حظ النفس فيها، لأن النفس كلما ضيقت عليها رَحلتْ إلى عالم الملكوت وفي ذلك العالم راحتها وفرحها ومسرتها، قال تعالى : {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى ۝ فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} [النازعات:40-41] وهما جنتان معجلة ومؤجلة، فلأجل هذا آثرت الصوفية الفقر على الغناء، والشدة على الرخاء، والذل على العز، والمرض على الصحة لما يحصل لهم بذلك من الرقة والحلاوة، وكلما ازدادوا فاقة زادهم الله قرباً وولاء، وكان بعضهم يطوف حول الكعبة ويقول :

مؤتزرٌ بشملتي كما تري ... وصبيةٌ باكيةٌ كما تَرى
وامرأتي عريانة كما ترى ... يا من يرى الذي بنا ولا يرى
أما ترى ما حل أما ترى

فسمعه بعضهم فجمع له كسرا ودفعها إليه، فقال له : إليك عني لو كان معي شيء لما أمكنني أن أقول هذا القول.

وقال أبو إسحاق الهروي رضي الله عنه : "من أراد أن يبلغ الشرف كل الشرف فليختر سبعاً على سبع، فإن الصالحين اختاروها حتى بلغوا سنام الخير، اختاروا الفقر على الغنى، والجوع على الشبع، والدون على المرتفع، والذل على العز، والتواضع على الكبر، والحزن على الفرح، والموت على الحياة".

وقال بعضهم : إن الفقير الصادق ليتحرز من الغنى حذرا أن يدخله فيفسد عليه فقره، كما يتحرز الغني من الفقر حذرا أن يفسد عليه غناه.

وأنشدوا في أعياد العارفين :

قالوا عدا العيد ماذا أنت لابسه ... فقلت خلعة ساق حبه جرعا
فقر صبرهما ثوباي تحتهما ... قلب يرى إلفه الأعياد والجمعا
أحرى الملابس أن تلقى الحبيب به ... يوم التزاور في الثوب الذي خلعا
الدهر لي مأثم أن غبت يا أملي ... والعبد ما كنت مرأى لي ومستعماً

وقال آخر

قالت هنا العيد بالبشرى فقلت لها ... العيد والبشرى عندي يوم لقياك
الله يعلم أن الناس قد فرحوا ... فيه وما فرحتي إلا برؤياك


عن الكاتب

حسن بن أحمد

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد الموقع أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

نفحات الطريق