نفحات الطريق  نفحات الطريق

آخر الأخبار

random
جاري التحميل ...

روح القدس فى مناصحة النفس 6

روح القدس فى مناصحة النفس 6

وأما أهل السماع والوجد في هذه البلاد فقد اتخذوا دينهم لعبا ولهوا، لا تسمع إلا من يقول لك، رأیت الحق، وقال لي، وفعل وصنع، ثم تطالبه بحقيقة منحها أو سر استفاده في شطحه، فلا تجد إلا لذة نفسانية، وشهوة شيطانية، يصرخ على لسانه الشيطان فيصعق، مادام المغرور والآخر بشعره ينهق، فلا أشبههم إلا براعي غنم ينعق بغنمه، فتقبل وتدبر بنعيقه، ولا تدري فيماذا ولا لماذا، فواجب على كل محقق في هذا الزمان ممن ينظر ويقتدي به المريد الضعيف أن لا يقول بالسماع أصلا، ويقطعه قولا فصلا، وقد أوضحنا مقامه لأهل هذه البلاد وما يتطرق إليه من الفساد ، واحتجوا علينا بأحوال من سمع من الشيوخ في الرسالة القشيرية وغيرها، فأوضحنا مبهمها، وأعربنا معجمها، فأقروا بنقصه في مراتب الوجود، فمنهم من عدل عنه ومنهم من قام فيه على معرفته بنقصه، وليعلم وليي وفقه الله تعالی، أني لما قررت بالحرم الشريف ما ذكرته لك في حق المنتسبين للصوفية وفي أحوالهم ثقل ذلك على شخص فقال : ما دعاه إلى هذا ؟ والإعراض عن هذا كان أحسن ، وما أشبه هذا الكلام، فزاد عندي اعتراضه تقوية أن هذا هو الحق لكونه ثقل عليه، ولقد عمي هذا القائل عن الأصول التي استندت إليها في فعلي هذا، هو يسلمها ، وقد قرعت سمعه غير مرة، ولم يعتب عليهم بل استحسين ذلك، فلما وقع ذلك الذم في أهل زمانه ، رأى أن ذلك فضول لكونه في ذلك الزمان، فخاف أن يتطرق إليه الذم في نفسه، فحزن ولو أنصف لبحث عن نفسه.

وأما الأصول التي استندت إليها في ذلك فكثيرة جدا، روينا عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال يوم فتح مكة في القرن الفاضل لما فقد عقد من عنق بعض أهله تأوَّه وقال : "ارتفعت الأمانة اليوم من بين الناس" وحكم بتلك النازلة الواحدة على الزمان، ذكره في السير في غزوة فتح مكة.

والأصل الآخر بينته عائشة رضي الله عنها لما نظرت إلى زمانها وأهله وما هم فيه من البخل والحرام تأوهت وقالت : يرحم الله لبيدا حيث يقول :

ذهب الذين يعاش في أكنافهم *** وبقيت في خلف كجلد الأجرب

ثم قالت : "كيف به لو أدرك زماننا"، فذمت زمانها وأهله.

وقد روينا عن غير واحد عن ابن القشيري وعن الغانمي كلاهما عن القشيري رحمه الله أنه قال في رسالته يذم أهل زمانه، وقد سمعها هذا المعترض علي واستحسن ذلك منه، ثم قال : "لم يبق في زماننا من أهل هذه الطائفة إلا أثرهم :

اما الخيام فإنها كخيامهم *** وأرى نساء الحي غير نسائها

حصلت الفترة في هذه الطريقة، لا بل اندرست الطريقة بالحقيقة". وذمهم بأشد الذم ، في أول الرسالة، ولتداولها بين أيدي الناس أخبرنا عن حكاية قوله. وروينا عن أبي حامد وغيره عن أبي المغيث في كتاب "المنقطعين له" من حديث ابن المهلب قال : مررت بالساحل فرأيت شابا قد احتفر لنفسه حفرة في الرمل، فسألته فتأوه، وقال يذم أهل زمانه : توعرت السبل، وقل السالكون لها، قد افترشوا الرخص، وتمهدوا الزلل، واعتلوا بزلل الماضين.. إلى مثل هذا الكلام، ثم قام فمشى على الماء حتى غاب عني. أرأيت قط هذا يتفق لمن تكلم فيما لا يعنيه ؟.

وروينا عن غير واحد من حديث عبد الرحمن بن الحسن عن هارون عن أبي معاوية عن الأعمش عن أبي صالح قال : لما قدم أهل اليمن - زمان أبي بكر وسمعوا القرآن جعلوا پیكون فقال أبو بكر رضي الله عنه : "هكذا كنا ثم قست القلوب" ، وثبت أيضا تقريع النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه المعذبين بمكة على إسلامهم، ومنهم خباب رضي الله عنه وقاسى بلاء شديدا من أجل إسلامه، قال رضي الله عنه : "شكونا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ما نلقاه من البلاء، وقلنا : ألا تدعو الله لنا، ألا تستنصر لنا : فجلس محمرا وجهه ثم قال : والله من كان قبلكم ليؤخذ الرجل فيوضع المنشار على رأسه فیشق باثنتين ما يصرفه عن دينه شيء، أو يمشط بأمشاط الحديد ما بين عصب ولحم ما يصرفه عن دينه شيء".

يا أيها المعترض هذه الأصول التي استندت إليها في ذم أهل وقتي لا حشرني الله معهم، ولا أماتني على حالتهم، هلا كنت ناصري في قولي هذا، و تعرفه أنه الحق، وأن اليوم الحال على ما وصفناه، وكنت تأتيني باكيا على نفسك ، وأنا أيضا كذلك، عسى الله يرحمنا، إلا رضيت لنفسك أن تكون منافقا مداهنا وللمداهنين إماما، والله لا أرضى بهذه الحالة، فتب إلى الله وارجع إليه فإنه يرجع إليك، وتعالى نقم مأتما ومناحة على التقصير في العمر اليسير، وعلى الاشتغال بالترهات والفرح بالخزعبلات، بل أضل الأباطيل، ونقول : والله إنه كل من ثقل عليه هذا الكلام فهو بتلك الصفة التي وصفنا ولهذا قلق، ولو كان بريئا منها سكن كما سكن عند ذكرنا ذم السراق والقطاع وأشباههم، ولما كان له في هؤلاء مدخل فر إلى الاعتراض ليزداد من الله بعدا في رده الحق، وليس اعتراضه علينا في هذا بأول دمع جرى على طلل، فإنه لم يزل أبدا كل من تكلم في معايب النفس وأحوالها، ويبدي نقائصها، ويذم شأنها على التعيين وعلى غير التعيين في كل زمان مذموما في زمانه لعدم موافقة أغراض النفوس ، فإذا انقرض زمانه ومات، ونشأت طائفة أخرى بعده، عند ذلك يعرف قدر ما جاء به ، ويقال : قال فلان رضي الله عنه، هكذا كان الناس .

     

عن الكاتب

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد الموقع أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

نفحات الطريق